تفاجأ خضر عدنان وهو يسير داخل حقله المزروع بالقمح في ريف الرقة الشرقي، بعد أن أخبره أحد أبنائه بتسعيرة شراء القمح من المزارعين التي أعلنت عنها وزارة الاقتصاد والصناعة السورية.
ويقول خضر عدنان إن تكلفة زراعة دونم القمح المروي الواحد باتت تثقل كاهل المزارعين بشكل كبير، موضحاً أن حراثة الدونم الواحد تكلف نحو 15 دولاراً، فيما تبلغ تكلفة البذار حوالي 30 دولاراً.
وأضاف أن السماد الترابي يحتاج إلى نحو 20 دولاراً للدونم، بينما تصل تكلفة سماد اليوريا إلى 30 دولاراً إضافية، يضاف لها نحو 10 دولارات ثمن المبيدات الزراعية، في حين تبلغ تكلفة الحصاد قرابة 20 دولاراً للدونم الواحد.
وأكد في حديث لـ”963+” أن هذه الأرقام لا تشمل أحياناً تكاليف الري والمحروقات والنقل وأجور العمال، ما يزيد حجم الأعباء المالية على الفلاحين خلال الموسم الزراعي، متوقعاً أن يتراوح الإنتاج بين 300 إلى 400 كيلوغرام للدونم الواحد.
لكن إعلان الحكومة السورية تحديد سعر شراء طن القمح بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد، وضع خضر وآلاف المزارعين أمام حالة من القلق والغضب.
فبالنسبة لهم، لا يعكس السعر الجديد حجم التكاليف الفعلية التي يتحملها المزارع خلال الموسم الزراعي، خاصة في المناطق الشرقية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الري والوقود.
وأعلنت الحكومة السورية التسعيرة الجديدة ضمن خطتها لاستلام محصول القمح لموسم 2026، مؤكدة أن القرار يهدف إلى تشجيع الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي في البلاد.
إلا أن الانتقادات بدأت بالتصاعد فور صدور القرار، حيث اعتبر مزارعون أن التسعيرة الحالية لا تحقق هامش ربح عادل للمنتجين، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والانخفاض المستمر في القدرة الشرائية للعملة المحلية.
ارتفاع التكلفة
يقول مزارعون في الرقة والحسكة ودير الزور إن تكلفة زراعة الدونم الواحد ارتفعت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، إذ تضاعفت أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات الري والحصادات الزراعية عدة مرات، بينما ارتفعت أسعار الأسمدة والبذار بشكل يفوق قدرة معظم المزارعين على الشراء.
وبحسب المزارع دحام العلي من ريف الرقة الجنوبي، فإن تكاليف زراعة القمح هذا الموسم ارتفعت إلى مستويات كبيرة، موضحاً أن المزارع يتحمل أعباء مالية متراكمة منذ تجهيز الأرض وحتى الحصاد.
ويقول العلي لـ”963+” إنه زرع 20 دونم من القمح وبلغت تكلفة الأدوية الزراعية والمبيدات والأسمدة الورقية مع أجور الرش فيها نحو 200 دولار، فيما وصلت تكلفة سماد اليوريا للدفعة الأولى والثانية من الري إلى نحو 570 دولاراً.
وأضاف أن أجور السقاية والعمال بلغت قرابة 400 دولار، في حين وصلت تكلفة الحراثة إلى نحو 460 دولاراً، إضافة إلى 317 دولاراً أجور أعمال التنعيم والتجهيز الترابي، و430 دولاراً ثمن البذار.
كما أشار إلى أن استئجار الأرض وتنظيفها قبل الحراثة كلّف نحو ألفي دولار، ما يجعل إجمالي التكاليف مرتفعاً مقارنة بسعر شراء القمح الذي حددته الحكومة السورية.
وتُعد مناطق الجزيرة السورية، ولا سيما الرقة والحسكة، من أهم المناطق المنتجة للقمح في سوريا، إذ كانت البلاد قبل سنوات تحقق مستويات إنتاج تكفي الاستهلاك المحلي وتسمح أحياناً بالتصدير.
غير أن سنوات الحرب والجفاف وتراجع الدعم الحكومي أدت إلى انخفاض كبير في الإنتاج، ما دفع سوريا إلى الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء من احتياجاتها من القمح.
من جانبه، قال المهندس الزراعي فاروق عبد العزيز في حديثه حول واقع زراعة القمح إن ملف التسعير في سوريا لم يعد مسألة رقمية فقط، بل أصبح انعكاساً مباشراً لاختلال منظومة الإنتاج الزراعي بشكل كامل.
وأوضح أن تسعيرة شراء القمح الحالية لا يمكن تقييمها بمعزل عن الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، بدءاً من تحضير الأرض والحراثة، مروراً بالبذار والأسمدة والمبيدات، وصولاً إلى الري والحصاد والنقل.
تحدي الاستمرار
أضاف عبد العزيز في حديث لـ”963+”، أن المزارع اليوم لم يعد يواجه تحدياً في الإنتاج فقط، بل في القدرة على الاستمرار أساساً، مشيراً إلى أن أسعار المحروقات المستخدمة في تشغيل مضخات الري والآليات الزراعية تضاعفت خلال السنوات الأخيرة، في حين ارتفعت أسعار الأسمدة المستوردة بشكل كبير نتيجة تقلبات سعر الصرف وصعوبة الاستيراد.
وأكد أن استمرار الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر تسويق القمح يدفع كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأقل كلفة، أو حتى ترك الزراعة بشكل نهائي في بعض المناطق، محذراً من أن هذا الاتجاه إذا استمر سيؤثر بشكل مباشر على حجم الإنتاج الوطني من القمح وعلى الأمن الغذائي في البلاد خلال السنوات المقبلة.
ورأى المهندس الزراعي أن الحل لا يكمن فقط في رفع سعر شراء القمح، بل في وضع سياسة زراعية متكاملة تبدأ من دعم مستلزمات الإنتاج بأسعار مدروسة، وتحسين شبكات الري، وتوفير التمويل الزراعي، وصولاً إلى تسعير عادل يراعي التكلفة الحقيقية وهوامش الربح، مؤكداً أن استقرار إنتاج القمح هو استقرار للأمن الغذائي الوطني قبل أن يكون قضية اقتصادية بحتة.
وفي محاولة لتنظيم عمليات الاستلام والتسويق، أعلنت المؤسسة السورية للحبوب عن إجراءات جديدة هذا الموسم، من بينها اعتماد منصة إلكترونية لحجز أدوار تسليم القمح، بهدف تقليل الازدحام في مراكز الاستلام وتسريع الإجراءات.
لكن كثيراً من المزارعين يرون أن هذه الخطوات الإدارية لن تحل المشكلة الأساسية المتعلقة بانخفاض الأسعار مقارنة بحجم التكاليف.
في المقابل، تؤكد المؤسسة السورية للحبوب أن الحكومة تسعى هذا العام إلى شراء أكبر كمية ممكنة من القمح المحلي، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد وتحسين مخزون الحبوب الاستراتيجي.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن البلاد تحتاج سنوياً إلى نحو 2.5 مليون طن من القمح لتغطية الاستهلاك المحلي، في وقت ما يزال فيه الإنتاج أقل من هذه الاحتياجات.










