شهدت سوريا على مدى عقود طويلة تراجعاً ملحوظاً في الحياة السياسية والحزبية، بعد هيمنة الأيديولوجيات الكبرى، وتغليب الولاءات الضيقة، والصراعات المستمرة على السلطة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مفهوم الدولة الوطنية ومشروع المواطنة الجامعة.
وبينما كانت الأحزاب السياسية تُفترض أن تشكل رافعة للحياة الديموقراطية وأداة لتنظيم المشاركة الشعبية، تحولت في كثير من الأحيان إلى كيانات عاجزة عن إنتاج مشروع وطني متكامل قادر على تمثيل السوريين بمختلف انتماءاتهم.
وعلى الرغم من تنوع الأحزاب السورية بين قومية ويسارية وإسلامية، إلا أن التجربة الحزبية السورية أخفقت في بناء عقد وطني جامع يضمن المشاركة السياسية المتساوية والعدالة لجميع السوريين بعيداً عن الانقسامات القومية والطائفية والحزبية، كما فشلت في ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه أساس العلاقة بين الفرد والدولة، في وقت تصاعدت فيه الولاءات الحزبية والأيديولوجية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
ومع التحولات العميقة التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام، عاد الجدل مجدداً حول مسؤولية الأحزاب السياسية التقليدية في إضعاف مفهوم الدولة الوطنية، وعجزها عن بناء مشروع سياسي جامع يعيد الثقة بين المجتمع والدولة، خاصة بعد سنوات طويلة من الاستبداد والصراع والانقسام المجتمعي.
غياب مفهوم “الوطنية السورية”
يقول مدير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا دياب سرية إن المسؤولية التي تتحملها الأحزاب السورية التقليدية “تاريخية وثقيلة جداً”، معتبراً أن معظم هذه الأحزاب، سواء كانت قومية أو يسارية أو إسلامية، لم تنظر إلى سوريا بحدودها ومجتمعها بوصفها مشروعاً وطنياً نهائياً بحد ذاته، بل ركزت أدبياتها ومشاريعها على أفكار عابرة للحدود، سواء تحت شعارات الأمة العربية أو الأممية أو الأمة الإسلامية، الأمر الذي جعل مفهوم “الوطنية السورية” مهمشاً وضعيف الحضور.
ويضيف سرية في حديث لـ”963+” أن تلك الكيانات السياسية أسست أيضاً لثقافة سياسية إقصائية، حيث لم يكن يُنظر إلى المخالف في الرأي كشريك في الوطن يمتلك رؤية مختلفة، بل جرى التعامل معه بوصفه خائناً أو رجعياً، مشيراً إلى أن بعض هذه الأحزاب استندت خلال مراحل مفصلية إلى شرعية الانقلابات والتحالف مع العسكر للوصول إلى السلطة، بدلاً من بناء شرعية شعبية حقيقية، وهو ما أدى، بحسب وصفه، إلى نسف اللبنة الأولى لدولة المواطنة وترسيخ نموذج الدولة الأمنية التي تسحق الفرد وحقوقه.
ويؤكد سرية أن تراجع الحياة السياسية في سوريا نتج عن تفاعل عاملين متداخلين، أولهما البيئة القمعية التي فرضها النظام المخلوع لعقود، وثانيهما الأزمات البنيوية داخل الأحزاب نفسها، موضحاً أن استبداد النظام وتغول الأجهزة الأمنية، ولا سيما بعد احتكار حزب البعث للسلطة وتكريس فكرة “الحزب القائد”، حوّل العمل السياسي المستقل إلى تهمة تستوجب الاعتقال والملاحقة.
ويشير إلى أن تغييب قادة الرأي واحتكار الفضاء العام خنقا أي فرصة لنمو حياة سياسية طبيعية أو لتطوير علاقة صحية بين الأحزاب وقواعدها الشعبية، إلا أنه في المقابل يرى أن الأحزاب نفسها عانت من أزمات داخلية مزمنة، حتى خلال فترات الديموقراطية النسبية أو في أوساط المعارضة السورية في الخارج.
ويوضح سرية أن الديموقراطية الداخلية كانت شبه غائبة عن معظم الأحزاب، مع استمرار ظاهرة “الزعيم الأوحد” الذي يبقى لعقود في موقعه، إضافة إلى استمرار الخطابات السياسية الجامدة التي لم تنجح في مواكبة تحولات المجتمع السوري ومتغيرات العصر، لافتاً إلى أن غياب العمل المؤسساتي الحقيقي أدى إلى تحول الخلافات البسيطة داخل تلك الكيانات إلى انشقاقات وصراعات قائمة على التخوين المتبادل.
ويشدد على أن النظام القمعي لعب دوراً أساسياً في سحق الأحزاب السياسية، لكنه يرى في الوقت نفسه أن تلك الأحزاب كانت “هشة ومأزومة من الداخل”، الأمر الذي ساهم في إضعاف قدرتها على مواجهة الاستبداد أو بناء مشروع وطني جامع.
وفي حديثه عن مستقبل الحياة السياسية في سوريا، يقول سرية إن أي حركة أو كيان سياسي يسعى للمساهمة في بناء “دولة المواطنة” لا يمكنه تجاوز جراح السوريين أو القفز فوق ملفات الانتهاكات الواسعة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن المدخل الأساسي والإلزامي لأي حياة حزبية فاعلة يتمثل في تبني رؤية واضحة وحازمة تجاه العدالة الانتقالية والمساءلة.
وينوه إلى أن بناء عقد اجتماعي وطني متين لا يمكن أن يتحقق في ظل الإفلات من العقاب، موضحاً أن السوريين اليوم لا ينتظرون من الأحزاب مجرد شعارات أيديولوجية، بل يتطلعون إلى برامج سياسية عملية تضع في صلب أولوياتها تفكيك المنظومة القمعية وإصلاح القطاع الأمني، بحيث يتحول إلى مؤسسة مهمتها حماية المواطن بدلاً من ترهيبه.
ويؤكد سرية أن الحزب القادر على تمثيل السوريين هو الحزب الذي يمتلك خطة عمل حقيقية لكشف مصير المعتقلين والمغيبين قسراً، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا وعائلاتهم باعتبار ذلك “حقاً غير قابل للتفاوض”.
كما يشير إلى أن الأحزاب السياسية مطالبة أيضاً بوضع مشاريع واضحة لإعادة دمج الناجين والضحايا داخل المجتمع السوري، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من عملية التعافي الوطني، مضيفاً أنه لا يمكن الحديث عن مواطنة متساوية من دون إعادة الاعتبار لمن تعرضوا لسحق كرامتهم وحقوقهم طوال سنوات طويلة.
أحزاب بصورة شكلية
يقول الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية طارق عجيب إن الحياة السياسية غابت عن سوريا خلال العقود الماضية بشكل شبه كامل، رغم وجود أحزاب سياسية بصورة شكلية، موضحاً أن تلك الأحزاب تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية تراجع العمل السياسي وفقدانه لدوره الوطني الحقيقي، نتيجة ابتعادها التدريجي عن القضايا الوطنية التي يفترض أن تشكل أساس عملها السياسي والتنظيمي.
ويضيف عجيب في حديث لـ”963+” أن الصراع السياسي في أي دولة يُفترض أن يكون عاملاً إيجابياً يعزز التعددية ويخدم تطور الحياة الحزبية ويخلق حالة من التوازن داخل المجتمع، إلا أن الأحزاب السورية ـ بحسب وصفه ـ أخفقت في الحفاظ على أهدافها الوطنية، وانشغلت بمشاركة السلطة في المكاسب السياسية والامتيازات، الأمر الذي أدى إلى تهميش دورها الحقيقي في بناء دولة المواطنة والمؤسسات، وإضعاف ثقة السوريين بالعمل الحزبي بشكل عام.
ويشير إلى أن هيمنة حزب البعث على الحياة السياسية في سوريا خلال العقود الماضية كانت واقعاً فرضته طبيعة النظام الحاكم وآلية إدارته للدولة، إلا أن المشكلة الأساسية تمثلت في تخلي كثير من الأحزاب عن دورها الرقابي والنضالي، وتحولها إلى قوى منقادة للسلطة بدلاً من أن تكون شريكاً سياسياً مستقلاً يعمل وفق أسس وطنية سليمة ويعبر عن تطلعات المواطنين وهمومهم.
ويوضح عجيب أن عدداً من الأحزاب فضّل البقاء ضمن إطار التحالفات المرتبطة بالسلطة حفاظاً على مصالحه ومكاسبه السياسية، بدلاً من السعي إلى بناء مشروع وطني قادر على الدفاع عن الحريات العامة وتعزيز المشاركة السياسية، ما ساهم في إفراغ الحياة الحزبية من مضمونها الحقيقي وتحويلها إلى حالة شكلية لا تمتلك تأثيراً فعلياً في الشارع السوري.
ويؤكد الباحث السياسي أن الفرصة كانت متاحة أمام الأحزاب للعودة إلى أهدافها الأساسية واستعادة دورها الوطني في أكثر من مرحلة، لكنها فضلت الاستمرار في الاستفادة من الامتيازات التي وفرتها لها السلطة، الأمر الذي أدى مع مرور الوقت إلى فقدان ثقة الشارع السوري بها، خاصة مع غياب المبادرات السياسية الجدية القادرة على تمثيل المواطنين أو الدفاع عن قضاياهم الأساسية.
ويلفت عجيب إلى أن المشهد السياسي السوري بعد سقوط النظام لا يزال غير مهيأ بشكل كامل لولادة أحزاب سياسية حرة وحقيقية، مشيراً إلى أن التحركات القائمة حالياً لا تزال دون المستوى المطلوب لبناء حياة حزبية ناضجة ومستقلة بعيداً عن تأثير السلطة الحاكمة أو محاولات إعادة إنتاج الهيمنة السياسية بأشكال جديدة.
ويضيف أن نجاح أي تجربة حزبية مستقبلية في سوريا يرتبط بقدرتها على ترسيخ مفهوم المواطنة واحترام التعددية السياسية والفكرية، إضافة إلى تبني برامج واقعية تستجيب لاحتياجات السوريين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بعيداً عن الشعارات التقليدية.
ويشدد عجيب على أن سوريا اليوم بحاجة ملحة إلى أحزاب سياسية وطنية قادرة على تمثيل مختلف فئات المجتمع، والمساهمة في بناء دولة مواطنة والقانون، وإرساء حياة سياسية قائمة على التعددية والتنافس الديمقراطي الحقيقي، بما يضمن مشاركة السوريين في صناعة القرار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة وعادلة.










