لم تعد الصحيفة الورقية صباحاً، أو نشرة الأخبار مساءً، المصدر الأول لمعرفة ما يحدث في سوريا أو غيرها. فخلال سنوات قليلة، تغيرت عادات الجمهور بشكل جذري، وانتقل السوريون من متابعة وسائل الإعلام التقليدية إلى الاعتماد شبه الكامل على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تنقل الخبر بالصوت والصورة وفي اللحظة نفسها.
والتحول السريع وضع الإعلام التقليدي أمام تحديات غير مسبوقة، بعدما فقد جزءاً كبيراً من جمهوره وتأثيره لصالح منصات أكثر سرعة وانتشاراً وقدرة على الوصول المباشر إلى الناس.
وفي المقابل، فرض الإعلام الرقمي نموذجاً جديداً يقوم على التفاعل الفوري والمحتوى المختصر والترند، حتى أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول من ينشر أولاً، لا حول من يقدم محتوى أكثر عمقاً أو مهنية.
ومع اتساع حضور المنصات الرقمية في الحياة اليومية للسوريين، برزت تساؤلات حول أسباب تراجع الإعلام التقليدي، ومدى قدرته على التكيّف مع المتغيرات الجديدة، في ظل بيئة إعلامية مفتوحة تتداخل فيها المهنية مع الفوضى، وتتنافس فيها المؤسسات الرسمية مع آلاف الصفحات والحسابات الفردية على جذب انتباه الجمهور وصناعة التأثير.
ودفعت الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية في سوريا خلال السنوات الماضية شريحة واسعة من السوريين إلى البحث عن مصادر بديلة وأكثر سرعة لمتابعة التطورات المتلاحقة، خاصة مع تراجع قدرة كثير من وسائل الإعلام التقليدية على مواكبة الأحداث بالسرعة المطلوبة. كما لعب انتشار الهواتف الذكية وخدمات الإنترنت دوراً محورياً في تكريس الحضور الرقمي، حتى أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المساحة الأكثر تأثيراً في تشكيل النقاشات العامة وتوجيه اهتمام الجمهور.
وهذا الواقع الجديد لم يخلُ من الإشكاليات، إذ فتح المجال أمام انتشار الأخبار المضللة والمحتوى غير المهني، في ظل غياب الضوابط الواضحة وسهولة النشر والوصول. وبين سرعة الإعلام الرقمي ومحاولات الإعلام التقليدي الحفاظ على معاييره المهنية، تبدو الساحة الإعلامية السورية اليوم أمام مرحلة إعادة تعريف لدور الصحافة ووظيفتها.
وفي هذا السياق، يعتقد الكاتب والصحفي جوني عبو، أن أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع دور الإعلام التقليدي، بشكل عام، هي التطورات الهائلة التي شهدتها مختلف مناحي الحياة العملية، واعتماد معظم الناس أو الجمهور، مفاهيم وثقافة معاصرة تقوم على سرعة الوقت والتوجّه أكثر نحو التخصص العمودي. أمّا من الناحية المهنية، فإن السبب المباشر لتراجع الإعلام التقليدي هو وجود الإنترنت في يد كل شخص، عبر أجهزة الاتصالات والهواتف المحمولة.
ويضيف عبو لـ”963+”، “مع الإنترنت تغيّرت مفاهيم المكان والزمان والمصالح والفلسفة العامة للمجتمعات. أصبح ممكناً أن نعيش ونعمل من دون التزام فيزيائي بالمكان، أو حتى من دون تواصل مباشر، وأن نتقاضى رواتبنا وننجز مهامنا من دون الحاجة إلى مكاتب أو جغرافيا محددة، باستثناء بعض الأعمال التي تتطلب وجوداً فعلياً للبشر”.
ثم جاءت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي العملاقة، التي ساهمت في محاربة التخلّف في كثير من البلدان، كما بقي الإعلام التقليدي في مكانه من دون مواكبة، فهو في حالة موت سريري. لم يعد القارئ بحاجة إلى مقال من ألف كلمة؛ فالكاتب الذي تُقرأ مقالاته اليوم يجب أن يكتب في حدود 400 كلمة، وكلما كانت جمله أكثر تكثيفاً كان أكثر انتشاراً وقراءة، بحسب الصحفي السوري.
ويؤكد، أن الكثير من المجتمعات أو الأشخاص الذين يعيشون في مدن العولمة، لم يعد يتقبلون الحياة من دون وسائل التواصل أو الإنترنت، لأن الحياة من دونهما تبدو وكأنها تتوقف. فالإنترنت يجمع الشعوب، كما يستطيع أن يفرّقها، وهو أقوى من أي جيوش أو أسلحة تقليدية.
ويقول عبو، إن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت بشكل عمودي وأفقي في المجتمعات، وقدّمت المعلومات إلى أصغر طفل في ريف سوريا، كما إلى طفل يعيش في قرية برازيلية بسيطة، أو في باريس ونيويورك وملبورن. لذلك فإن حجم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما في البلدان المتقدمة، مذهل.
أما بالنسبة للتحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية التقليدية، فيشير الكاتب جوني عبو أنها تتمثل في عدم قدرتها على الذهاب إلى الجمهور. فلم يعد كثير من الناس يمارسون عادة شراء الصحف الورقية يومياً، بل بات الجميع يتابع أخبار العالم وتطوراته عبر الهاتف المحمول في الغالب. الإعلام التقليدي، إذا بقي في مكانه من دون مواكبة، فهو في حالة موت سريري. لم يعد القارئ بحاجة إلى مقال من ألف كلمة؛ فالكاتب الذي تُقرأ مقالاته اليوم يجب أن يكتب في حدود 400 كلمة، وكلما كانت جمله أكثر تكثيفاً كان أكثر انتشاراً وقراءة.
من جهته، يؤكد الصحفي زياد الريس في تصريحات لـ”963+”، أن المؤسسات الإعلامية الحديثة إذا ما أرادت أن تبقى حاضرة، فعليها أن تواكب التغيير، ولكن ضمن الشروط والضوابط المهنية. بمعنى أن تخفف قليلاً من الإجراءات البطيئة، وأن تحاول تسريع آلية العمل من دون التفريط بالمعايير الأساسية.
ويرى الريس، أن ما تستطيع المؤسسات فعله هو أن تتحول إلى مرجعية في جودة الخبر، وهذا أمر بالغ الأهمية. فليس من الضروري اليوم أن تكون المؤسسة هي السباقة دائماً، أو أن تنشر الخبر في اللحظة نفسها، لأن هذا ربما ليس الملعب الحقيقي للمؤسسات الرسمية أو المؤسسات التي تحترم المهنة.
ويقول، إنه من المهم أن تمتلك هذه المؤسسات جودة عالية في تقديم الخبر، وأن توفر التفاصيل الدقيقة والمهنية والوصول المباشر للمعلومة.
ويشير أن الجمهور لا يزال حتى اليوم، يعتمد على المؤسسات الإعلامية المعروفة للتحقق من مصداقية الأخبار. فحين ينتشر خبر عبر آلاف الصفحات، يكتسب ثقلاً مختلفاً عندما تنشره مؤسسة رسمية أو مهنية ذات سمعة كبيرة، سواء كانت قناة فضائية أو إذاعة أو منصة رسمية أو وكالة أنباء معروفة. عندها يصبح الخبر أكثر موثوقية، ويتم تداوله على أساس أنه صادر عن جهة مرجعية.
ويقول الصحفي زياد الريس، إن وسائل التواصل الاجتماعي أثّرت بشكل كبير، لأن الوصول إلى الجمهور اليوم بات يعتمد على الهاتف المحمول، والهاتف المحمول بدوره يعتمد على منصات التواصل الاجتماعي.
ومن الملاحظ اليوم أن كثيراً من القنوات الفضائية، تكتفي بنشر مقاطع قصيرة من برامجها، وهذا برأيي خطأ كبير. فالمطلوب هو مواكبة النشر بشكل مستمر على مدار 24 ساعة، خصوصاً عندما تكون لدى المؤسسة قراءة واضحة لطبيعة جمهورها، ومعرفة بساعات الذروة وأوقات التفاعل والحضور، لأن ذلك أصبح جزءاً أساسياً من نجاح العمل الإعلامي الحديث.
والجميع اليوم بحسب الريس، يتعامل مع فكرة الوصول المباشر، وهذا تحديداً ما أحدث التأثير الأكبر. فالجوال موجود دائماً في يد المستخدم، ومعدل استخدامه لدى المواطن العربي يتراوح بين 6 و8 ساعات يومياً خلال 24 ساعة، وهو رقم ضخم جداً، حتى إن التلفزيون لم يكن يحقق مثل هذا الحضور سابقاً.
ويتابع: “التلفزيون كان يحظى بالمشاهدة في أوقات محددة، غالباً خلال فترة السهرة، وكانت برامجه موجهة لمحتوى معين كساعة للدراما أو ساعة للمنوعات. أما اليوم، فهناك تحديث مستمر في كل لحظة، ولذلك أصبح الجمهور يعتمد بشكل أساسي على الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي”.
ويؤكد الريس أنه إذا أرادت المؤسسات الإعلامية الحديثة أن تبقى حاضرة، فعليها أن تواكب التغيير، ولكن ضمن الشروط والضوابط المهنية. بمعنى أن تخفف قليلاً من الإجراءات البطيئة، وأن تحاول تسريع آلية العمل من دون التفريط بالمعايير الأساسية. فاليوم، لا يمكن لمؤسسة إعلامية محترفة تعمل وفق المهنية وميثاق الشرف الإعلامي أن تدخل في سباق اللحاق بـ “التريند” بشكل أعمى، لأن ذلك يُعد خطأ كبيراً. لكن في المقابل، لا ينبغي لها أيضاً أن تتجاهل ما يحدث في الفضاء الرقمي.
وبالتالي فإن ما تستطيع هذه المؤسسات فعله هو أن تتحول إلى مرجعية في جودة الخبر، وهذا أمر بالغ الأهمية. فليس من الضروري اليوم وأن تكون المؤسسة هي السباقة دائماً، أو أن تنشر الخبر في اللحظة نفسها، لأن هذا ربما ليس الملعب الحقيقي للمؤسسات الرسمية أو المؤسسات التي تحترم المهنة.
ويختتم الصحفي زياد الريس بالقول إن الأمر الأهم بهذا الخصوص أن تمتلك جودة عالية في تقديم الخبر، وأن توفر التفاصيل الدقيقة والمهنية والوصول المباشر للمعلومة. فقد أقرأ الخبر نفسه في مئة مصدر مختلف، لكنني سأبحث لدى المؤسسة المهنية عن التفاصيل الدقيقة والتحليل الموثوق. وهنا تتحول المؤسسة إلى مرجعية حقيقية.
اقتباس: “لم يعد السباق اليوم حول من ينشر الخبر أولاً، بل حول من يقدّم المعلومة الأكثر دقة ومهنية، في زمن أصبحت فيه السوشيال ميديا تتحكم بسرعة الوصول بينما يبقى الإعلام المهني مرجعية للثقة”.










