تشهد الساحة السورية في الأسابيع الأخيرة تطورات متسارعة أعادت الجنوب السوري إلى صدارة المشهد السياسي والأمني، في ظل استمرار هشاشة الوضع الداخلي وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية.
ففي محافظة السويداء، ما تزال تداعيات التوترات السابقة تلقي بظلالها على المشهد، وسط انقسامات داخلية ومحاولات متكررة لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والقوى المحلية، بالتزامن مع تقارير عن اشتباكات متفرقة وتحركات أمنية شهدتها المحافظة خلال الأشهر الماضية. كما أن منظمات حقوقية دولية كانت قد دعت، مطلع العام الجاري، إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي رافقت أحداث السويداء السابقة، في مؤشر إلى أن ملف الجنوب لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
وفي موازاة ذلك، تتحرك دمشق ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتأثر بتبدلات موازين القوى، وبالضغوط المرتبطة بالحدود الجنوبية، إضافة إلى محاولات استعادة الاستقرار الداخلي بعد سنوات الحرب.
ويرى مراقبون أن أي انفتاح سياسي أو وساطات غير مباشرة في هذا التوقيت تكتسب أهمية مضاعفة، خصوصاً مع بروز الحاجة إلى قنوات تواصل قادرة على تخفيف الاحتقان ومنع انتقال التوترات المحلية إلى مستويات أوسع. كما أن الجنوب السوري، بما يمثله من حساسية جغرافية واجتماعية، بات اختباراً لقدرة السلطة الجديدة في دمشق على إدارة الملفات المعقدة وإنتاج تسويات تدريجية.
في هذا السياق، جاءت زيارة الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط إلى دمشق ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع، لتثير تساؤلات واسعة حول دلالات التوقيت ورسائل الزيارة، سواء على المستوى اللبناني أو في ما يتصل بمحاولة تهدئة الجنوب السوري وفتح نوافذ حوار جديدة مع السويداء. وبين من يراها خطوة استباقية لاحتواء التصعيد، ومن يعتبرها اختباراً أولياً للنوايا السياسية، تتباين القراءات بشأن قدرة هذه الزيارة على التحول إلى مسار فعلي في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً: الجنوب السوري تحت إعادة تشكيل ميداني: توغلات متصاعدة وواقع جديد يتكرّس
قراءة مزدوجة لزيارة جنبلاط
يقول باسل المحمد، الكاتب والصحفي المقيم في دمشق، لـ”963+”، إن زيارة وليد جنبلاط إلى دمشق ولقاءه بالرئيس أحمد الشرع لا يمكن حصرها ضمن إطارها اللبناني الضيق، بل تحمل أبعاداً مزدوجة تتقاطع بين الداخل اللبناني والملف السوري، ولا سيما في الجنوب السوري.
ويضيف أن الزيارة، على المستوى اللبناني، تعكس محاولة من جنبلاط لإعادة تموضعه السياسي في لحظة إقليمية متحركة، كما توجه رسالة واضحة بأنه لا يزال لاعباً مؤثراً في القضايا المرتبطة بالبيئة الدرزية، ليس داخل لبنان فحسب، بل على امتداد الجغرافيا السورية أيضاً، بما يحفظ له دور “الوسيط” أو “الضامن” في ملفات حساسة.
ويشير إلى أن الزيارة تكتسب، على المستوى السوري، أهمية خاصة في ظل التعقيدات التي تشهدها محافظة السويداء خلال الفترة الأخيرة، من توترات أمنية وأزمات داخلية متراكمة.
ويلفت إلى أن الثقل التاريخي والسياسي لجنبلاط، بوصفه أحد أبرز المرجعيات الدرزية في المنطقة، يمنح تحركه بعداً يتجاوز البروتوكول السياسي، ليقترب من محاولة إحداث اختراق في حالة الجمود القائمة.
ويتابع أن الزيارة يمكن قراءتها، في هذا السياق، كجزء من مسعى غير معلن لكسر حالة البرود بين دمشق وفعاليات السويداء، وفتح قنوات تواصل قد تسهم في تخفيف الاحتقان وإعادة بناء حد أدنى من الثقة.
ويشير إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت تصاعداً في الأزمات داخل المحافظة، ما يجعل أي تحرك من شخصية بحجم جنبلاط ذا قابلية للتأثير، ولو بشكل تدريجي.
ومع ذلك، ينوه المحمد إلى أن تأثير هذه الزيارة يبقى مرهوناً بمدى استعداد الأطراف المعنية، سواء في دمشق أو داخل السويداء، للتجاوب مع هذا المسار، إذ إن التعقيدات المحلية والتداخلات الإقليمية تجعل من أي اختراق محتمل عملية تراكمية أكثر منها نتيجة فورية.
ويوضح أن توقيت زيارة جنبلاط إلى دمشق ولقائه بالرئيس أحمد الشرع لم يكن معزولاً عن السياق الأمني المتوتر في الجنوب السوري، وخصوصاً في محافظة السويداء، إذ شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة سلسلة من التوترات الأمنية والاجتماعية، ما أعاد ملف الجنوب إلى واجهة الاهتمام الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، يفسر المحمد الزيارة باعتبارها محاولة استباقية لاحتواء التصعيد عبر مسار سياسي – اجتماعي غير مباشر، يقوم على فتح قنوات تواصل مع الفاعلين المحليين، بدل ترك الساحة مفتوحة أمام مزيد من الانفلات أو الاستقطاب.
كما يرى أن هذا التوقيت يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الجمود بين دمشق وبعض المكونات في الجنوب قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات بدل احتوائها.
ويؤكد المحمد أن وليد جنبلاط يمتلك خصوصية سياسية واجتماعية ناتجة عن علاقاته التاريخية الممتدة مع القيادات والبيئة الدرزية في سوريا ولبنان، ما يمنحه موقعاً فريداً بوصفه “جسر تواصل” غير رسمي بين الأطراف المختلفة.
وفي ما يتعلق بالحالة السورية، وتحديداً في السويداء، يرى المحمد أن جنبلاط يمكن أن يلعب دور وسيط معنوي يساهم في تخفيف التوتر وإعادة فتح قنوات الحوار بين الدولة وبعض الفاعلين المحليين، مستفيداً من رصيده الرمزي داخل الطائفة، رغم أن تأثيره المباشر يبقى غير حاسم دون توافقات أوسع.
أما على المستوى اللبناني – السوري، فيشير إلى أن جنبلاط قادر على المساهمة في تهدئة التوترات ومنع انتقالها بين الضفتين، نظراً للتداخل الاجتماعي والعائلي بين الدروز في البلدين.
لكنه يعلل بأن هذا الدور يظل مرتبطاً بمدى قبول الأطراف المعنية له كوسيط، وبقدرة البيئة السياسية على استيعاب أي مبادرة تسوية أو تهدئة.
ويخلص المحمد إلى أن دور جنبلاط يبقى محتملاً ومساعداً أكثر منه حاسماً، لكنه يصبح مهماً في لحظات الانسداد السياسي والأمني، كما هو الحال اليوم في الجنوب السوري.
اقرأ أيضاً: فراغ أميركي… حضور روسي: هل تتغيّر قواعد اللعبة في سوريا؟
رسائل إقليمية واختبار نوايا
من جهته، يقول طارق أبوزينب، المحلل والباحث السياسي، في حديثه لـ”963+”، إن زيارة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى دمشق لا يمكن قراءتها في إطار لبناني ضيق، بل تحمل رسائل إقليمية تتصل مباشرة بمحاولة تبريد الجبهة الجنوبية السورية.
ويضيف أن الجنوب السوري، وخصوصاً السويداء ودرعا، يعيش حالة هشّة بين تصاعد أمني وضغط اجتماعي، وأن أي تحرك من شخصية بحجم جنبلاط يُفهم بوصفه إشارة إلى وجود مسعى غير معلن لإعادة ضبط الإيقاع، ليس أمنياً فقط، بل سياسياً أيضاً.
وفي ما يتعلق بإعادة فتح قنوات التواصل، يرى أبو زينب أن لقاءات جنبلاط في دمشق يمكن أن تلعب دور “الوسيط الناعم”. ويوضح أنه لا يملك أدوات تنفيذ مباشرة داخل سوريا، لكنه يمتلك ما هو أهم، والمتمثل في شبكة علاقات تاريخية وثقة نسبية لدى شريحة من القوى المحلية، خصوصاً في السويداء.
ويشير إلى أن ذلك يمنحه قدرة على تليين المواقف وفتح نوافذ حوار غير رسمية، قد تُستخدم لاحقاً كبوابة لتفاهمات أوسع إذا توفرت الإرادة السياسية.
أما بشأن توقيت الزيارة، فيلفت إلى أنه ليس عابراً، موضحاً أن الجنوب السوري يشهد منذ فترة توترات متصاعدة، سواء على مستوى الاغتيالات أو الفوضى الأمنية أو حتى الاحتقان الشعبي. ومن هنا، يفسر الزيارة كجزء من محاولة استباق انفجار أكبر، عبر إدخال عامل سياسي قادر على امتصاص جزء من التوتر، خصوصاً في ظل غياب حلول مركزية واضحة.
ويتابع أن دور جنبلاط يرتكز على خصوصيته كزعيم درزي له امتداد تاريخي واجتماعي بين لبنان وسوريا، وهي ميزة تمنحه هامش حركة لا يتوفر لغيره، إذ يستطيع مخاطبة القيادات المحلية بلغة مشتركة تجمع بين البعد العائلي والسياسي. لكنه يستدرك بأن هذا الدور يظل محكوماً بسقف التوازنات الإقليمية، ما يعني أن تأثيره يبقى محدوداً إذا لم يتقاطع مع مصالح القوى الفاعلة على الأرض.
وفي المحصلة، يخلص أبوزينب إلى أنه لا يمكن اعتبار اللقاء في دمشق بداية مسار متكامل لحل أزمة الجنوب السوري بحد ذاته، لكنه أيضاً ليس مجرد خطوة رمزية. ويرى أنه أقرب إلى “اختبار نوايا” وفتح قناة تمهيدية، قد تتطور لاحقاً إلى مسار سياسي إذا توافرت ظروف إقليمية داعمة، أما إذا بقيت التباينات على حالها، فستبقى هذه الزيارة في إطار التهدئة المؤقتة دون نتائج عملية عميقة.










