في كل عيد أضحى، تستيقظ الأمهات السوريات على ذاكرةٍ مثقلة بالحنين موائد كانت تعج بأصوات الأبناء، وبيوت كانت تفيض دفئاً وضحكات، قبل أن تسرق الحرب واللجوء والغربة تفاصيل العيد منهم. لم يعد العيد بالنسبة لكثير من الأمهات مناسبة للفرح فقط، بل صار موعداً يتجدد فيه الغياب، وتكبر فيه المسافات بين قلب الأم وأبنائها الموزعين بين المنافي وبلدان اللجوء.
ورغم محاولاتهن التمسك بطقوس العيد القديمة يبقى شيء ناقص دائماً كرسي فارغ على المائدة، صوت غائب في صباح التكبيرات، أو مكالمة هاتفية تحاول اختصار سنوات الشوق. وبين إعداد المعمول واستقبال العيد، تخبئ الأمهات السوريات حزناً صامتاً، وحنيناً لا يهدأ، بانتظار عيدٍ يجمع العائلة من جديد تحت سقفٍ واحد.
في مدينة عامودا شمال شرقي سوريا، تجلس أم خالد كل صباح عيد قرب نافذتها الصغيرة، تراقب الطريق الذي كان أبناؤها يملؤونه ضجيجاً وضحكات قبل أن تأخذهم الغربة إلى ألمانيا. تقول أم خالد لـ”963+” إن العيد لم يعد يشبه ما كان عليه منذ سفر أبنائها فلا رائحة القهوة تكفي لتمنح البيت دفأه القديم، ولا أصوات التكبيرات قادرة على تبديد شعور الوحدة الذي يرافقها في كل مناسبة.
وتضيف: كنتُ أستيقظ قبل الجميع في صباح العيد أُحضر القهوة وأبدأ بتجهيز الطعام بينما يملأ أولادي المنزل حركةً وضحكاً. اليوم أستيقظ على صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى صوت التكبيرات القادمة من بعيد. أولادي جميعهم يعيشون في ألمانيا، وكل واحد منهم في مدينة مختلفة، أما أنا فبقيت هنا في عامودا أعيش على الذكريات.
وتتابع حديثها: أحاول دائماً أن أبدو قوية أمامهم خلال مكالمات الفيديو، أبتسم وأسأل عن أحوالهم وأحفادي، لكن فور انتهاء المكالمة أشعر بأن البيت أصبح أكثر فراغاً. حتى مائدة العيد تغيرت فلم أعد أعدّ الكميات الكبيرة التي اعتدت تحضيرها لهم ومع ذلك أحياناً أطبخ وكأنهم سيطرقون الباب بعد قليل.
وتقول بحزن: أصعب لحظات العيد بالنسبة لي هي في الصباح عندما أرى الأمهات يخرجن مع أبنائهن لزيارة الأقارب، بينما أبقى أنا بانتظار اتصال أو رسالة صوتية. الغربة لم تأخذ أولادي فقط، بل أخذت معها تفاصيل صغيرة كنت أعيش لأجله… صوت الباب عند عودتهم، خلافاتهم البسيطة، وضحكات أحفادي التي كانت تملأ البيت حياة.
وتختم أم خالد حديثها بالقول: لم أعد أتمنى شيئاً في العيد سوى أن يجمعنا بيت واحد من جديد. لا أريد هدايا ولا مالاً فقط أن أجلس مع أولادي حول مائدة واحدة كما كنا سابقاً، عندها فقط سأشعر أن للعيد معنى.
ومغادرة الأبناء للمنزل تمثل مرحلة حساسة في حياة الأم، وقد تؤدي إلى مشاعر معقدة تتراوح بين الفرح بنجاح الأبناء، والحزن على فقدان دورها اليومي كأم. من المهم أن تدرك الأم أن هذه المرحلة قد تكون فرصة جديدة لتطوُّرها الشخصي ولإعادة التركيز على ذاتها وصحتها النفسية.
أما في مدينة القامشلي، تستقبل أم رامز عيد الأضحى هذا العام كما الأعوام الماضية بهدوء يختلط بالحنين، وبيتٍ لم تعد تملؤه الوجوه التي اعتادت أن تصنع فرحة العيد. ابنها الأكبر يقيم في ألمانيا منذ سنوات، بينما يعيش شقيقه الأصغر في السويد، أما هي فتقضي العيد برفقة ابنتها التي بقيت إلى جانبها، محاولةً التخفيف من ثقل الغياب الذي يرافق والدتها في كل مناسبة.
وتقول أم رامز البالغة من العمر 50 عاماً لـ”963+” وجود ابنتي معي يخفف عني كثيراً، لكنها وحدها لا تستطيع أن تعيد شعور العيد كما كان. الأم تفرح عندما ترى أبناءها جميعاً حولها، وعندما يتفرقون تشعر أن شيئاً من روحها تشتت معهم.
وتوضح أن أكثر ما يؤلمها هو تفاصيل العيد الصغيرة التي تغيرت مع سفر أبنائها، مضيفةً: “كنت أبدأ صباح العيد بسماع أصواتهم وهم يتجادلون ويضحكون داخل البيت، أما اليوم فأستيقظ على هدوء ثقيل. حتى تحضير الفطور والقهوة لم يعد يحمل المعنى نفسه”.
وتشير إلى أنها تحاول إخفاء حزنها خلال مكالمات الفيديو حتى لا يشعر أبناؤها بالذنب، لكنها كثيراً ما تبكي بعد انتهاء الاتصال، وتقول: أراهم عبر الهاتف وأطمئن عليهم، لكنني أشتاق لأشياء بسيطة جداً أن يجلسوا معي، أن أعد لهم الطعام، وأن يمتلئ البيت بحركتهم.
وتتابع: في كل عيد أقول لنفسي إنني اعتدت على الغربة، لكن الحقيقة أن شعور الأم لا يعتاد الغياب أبداً، خصوصاً في الأعياد. يبقى هناك فراغ لا يستطيع أحد أن يملأه مهما حاول.










