تشهد الليرة السورية ضغوطاً متواصلة في ظل مستويات تضخم متكررة وتراجع حاد في قيمتها أمام العملات الأجنبية، وذلك بالتوازي مع توسّع الاعتماد على سوق الصرف الموازية التي أصبحت، وفق تقديرات اقتصادية، المرجع الفعلي لتحديد الأسعار في مختلف القطاعات التجارية والخدمية داخل البلاد.
ويشير هذا الواقع إلى تحولات عميقة في بنية السوق النقدية، حيث لم تعد الأسعار مرتبطة حصراً بالقنوات الرسمية، بل باتت تتأثر بشكل مباشر بسعر الصرف في السوق غير الرسمية، ما انعكس على ارتفاع درجة عدم اليقين في المعاملات اليومية، وخلق حالة من الفوضى السعرية التي تطال السلع الأساسية والاستهلاكية على حد سواء.
وأسهمت هذه الأوضاع في توسيع نطاق الاقتصاد غير المنظم، وارتفاع معدلات التهريب والتجارة غير الموثقة، في ظل صعوبة ضبط حركة السلع وتدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري تحديات مركّبة، أبرزها ضعف أدوات الرقابة والضبط، وتراجع فاعلية السياسات النقدية في التأثير المباشر على السوق.
وفي هذا السياق، يطرح خبراء اقتصاديون جملة من التساؤلات حول المسارات الممكنة لمعالجة هذا الاختلال، وفي مقدمتها الخطوات العملية القادرة على استعادة قدر من الاستقرار النقدي، والحد من الاعتماد المتزايد على سوق الصرف الموازية، سواء عبر تعزيز أدوات التدخل النقدي أو تحسين بيئة الثقة بالقطاع المصرفي الرسمي.
اقرأ أيضاً: صرف الحوالات الخارجية بالليرة السورية: إنقاذ للعملة أم عبء جديد على المواطن والاقتصاد؟ – 963+
تحديد سعر الصرف
يقول الباحث الاقتصادي عصام تيزيني إن السوق الموازية، أو ما يُعرف بالسوق السوداء، باتت عملياً الجهة التي تحدد سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مشيراً إلى أن تقليل الاعتماد عليها في الظروف الحالية أمر غير ممكن.
ويضيف في حديث لـ”963+” أن سوريا تواجه حالة من الارتباك في سياستها النقدية، حيث تعتمد إلى حد ما على سياسة حبس السيولة كأداة للتحكم بسعر الصرف، بالتوازي مع نوع من التساهل في التعامل بالعملات الأجنبية داخل السوق المحلية.
ويوضح تيزيني أن هذا الواقع يساهم في خلق حالة من التوازن النسبي لدى المواطن السوري، لا سيما في ظل اتجاه واسع لتسعير معظم السلع والبضائع بالدولار، الأمر الذي ينعكس على سلوك السوق وعلى أنماط الاستهلاك والتداول النقدي، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءاً من الحياة الاقتصادية اليومية، في ظل غياب أدوات فعالة لضبط السوق الرسمية أو فرض سعر صرف موحد.
ويؤكد أن البنك المركزي السوري يتمتع باستقلالية في اتخاذ القرار، ويمارس سياسته المالية الخاصة بما يتناسب مع التطورات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، معتبراً أن هذه السياسة تُدار بشكل تدريجي يتلاءم مع المراحل المختلفة التي يشهدها الاقتصاد السوري.
ويشدد على أن السلطات النقدية تتخذ خطوات مستمرة للحفاظ على استقرار سعر الصرف، رغم التحديات الكبيرة، وفي مقدمتها تراجع القدرة التصديرية للدولة والضغوط على موارد القطع الأجنبي.
وينوه تيزيني إلى أن حاكم مصرف سوريا المركزي يضطر في كثير من الأحيان إلى إدارة السياسة النقدية بطرق غير تقليدية وخارج الأطر المعروفة، بهدف ضبط أسعار الصرف والحد من التقلبات الحادة في السوق، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، معتبراً أن هذه الإجراءات تعكس محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي معقد يفتقر إلى الاستقرار.
ويشير إلى أن حرية تداول العملات الأجنبية داخل سوريا تجعل السوق مفتوحة وحرة إلى حد كبير، حيث جاءت الإجراءات التشريعية بشكل عملي دون الحاجة إلى سن قوانين واضحة، وظهر ذلك منذ المراحل الأولى لسقوط النظام، عندما مُنح المواطنون مرونة أكبر في التعامل بالعملات الأجنبية، مشيراً إلى أن هذه المرونة تساهم في إعادة تشكيل البيئة النقدية في البلاد، وتعزز دور السوق غير الرسمية في تحديد الأسعار.
ويختتم تيزيني بالتأكيد على أن استمرار هذا النهج يعكس واقعاً اقتصادياً صعباً، لكنه في الوقت نفسه يوفر نوعاً من التكيف المرحلي، إلى حين توافر ظروف أكثر استقراراً تسمح بإعادة تنظيم السياسة النقدية وتعزيز دور المؤسسات الرسمية في إدارة سعر الصرف.
اقرأ أيضاً: من اقتصاد المعابر إلى اقتصاد الدولة.. كيف أعاقت ثقافة الطوارئ بناءَ الاقتصاد السوري الحالي؟ – 963+
أين الإشكالية؟
يقول كميل الساري أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون إن الإجراءات التشريعية والرقابية للحد من الاحتكار والمضاربة وضبط الأسواق تمثل إشكالاً كبيراً، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار في بعض الأحيان يعود إلى وجود احتكار ناتج عن سيطرة شخص أو مجموعة أشخاص أو عدد محدود من الشركات على السوق.
ويضيف أن التجارب العالمية أفضت إلى سن قوانين صارمة في حال ثبوت وجود اتفاق بين الشركات أو المنتجين أو الموزعين على تحديد الأسعار، موضحاً أن وجود مثل هذه الضوابط يمكن كشفه بطرق مختلفة، وعند إثباته تُفرض غرامات ثقيلة على الشركات المنتجة أو الموزعة، وهو ما يشكل عبئاً مالياً كبيراً عليها ويجعلها تتجنب اللجوء إلى الاحتكار.
ويشير إلى أن المضاربات لا تختلف كثيراً عن الاحتكار، إذ يقوم العديد من الفاعلين بالشراء أو البيع عبر مزادات أو بوسائل غير قانونية، مما يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل مصطنع، موضحاً أنه يمكن ملاحظة هذه الظاهرة في مناسبات معينة، مثل اقتراب عيد الأضحى، حيث ترتفع أسعار اللحوم نتيجة احتفاظ بعض التجار بالأضاحي بدل بيعها قبل العيد، وهو مثال يتكرر كذلك خلال شهر رمضان أو في مناسبات أخرى.
ويؤكد أن هذه الحالات تندرج ضمن الوضعيات العادية، إلا أن الأوضاع الاستثنائية مثل الحروب تزيد من تعقيد المشهد، موضحاً أنه في حال وجود نزاعات في مناطق حيوية، مثل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أو تعطل مرور السفن عبر مضيق هرمز، فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بسبب تعطل تدفق البضائع نحو الأسواق.
ويضيف أن بعض البدائل تظهر في مثل هذه الحالات، مثل نقل النفط عبر الشاحنات مروراً بسوريا بدلاً من السفن، وهو ما قد يساهم في التخفيف من ارتفاع أسعار الوقود، لكنه يشدد على ضرورة ضبط هذه العمليات ومراقبتها، حتى لا تتجه الشركات إلى تفضيل التصدير على حساب السوق المحلية بدافع الربح، مؤكداً أن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الداخلية.
وينوه إلى أن الدول التي عرفت وجود سوق موازية للعملة واجهت صعوبات كبيرة في تأمين العملة الصعبة، لأنها تستورد أكثر مما تصدر، ما يجعل الطلب على العملات الأجنبية مرتفعًا، في حين يقتصر دور البنك المركزي على إدارة المبادلات بالعملة الصعبة، كما أن الشركات المصدرة تسترجع أموالها بالعملة المحلية بدل الأجنبية، وهو ما يزيد الضغط على الاحتياطات.
ويشدد على أن من بين الحلول المقترحة تقنين تداول العملة الصعبة من خلال إنشاء مكاتب صرافة تعمل بشكل قانوني وعلني، وتقوم ببيع وشراء العملات وفق الأسعار الرسمية، بما يحد من نشاط السوق السوداء.
ويؤكد أن تعزيز دور البنك المركزي في ضبط التضخم يمر عبر ضمان استقلاليته وإبعاده عن التأثيرات السياسية والمالية الحكومية، موضحاً أن منحه صلاحيات أوسع يصبح ضرورياً خاصة في الدول التي تعاني من عجز في الميزانية، حيث يمكنه حينها لعب دور أكثر فعالية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.










