شهد واقع الحريات الصحفية في سوريا خلال الأشهر الأخيرة تحولات متباينة ترافقت مع حالة من الانفتاح الإعلامي، وسط استمرار تحديات تتعلق بحرية الوصول إلى المعلومات، وسلامة الصحفيين، وحدود تناول الملفات السياسية والأمنية الحساسة.
وأعادت نتائج مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود تسليط الضوء على واقع الإعلام السوري، بعدما أعلنت المنظمة تقدّم سوريا 36 مرتبة على المؤشر، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً بين العاملين في القطاع الإعلامي والحقوقيين حول ما إذا كان هذا التقدم يعكس تحولاً حقيقياً في بيئة العمل الصحفي أم أنه يرتبط بعوامل ظرفية وإحصائية أكثر من كونه نتيجة إصلاحات بنيوية.
ليس انفتاحاً ديموقراطياً
يقول الصحفي وسيم جانبين إن التقدم الرقمي الذي حققته سوريا في مؤشر “مراسلون بلا حدود” لا يعكس انفتاحاً ديموقراطياً حقيقياً بقدر ما هو نتيجة تراجع العنف المباشر بفعل هدوء الجبهات العسكرية، الأمر الذي قلل أعداد الضحايا من الصحفيين، مشيراً إلى أن تراجع دول أخرى ساهم أيضاً في رفع ترتيب سوريا حسابياً.
ويضيف جانبين في حديث لـ”963+” أن الواقع الميداني يثبت أن الأمان الجسدي لا يعني بالضرورة وجود حرية إعلامية، موضحاً أن الفجوة لا تزال واسعة بين تحسن الأرقام وبين استقلالية المهنة الصحفية، في ظل استمرار القيود التشريعية والرقابية.
ويؤكد أن الاختبار الحقيقي للعهد الجديد برئاسة أحمد الشرع يتمثل في تحويل هذا التقدم الإحصائي إلى إصلاح قانوني فعلي يضمن حرية الوصول إلى المعلومات ويحمي الصحفي من الملاحقة السياسية، عبر سن قانون عصري بالتعاون مع وزارة الإعلام يواكب تطورات الإعلام الرقمي ويضع خطة رقابية تمنع التفلت في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشير جانبين إلى أن الخطوط الحمراء اليوم تتمثل في سياسة “تخويف ما بعد النشر”، حيث لا يزال المساس بالأجهزة الأمنية أو المؤسسة العسكرية والسياسات السيادية يعد مغامرة كبرى، لافتاً إلى أن القوانين ذات المصطلحات الفضفاضة، مثل “النيل من هيبة الدولة”، ما تزال تشكل سيفاً مسلطاً يشرعن الملاحقة القانونية للصحفيين.
وينوه إلى بروز ما يصفه بالرقابة الاقتصادية المرتبطة بجهات التمويل، إضافة إلى غياب قانون حق الوصول إلى المعلومات، وهو ما يحول دون كشف قضايا الفساد الكبرى، مشدداً على أن التحدي في العهد الجديد لا يقتصر على كسر المحرمات السياسية، بل يمتد إلى تفكيك الرقابة الذاتية التي ترسخت نتيجة عقود من التضييق الأمني والمؤسساتي.
ويشدد جانبين على أن العبور نحو إعلام حر في المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا يتطلب خارطة طريق ترتكز أولاً على الإصلاح التشريعي، عبر إلغاء القوانين التي تشرعن حبس الصحفيين واستبدالها بقانون عصري يحمي حرية التعبير ويضمن حق الوصول إلى المعلومات لكسر احتكار الحقيقة.
ويوضح أن المرحلة المقبلة تستوجب فك الارتباط بين الإعلام والأمن، وتحويل المؤسسات الرسمية إلى إعلام خدمة عامة يمثل التعددية السورية، إلى جانب تشكيل نقابة صحفيين مستقلة تمتلك سلطة الدفاع عن أعضائها.
ويؤكد جانبين أنه لا يمكن بناء الثقة دون تحقيق العدالة، عبر كشف مصير الصحفيين المغيبين وإيجاد بيئة آمنة تضمن عدم الملاحقة السياسية، معتبراً أن حماية الصحفي اليوم تمثل الضمانة الوحيدة لعدم إنتاج نظام شمولي جديد، ولتحويل سوريا من مرتبة متقدمة حسابياً إلى دولة رائدة فعلياً في الحريات.
أكثر انفتاحاً
يقول المحلل السياسي علاء الأصفري إن سوريا تشهد خلال المرحلة الحالية تطوراً لافتاً في مستوى الحريات الصحفية والإعلامية، مشيراً إلى أن مساحة التعبير وطرح الآراء باتت أكثر اتساعاً مقارنة بمراحل سابقة، بما في ذلك إمكانية تداول الأفكار المعارضة ومناقشة القضايا العامة بصورة أكثر انفتاحاً داخل الوسط الإعلامي والمجتمعي.
ويضيف الأصفري في حديث لـ”963+” أن المشكلة الأساسية التي ما تزال تواجه العمل الإعلامي لا تتمثل بوجود قيود رسمية مباشرة على الإعلام بقدر ما ترتبط بممارسات بعض الأشخاص أو الجهات التي تمارس ضغوطاً على الصحفيين والناشطين تحت مظلة “الدعم” أو الدفاع عن الدولة، موضحاً أن هذه الممارسات تخلق حالة من التخويف والرقابة غير المباشرة على حرية التعبير.
ويشير إلى وجود ما وصفه بـ”الذباب الإلكتروني” الذي يهاجم الصحفيين أو أي شخص يطرح انتقادات تتعلق بالأوضاع المعيشية والخدمية، حتى عندما تكون هذه الانتقادات مرتبطة بقضايا حياتية يومية مثل غلاء الكهرباء والطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن الهدف من هذه الحملات غالباً يكون التهجم على أصحاب الرأي ومحاولة إسكات الأصوات الإعلامية والناقدة بدلاً من مناقشة مضمون الطروحات نفسها.
ويؤكد الأصفري أن استمرار هذا الأسلوب ينعكس سلباً على صورة حرية التعبير في البلاد، لافتاً إلى ضرورة وجود إجراءات واضحة وصارمة تحد من حملات التشهير والإساءة الشخصية التي تستهدف الصحفيين والكتّاب وأصحاب الرأي، معتبراً أن حماية الحريات الإعلامية تتطلب إطاراً قانونياً يضمن حق التعبير ويحمي الإعلاميين من الضغوط والتهديدات المعنوية أو حملات التحريض الإلكتروني.
ويوضح أن ضمان حرية الإعلام يحتاج إلى بيئة أكثر انفتاحاً تسمح للإعلام بملامسة قضايا الناس الحقيقية، وعلى رأسها الأزمات الاقتصادية والمعيشية والخدمية، مشدداً على أهمية أن يكون الإعلام قريباً من هموم المواطنين وقادراً على نقل مشاكلهم ومناقشتها بوضوح وشفافية دون خوف أو تضييق.
ويشدد الأصفري على ضرورة إنهاء ما يصفه بظاهرة “التشبيح الإعلامي” التي يمارسها بعض الأشخاص ممن يعتقدون أنهم يدافعون عن الدولة من خلال مهاجمة المنتقدين أو ممارسة الضغط عليهم، معتبراً أن هذه السلوكيات تسيء للدولة أكثر مما تخدمها، وتؤدي إلى زعزعة النظرة الإيجابية تجاه البلاد ومستوى الحريات فيها.
كما يؤكد أن هناك شريحة من المواطنين والمثقفين وحتى بعض الإعلاميين ما تزال تخشى إبداء آرائها الحقيقية بسبب الخوف من حملات الهجوم والتشهير، رغم أن كثيراً من هذه الآراء تكون ـ بحسب تعبيره ـ تصب في مصلحة سوريا وشعبها وتسعى لمعالجة الأخطاء وتحسين الواقع العام، داعياً إلى ترسيخ ثقافة تقبل النقد والرأي المختلف بوصفها جزءاً أساسياً من أي بيئة إعلامية صحية ومتطورة.










