تُعد الصحافة السورية واحدة من أكثر القطاعات التي تأثرت بالتحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية، حيث انتقلت تدريجياً من نموذج إعلامي تقليدي شديد الارتباط بالخطاب الرسمي إلى مشهد أكثر تعقيداً وتعدداً، تتداخل فيه الأصوات والمنصات والرؤى المختلفة. وفي ظل هذا التحول، لم تعد الصحافة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت مساحة يتقاطع فيها الرأي مع التحليل، والمعلومة مع التأويل، والسلطة مع الجمهور.
ومع دخول سوريا مرحلة من التغيرات العميقة، وما رافقها من حرب ودمار وتهجير وانفتاح على الإعلام الرقمي، برزت تحولات جوهرية في طبيعة العمل الصحفي وفي شكل الخطاب الإعلامي. فقد ظهرت منصات جديدة، وتبدل دور الصحافي التقليدي، وازدادت مساحة التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما خلق بيئة إعلامية أكثر تنوعاً لكنها أيضاً أكثر تعقيداً من حيث المصداقية والاستقطاب.
وفي حوار لـ”963+” مع الدكتور أحمد الزين الخبير في الشؤون الاستراتيجية، نناقش أبرز التحولات التي طرأت على الصحافة السورية، من موقعها التاريخي بوصفها “لسان حال السلطة” إلى محاولات بناء فضاء إعلامي أكثر استقلالية وتعدداً، كما نتوقف عند تأثير الإعلام الرقمي، ودور التمويل السياسي، وتغيّر علاقة الجمهور بالإعلام، ومستقبل الصحافة الورقية في ظل هذا المشهد المتسارع.
وفي مايلي الحوار كاملاً:
كيف تغيرت وظيفة الصحافة السورية خلال العقود الماضية؟ وهل انتقلت من “لسان حال السلطة” إلى مساحة أوسع للتعبير؟
بدايةً، لا يمكن الحديث عن الصحافة السورية اليوم بمعزل عن التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي شهدتها سوريا خلال العقود الماضية. فالصحافة السورية القديمة كانت إلى حدٍ كبير مرتبطة بالسلطة السياسية، إذ لعبت دور “لسان حال الدولة”، وكانت مهمتها الأساسية نقل الرواية الرسمية وتثبيت خطاب السلطة، من دون إتاحة مساحة حقيقية للرأي الآخر أو للنقاش العام المفتوح. في تلك المرحلة، كان الإعلام السوري يعتمد على التلقين أكثر من اعتماده على الحوار، وكانت حرية التعبير محدودة جداً، بل إن أي محاولة للخروج عن الخط الرسمي كانت تُواجه بالمنع أو التضييق أو القمع. لذلك، لم يكن الجمهور يرى في الإعلام مساحة للتعبير بقدر ما كان يراه أداة رسمية لنقل المواقف السياسية للدولة.
لكن مع التحولات التي شهدتها سوريا، وخصوصاً خلال السنوات الأخيرة، بدأت وظيفة الصحافة السورية تتغير بشكل واضح. فقد ظهرت منصات إعلامية جديدة، وبرز صحافيون شباب يحملون رؤى مختلفة، وأصبح هناك حضور أكبر للرأي والرأي المضاد. اليوم بات المشهد الإعلامي أكثر تنوعاً، وأصبح الجمهور قادراً على الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات، بدلاً من الاكتفاء بالمصدر الواحد كما كان الحال في السابق. وما يميز هذه المرحلة هو اتساع هامش حرية التعبير مقارنة بالماضي، حتى وإن كانت هذه الحرية ما تزال تواجه تحديات عديدة.
هل يمكن القول إن جيلاً كاملاً من الصحافيين السوريين أُعيد تشكيله بفعل الحرب والهجرة؟ وكيف انعكس ذلك على طبيعة الخطاب الإعلامي السوري؟
الحرب السورية والهجرة الواسعة التي شهدها السوريون خلال السنوات الماضية لم تؤثر فقط على المجتمع والسياسة، بل أعادت تشكيل البيئة الإعلامية بشكل كامل. فالكثير من الصحافيين السوريين اضطروا إلى مغادرة البلاد والعمل من الخارج، بينما نشأ جيل جديد من الإعلاميين داخل بيئات مختلفة، سواء في أوروبا أو في دول عربية أخرى، ما أتاح لهم الاطلاع على تجارب إعلامية متنوعة وأكثر انفتاحاً.
هذا الأمر انعكس بشكل مباشر على طبيعة الخطاب الإعلامي السوري. فالإعلام لم يعد محصوراً في إطار الخطاب التقليدي الرسمي، بل أصبح أكثر تنوعاً واختلافاً في الأساليب والآراء. اليوم نرى منصات مستقلة نسبياً، وصحافيين يعتمدون على التحقيقات والتقارير الميدانية والتحليل السياسي، إضافة إلى اعتماد أكبر على الوسائط الرقمية والتفاعل المباشر مع الجمهور. كما أن الهجرة والانفتاح على مدارس إعلامية مختلفة ساهم في تطوير أدوات العمل الصحفي، سواء من حيث اللغة الإعلامية أو طرق نقل الأخبار والتحقق من المعلومات.
ماذا بقي اليوم من الصحافة الورقية السورية، سواء على مستوى التأثير أو الحضور الرمزي؟ وهل يمكن للصحف الورقية السورية القديمة أن تُقرأ اليوم بوصفها وثائق تاريخية أكثر من كونها أدوات إعلامية؟
الصحافة الورقية السورية تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث الانتشار أو التأثير، وهذا التراجع لا يقتصر على سوريا فقط بل يشمل معظم أنحاء العالم. ففي الماضي، كانت قراءة الجريدة جزءاً من الحياة اليومية، وكان الناس يرتبطون بالصحيفة الورقية كوسيلة أساسية لمعرفة الأخبار ومتابعة التحليلات السياسية والثقافية. أما اليوم فقد انتقل الجمهور إلى المنصات الرقمية التي توفر الأخبار بشكل أسرع وأسهل وأكثر تفاعلاً.
ورغم هذا التراجع، ما تزال الصحافة الورقية تحمل قيمة رمزية وتاريخية كبيرة. فالصحف السورية القديمة يمكن قراءتها اليوم بوصفها وثائق تاريخية تعكس طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في مراحل مختلفة من تاريخ سوريا. وهي لا توثق فقط الأخبار والأحداث، بل تكشف أيضاً طبيعة الخطاب الإعلامي السائد وعلاقة الإعلام بالسلطة والمجتمع في كل مرحلة تاريخية. لذلك، يمكن القول إن أهمية الصحافة الورقية اليوم أصبحت أقرب إلى التوثيق التاريخي والثقافي منها إلى التأثير الإعلامي المباشر.
إلى أي مدى لعب التمويل السياسي دوراً في إعادة تشكيل المؤسسات الإعلامية السورية وخطابها؟
رغم التحولات الإيجابية التي شهدها الإعلام السوري من حيث تعدد المنصات واتساع هامش التعبير، إلا أن التمويل السياسي بقي عاملاً أساسياً في تشكيل المشهد الإعلامي. فالكثير من المؤسسات الإعلامية السورية الجديدة ظهرت بدعم من جهات سياسية أو إقليمية أو دولية، ما جعل خطاب بعض هذه المؤسسات مرتبطاً بأجندات محددة. لذلك يمكن القول إن الإعلام السوري اليوم يعيش حالة معقدة تجمع بين الانفتاح من جهة، والتأثير السياسي والمالي من جهة أخرى.
هذا الأمر لا يقتصر على سوريا فقط، بل هو موجود في العديد من الدول العربية والعالم. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان أي جهة إنشاء منصة إعلامية بسهولة والوصول إلى جمهور واسع، وهو ما فتح المجال أمام منصات مهنية وذات مصداقية، لكنه فتح المجال أيضاً أمام إعلام موجّه أو غير مهني. ولذلك أصبح الجمهور السوري أكثر حذراً في التعامل مع الأخبار والمعلومات، وأكثر وعياً بأهمية التحقق من المصادر.
كيف تغيّرت علاقة الجمهور السوري بالإعلام؟ وهل تراجعت الثقة بالكثير من المنصات؟
في الماضي، كانت العلاقة بين الجمهور السوري والإعلام علاقة أحادية الاتجاه، فالإعلام يرسل الرسالة والجمهور يتلقاها من دون تفاعل حقيقي. أما اليوم فقد تغيرت هذه العلاقة بشكل جذري، وأصبح الجمهور جزءاً من العملية الإعلامية نفسها، من خلال التعليق والمشاركة والنقد وإنتاج المحتوى أحياناً. وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في هذا التحول، إذ سمحت للناس بالتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخبار بشكل مباشر وفوري.
لكن في المقابل، أدى انتشار المعلومات المضللة والمنصات غير المهنية إلى تراجع الثقة بالعديد من وسائل الإعلام. فالجمهور السوري بات يدرك أن بعض المنصات قد تكون مرتبطة بأجندات سياسية أو بتمويل خارجي، ولذلك أصبح أكثر تشككاً وأكثر ميلاً لمقارنة الأخبار بين مصادر متعددة. ويمكن القول إن الثقة بالإعلام لم تعد تُمنح بسهولة كما في السابق، بل أصبحت مرتبطة بالمصداقية والشفافية وقدرة المؤسسة الإعلامية على الحفاظ على استقلاليتها.
ما المعايير التي يمكن من خلالها الحديث فعلاً عن صحافة سورية مستقلة؟
الحديث عن صحافة سورية مستقلة اليوم يرتبط بعدة معايير أساسية. أولها هو حرية التعبير والقدرة على طرح مختلف الآراء من دون خوف أو رقابة مباشرة. كما أن الاستقلال المالي يُعتبر عاملاً مهماً جداً، لأن أي مؤسسة تعتمد بشكل كامل على تمويل سياسي قد تجد نفسها مضطرة لتبني خطاب يخدم الجهة الممولة.
إضافة إلى ذلك، فإن الصحافة المستقلة يجب أن تعتمد على المهنية والمصداقية والتحقق من المعلومات واحترام أخلاقيات العمل الصحفي. كما أن إعطاء مساحة للرأي والرأي الآخر، والابتعاد عن خطاب التحريض أو الكراهية، يُعد من المؤشرات المهمة على استقلالية أي وسيلة إعلامية. لذلك فإن استقلال الصحافة لا يتحقق فقط بوجود حرية سياسية، بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسات مهنية قادرة على العمل وفق معايير صحفية واضحة.
كيف أثرت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي على دور الصحافي التقليدي في سوريا؟
المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحولاً جذرياً في مفهوم الصحافة والعمل الإعلامي. ففي الماضي، كان إنشاء صحيفة أو مؤسسة إعلامية يحتاج إلى مطابع ومكاتب وموظفين وإمكانات مالية كبيرة، أما اليوم فأصبح بالإمكان إنشاء منصة إعلامية عبر الهاتف أو الحاسوب والوصول إلى جمهور واسع خلال وقت قصير.
هذه التحولات أثرت بشكل مباشر على دور الصحافي التقليدي. فالصحافي لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة، لأن أي شخص يمكنه اليوم تصوير حدث ونشره مباشرة عبر الإنترنت. كما أن سرعة نقل الأخبار عبر منصات مثل تيك توك وانستغرام وإكس غيرت طبيعة العمل الصحفي، وأصبحت المنافسة قائمة على السرعة والتفاعل بقدر ما هي قائمة على جودة المحتوى. ومع ذلك، يبقى دور الصحافي المهني أساسياً، خصوصاً في التحقق من المعلومات وتحليل الأحداث وتقديم محتوى موثوق.










