لم يعد النقاش حول قانون الأحزاب في سوريا مجرد ملف قانوني مؤجل أو مسألة تنظيم إداري للحياة السياسية، بل أصبح أحد أكثر الملفات ارتباطاً بمستقبل النظام السياسي في المرحلة الانتقالية. فغياب إطار تشريعي واضح ينظم العمل الحزبي يتقاطع مع واقع سياسي نشط لكنه غير منضبط قانونياً، ما يفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة التعددية الممكنة وحدودها، وإمكانية تجنب إعادة إنتاج أنماط الاحتكار السياسي التي طبعت المرحلة السابقة. وبين دعوات الإسراع بفتح المجال العام وتحذيرات من الفوضى أو إعادة تكريس حزب مهيمن بصيغة جديدة، يتصدر السؤال: أي قانون أحزاب تحتاجه سوريا اليوم؟
فراغ تشريعي يسبق القاعدة القانونية
تأتي هذه الإشكالية في سياق مرحلة انتقالية لم تستقر فيها بعد البنية الدستورية والمؤسساتية، ما يجعل أي قانون للأحزاب جزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام السياسي لا مجرد تنظيم إجرائي.
ورغم أن الإعلان الدستوري المؤقت أقر مبدأ تأسيس الأحزاب على أسس وطنية غير طائفية أو عرقية أو إقليمية، فإنه أحال التفاصيل إلى قانون لم يصدر بعد، ما خلق فجوة واضحة بين واقع يسمح بالحركة الحزبية فعلياً وبين غياب إطار قانوني ينظم هذه الحركة.
وهذا الفراغ تعمّق مع تفكك البنية الحزبية السابقة، وفي مقدمتها حزب البعث ومنظومته السياسية، دون أن يقابله حتى الآن بديل تنظيمي واضح، ما جعل المجال السياسي يتحرك في منطقة رمادية تتداخل فيها الحرية مع غياب الشرعية التشريعية.
في هذا السياق، يؤكد الحقوقي فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تصريحات لـ”963+” أن سوريا تحتاج إلى قانون أحزاب انتقالي مؤقت لا دائم، موضحاً أن القانون الدائم يفترض وجود توافق دستوري مستقر حول شكل النظام السياسي والهوية الوطنية وآليات التمثيل، وهو ما لم يتحقق بعد.
ويضيف أن غياب هذا الإطار يترك الفاعلين السياسيين خارج منظومة تنظيمية واضحة، ما يضعف الشرعية التمثيلية للمرحلة الانتقالية، خاصة في ظل غياب مجلس تشريعي قادر على إقرار قانون نهائي.
ويحذر من أن إصدار قانون دائم في هذه المرحلة قد يؤدي إلى تكريس موازين القوى القائمة بدل إنتاج توافق وطني أوسع.
قانون انتقالي بين التعددية وإعادة إنتاج الهيمنة
لا ينفصل الجدل حول قانون الأحزاب عن التجربة السورية السابقة، حيث خضعت الحياة السياسية لعقود لهيمنة حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية، ما جعل التعددية شكلية في كثير من الأحيان ومحكومة بسقف سياسي صارم.
ومن هذا المنظور، لا تكمن المشكلة فقط في غياب القانون، بل في شكل القانون ذاته وما إذا كان سيؤدي إلى إعادة إنتاج العلاقة القديمة بين الدولة والحزب.
ويحذر عبد الغني من أن إعادة إنتاج نموذج قانوني مشابه، حتى وإن اختلفت التسميات، قد تعني عملياً إعادة إنتاج المنظومة ذاتها، حيث تبقى السلطة الفعلية مركزة رغم تعدد الأطر الحزبية ظاهرياً.
ويؤكد أن القانون المطلوب يجب أن يكون انتقالياً، مرناً، ومحدوداً زمنياً، مع ربطه بالمسار الدستوري العام، بحيث لا يتحول إلى أداة لتثبيت موازين القوى الحالية.
ومن هنا تتقدم فكرة “القانون الانتقالي التأسيسي” بوصفها خياراً عملياً، يقوم على تنظيم التعددية بدل إطلاقها بلا قيود أو تقييدها بشكل يعيد إنتاج الإقصاء.
ويشمل ذلك السماح بتأسيس الأحزاب على أسس مدنية وسلمية، مع حظر التنظيمات المسلحة أو المرتبطة بالعنف، إضافة إلى منع الأحزاب ذات الطابع الطائفي أو الإقصائي، بما يمنع إعادة إنتاج الاستقطاب الاجتماعي.
كما يبرز ملف التمويل كأحد أخطر عناصر العملية الحزبية في المراحل الانتقالية، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية بعيدًا عن قواعد المنافسة العادلة.
لذلك تُطرح ضرورة شفافية مالية صارمة، تشمل الإعلان عن مصادر التمويل، ووضع سقوف للإنفاق الانتخابي، ومنع التمويل غير المعلن، إلى جانب حظر استخدام موارد الدولة في دعم أي حزب سياسي.
الدولة والحزب: اختبار تكافؤ الفرص في المرحلة الانتقالية
يتعمق الجدل أكثر مع بروز سؤال العلاقة بين الدولة والحزب، خاصة في ظل تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال تأسيس حزب قريب من السلطة أو من الرئيس أحمد الشرع، دون تأكيد رسمي.
ورغم أن هذه التقارير تبقى في إطار التقديرات، فإنها أعادت فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين العمل التنفيذي والنشاط الحزبي، ومدى تأثير ذلك على مبدأ تكافؤ الفرص السياسية.
وتبرز هنا مخاوف من أن يؤدي غياب نصوص قانونية صارمة إلى نشوء “حزب سلطة” جديد يستفيد من موارد الدولة ونفوذها الإداري، ما يخل بمبدأ المنافسة العادلة منذ البداية.
ومن هنا تُطرح دعوات واضحة إلى ضرورة تضمين أي قانون مستقبلي نصوصاً تمنع استغلال المنصب العام أو الموارد الرسمية في تأسيس أو دعم الأحزاب، أو على الأقل فرض فصل زمني ووظيفي بين الموقع التنفيذي والقيادة الحزبية.
وفي موازاة ذلك، يبرز النقاش حول الجهة المشرفة على الحياة الحزبية بوصفه عنصراً حاسماً في ضمان نزاهة العملية السياسية. فبينما يقوم النموذج التقليدي على إشراف الأجهزة التنفيذية أو الأمنية، تتجه الطروحات الإصلاحية إلى إنشاء هيئة مستقلة مدنية أو قضائية تتولى تسجيل الأحزاب والإشراف المالي والإجرائي عليها، بما يضمن عدم تحول الترخيص إلى أداة انتقاء سياسي.
بين الفوضى والإقصاء: الحاجة إلى التدرج
تحذر قراءات مقارنة من أن المراحل الانتقالية غالباً ما تقع بين نموذجين متناقضين: انفتاح غير منضبط يؤدي إلى فوضى سياسية، أو إغلاق صارم يعيد إنتاج الاستبداد. لذلك تتقدم فكرة التدرج كخيار واقعي، يقوم على مراحل تبدأ بتسجيل مبسط للأحزاب، ثم تدقيق مالي وتنظيمي لاحق، وصولاً إلى مراجعة شاملة بعد استقرار المؤسسات الدستورية.
وفي هذا الإطار، يشدد فضل عبد الغني على أن القانون المؤقت يجب أن يتضمن آلية زمنية واضحة لمراجعته، وأن يرتبط بالمسار الدستوري والانتخابي، مع اعتماد نموذج “الإخطار” بدل الترخيص المسبق، بحيث يتم تأسيس الحزب بمجرد الإعلان عنه وتسجيله لدى جهة مستقلة، على أن تُستكمل شرعيته لاحقًا بناءً على أدائه الفعلي في الحياة السياسية.
كما يحذر من خطورة استخدام نصوص فضفاضة قد تتحول إلى أدوات إقصاء سياسي، داعياً إلى صياغة دقيقة تضمن حرية التنظيم دون الإخلال باستقرار الدولة.
لحظة سياسية منتقاة وإعادة تشكيل المجال العام
في قراءة سياسية موازية، يقول الصحفي عدي منصور (صحفي مقيم في بيروت)، إن ما يجري في سوريا لا يمكن فصله عن إدارة دقيقة للحظة الانتقال السياسي، معتبراً أن الحديث عن الأحزاب يأتي في سياق “لحظة منتقاة بعناية” لإعادة تشكيل المجال العام.
ويضيف منصور أن الفرصة الحقيقية لإعادة بناء حياة حزبية كانت قد توفرت مباشرة بعد سقوط النظام، لكن غياب البناء السياسي المنظم أدى إلى إعادة تعريف الفاعلين السياسيين على أسس هوياتية بدلاً من الأسس الأيديولوجية التقليدية.
ويشير إلى أن هذا التحول ساهم في إضعاف المجال السياسي لصالح اصطفافات دينية ومناطقية أكثر حدة، ما جعل البيئة الحالية غير مهيأة لنشوء أحزاب فاعلة حتى في حال صدور قانون رسمي.
وفي ما يتعلق بإمكانية تأسيس حزب قريب من السلطة، يرى منصور أن التوقيت السياسي قد يكون متأخرًا بفعل تراجع الثقة العامة وتراكم الذاكرة السياسية المرتبطة بتجارب الحزب المهيمن سابقاً، معتبراً أن أي تجربة حزبية مرتبطة بالسلطة ستكون عرضة للتشكيك منذ بدايتها.
ويختم بالتأكيد على أن أي انتقال ديموقراطي حقيقي يبقى مرهوناً بمدى ترسيخ مفاهيم المواطنة وفصل الدين عن الدولة، وبناء بيئة قانونية ومؤسساتية تسمح بتعددية سياسية فعلية لا شكلية.
وفي المحصلة، يتضح أن قانون الأحزاب في سوريا لم يعد مجرد تشريع مؤجل، بل تحول إلى اختبار مباشر لطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها. فبين مسار يؤسس لتعددية سياسية قائمة على الشفافية وتكافؤ الفرص، ومسار آخر قد يعيد إنتاج احتكار السلطة بأدوات جديدة، يبقى القانون المرتقب أحد أهم مفاتيح تحديد شكل النظام السياسي المقبل وحدود التحول الديموقراطي في البلاد.










