في الثامن والعشرين من فبراير 2026، ومع انطلاق أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، كانت جمعية الصاغة في دمشق تُصدر تسعيرتها الثانية خلال ساعات قليلة، في مؤشر واضح على التوتر الذي يعيشه السوق المحلي. ومع صباح اليوم التالي، شهدت الليرة السورية تراجعاً حاداً، فيما اجتاحت أسواق المواد الغذائية موجة شراء مدفوعة بالذعر. عشرة أيام مرت على اندلاع التوتر الإقليمي، وسوريا تدفع ثمن حرب لم تختَرها، بينما هي بالكاد تتعافى من صراعاتها الداخلية المستمرة منذ أكثر من عقد. في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ سنوات، تضيف الحرب الإقليمية طبقة جديدة من التعقيد على المشهد الاقتصادي السوري، إذ يحاول الاقتصاد التعافي تدريجياً من آثار أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والتراجع الإنتاجي، إلا أن الصدمات الجديدة تعيده أمام تحديات قاسية قد تعمّق أزماته المالية والمعيشية.
ويجمع الخبراء على أن الاقتصاد السوري يعدّ من أكثر اقتصادات المنطقة هشاشة أمام الصدمات الخارجية، نظراً لاعتماده الكبير على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، وتذبذب الموارد المالية. أي توتر إقليمي ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، حركة التجارة، وسعر صرف الليرة السورية. والسؤال الأهم يبقى: هل يستطيع الاقتصاد السوري الصمود أمام موجة جديدة من الضغوط الإقليمية، أم أن هذه الأزمة ستدفعه إلى مرحلة أكثر صعوبة؟
اقرأ أيضاً: ما الذي تحتاجه سوريا لتصبح لاعباً إقليمياً مستقلاً؟ – 963+
اقتصاد هش أمام الصدمات
يرى الخبراء أن قدرة الاقتصاد السوري على الصمود تعتمد على تعزيز الإنتاج المحلي، تقليل الاعتماد على الخارج، وخلق مسارات تنموية قادرة على مواجهة الأزمات المتكررة في المنطقة. خلال السنوات الأخيرة، تعرض الاقتصاد السوري لسلسلة من الضغوط: تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، ضعف الاستثمار وتقلص الصادرات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ومع اندلاع توترات عسكرية جديدة، تعود المخاوف من موجة تضخم جديدة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد لـ “963+”: “الاقتصاد السوري يعيش منذ سنوات في حالة هشاشة بنيوية، لذا فإن أي اضطراب إقليمي ينعكس سريعاً على الأسواق المحلية، سواء عبر أسعار الطاقة، تكاليف النقل، أو اضطراب سلاسل التوريد. الحروب الإقليمية غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ما يزيد كلفة النقل والإنتاج، ويترجم مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية”.
ويضيف مراد: “الطاقة أول المتأثرين، إذ تعتمد سورية بشكل كبير على استيراد النفط، وأي اضطراب في أسواق الطاقة يزيد الضغط على الموازنة، ويرفع أسعار الوقود، ما ينعكس على ساعات التقنين الكهربائي وتكاليف النقل والإنتاج الصناعي، وبالتالي على أسعار السلع الأساسية. المواطن السوري، الذي يعتمد على المولدات الخاصة بالمازوت، يتلقى الضربة مباشرة في جيبه”.
ويشير مراد أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً يضاعف فاتورة الاستيراد، ويزيد الضغط على المالية العامة وسوق القطع الأجنبي، ما يخلق حلقة من التضخم الذاتي، يضاف إلى صعوبات الحياة اليومية التي يعيشها المواطن، خصوصاً مع استمرار أزمة الكهرباء والاعتماد على مصادر طاقة مكلفة.
سوريا بين مطرقتين
المحلل السياسي نجم العبدالله لـ”963+” يرى أن الوضع السوري يزداد تعقيداً بسبب تبعات الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، التي تعكس آثارها على صرف الطاقة، سلاسل الإمداد، الأمن، والاستثمار. سوريا، التي يقودها اليوم نظام جديد يسعى لإعادة الاندماج مع الغرب ودول الخليج، تواجه تهديداً مزدوجاً: من إيران التي ردّت على الضربات بهجمات في دول الخليج والعراق، ومن خلايا الميليشيات الموالية لطهران داخل البلاد.
وزارة الداخلية السورية أعلنت في 5 مارس 2026 إحباط “مخطط إرهابي” في دمشق بالتنسيق مع الاستخبارات التركية، ما يبرز تأثير التوترات الإقليمية على الأمن الداخلي، شرط أساسي لأي انتعاش اقتصادي. كما أن إعادة تفعيل نشاط “حزب الله” العسكري يضع لبنان ـ البوابة التجارية الغربية لسوريا ـ في دائرة عدم استقرار جديدة.
ويشير العبدالله إلى أن هذه الأزمة تضع سوريا في موقف بالغ الحساسية: “سوريا تدفع الثمن مرة أخرى لوجودها في قلب المنطقة، لكنها هذه المرة تدفعه في لحظة كانت تحاول فيها النظر إلى الأمام. كل حركة في المنطقة لها انعكاس مباشر على الأسواق المحلية، وعلى الاستثمارات المستقبلية، وحتى على الحياة اليومية للمواطنين”.
اقرأ أيضاً: روسيا والصين وإيران: نفوذ واستراتيجيات في أزمة الطاقة – 963+
التجارة والنقل تزيد المشهد تعقيداً
التوترات العسكرية تؤثر مباشرة على حركة التجارة وخطوط النقل الدولية، حيث تتعرض الممرات البحرية والبرية للاضطراب وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. الهجمات الإيرانية على دول الخليج، بما فيها الإمارات والبحرين وقطر والكويت، أثرت على شرايين التجارة الأساسية لسوريا، ورفعت شركات التأمين أقساطها على مسارات البحر الأحمر والخليج العربي، ما زاد فاتورة الاستيراد السورية، فيما رفع تجار الجملة أسعار السلع احترازياً.
ويشير الخبير في التجارة الدولية الدكتور محمد يوسف في تصريحات لـ”963+” إلى أن ما يُعرف بـ “توقعات التضخم” أصبحت عاملاً مؤثراً في الاقتصاد السوري، إذ أن ارتفاع تكاليف النقل أو التأمين ينعكس فوراً على أسعار السلع المستوردة، من القمح والزيوت إلى الأدوية والمواد الأولية للصناعة. كما تتأثر حركة الترانزيت عبر بعض الدول المجاورة، ما يزيد صعوبة الاستيراد ويجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي توتر إقليمي.
ومع اشتداد القصف الإقليمي، تراجعت الإمدادات التجارية وارتفعت الأسعار بسرعة، لتزيد معاناة السوريين الذين أنهكتهم الحروب السابقة. عادت طوابير الغاز والخبز في دمشق ومدن عدة، لتذكّر المواطنين بأزمات سابقة. يقول التاجر أبو محمود لـ”963+”: “الأسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي خبر سياسي أو عسكري، فمجرد الحديث عن توتر إقليمي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار”.
المواطن السوري، الذي خرج من أتون حرب دمرت نصف بنيته التحتية، يجد نفسه اليوم يدفع فاتورة حرب لم يختَرها. تقول سناء جابر، موظفة حكومية: “رواتبنا بالكاد تكفي أساسيات الحياة، وأي ارتفاع جديد في الأسعار يزيد الضغط على العائلات، فالغلاء طال كل شيء، من الخبز المدعوم إلى الأدوية، ومن أجرة المواصلات إلى أجور الأطباء”.
سعر الصرف تحت الضغط
أصدرت جمعية الصاغة في دمشق أربع تسعيرات متتالية خلال ثلاث ساعات ونصف، فيما سجّل سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية في السوق الموازية 11,870 ليرة، مقابل السعر الرسمي 11,000 ليرة.
ويشير الخبير المالي الدكتور عبدالعزيز العثمان، في تصريحات لـِ”963+” إلى أن استمرار الحرب الإقليمية يزيد الضغط على سوق الصرف، خصوصاً في ظل اقتصاد يعتمد على الواردات ويعاني نقصاً في القطع الأجنبي. المصرف المركزي لجأ إلى تقييد السحوبات وتحجيم الطلب على الدولار، إجراءات “تؤجل الانفجار ولا تحل المشكلة”، مؤكداً أن أي استقرار حقيقي يتطلب زيادة الإنتاج والصادرات، وهو تحدٍ كبير في الظروف الحالية.
بدوره، القطاع الخاص، الذي يحاول التعافي منذ سنوات، يواجه اليوم ضغوطاً إضافية. يقول الصناعي الحلبي سامر نصار: “التوترات الإقليمية تجعل المستقبل غير واضح بالنسبة للمستثمرين، والقطاع الصناعي يحتاج إلى بيئة مستقرة للتخطيط للإنتاج والتصدير”. ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية يزيد من صعوبة استمرار المشاريع.
في المقابل، يرى الخبير عدنان الجاسم في تصريحات لـ”963+” أن الأزمات الإقليمية قد تتيح فرصاً محدودة للزراعة، إذا تمكنت سوريا من تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. تعزيز الأمن الغذائي، وفق الجاسم، قد يخفف أثر اضطرابات التجارة الدولية، شريطة توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة ودعم المزارعين وتطوير البنية التحتية للقطاع.
الاستثمار المؤجّل.. ثمن باهظ
سوريا كانت تستعد لموسم استثماري بعد مسيرة التطبيع الديبلوماسي الأخيرة وفتح حساب لدى الفيدرالي الأميركي، ما كان يشكل بيئة محفّزة لرؤوس الأموال. لكن الحرب أوقفت هذا المسار.
الباحثة الاقتصادية خلود السلامة تحذر في تصريحات لـ”963+”: “عدم اليقين الاستثماري سيؤدي إلى تأجيل المشاريع وتراجع فرص العمل، خصوصاً في بلد يُقدّر معدل البطالة فيه بأكثر من 55%”. لكنها تشير إلى عوامل تخفف الصدمة، مثل ضعف الارتباط الاقتصادي المباشر مع إيران والتوجه نحو الشراكة مع تركيا، شريطة استمرار الاستقرار الأمني الداخلي.
وتقول الحكومة السورية إنها تتابع “الإجراءات الاحترازية”، لكن الواقع يفرض تحديات كبيرة: الرواتب الحكومية لم تُسلّم، الدعم التمويني تقلص، والمساعدات الإنسانية أقل من المتوقع.
الخبير الاقتصادي الدكتور خليل إبراهيم يوضح لـ”963+” أن الخيارات تشمل: تعزيز الإنتاج المحلي، دعم القطاعات الزراعية والصناعية لتأمين السلع الأساسية، تحسين إدارة الموارد المالية، تشجيع الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشراكات مع الدول الصديقة. التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة يشكل مساراً واقعياً لتحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل، خصوصاً مع محدودية الموارد. ويرى إبراهيم أن التعافي سيكون بطيئاً ومعقداً، ويتطلب استقراراً سياسياً وإقليمياً إلى جانب إصلاحات داخلية تعزز الإنتاج والاستثمار.










