على مدى عقود، شكلت سوريا حلقة وصل تاريخية واستراتيجية بين إيران و”حزب الله” في لبنان، إذ لم تكن مجرد جغرافيا عبور، بل كانت مسرحاً رئيسياً لنقل الدعم السياسي والعسكري واللوجستي الذي قدمته طهران لـ”حزب الله” عبر الأراضي السورية.
وجعلت هذه العلاقة المتشابكة، التي امتدت جذورها إلى ما قبل الحرب السورية، دمشق مركز ثقل للتنسيق بين إيران وحليفها اللبناني، وأحد أعمدة التوازن الإقليمي في المنطقة.
مع اندلاع الحرب في سوريا، تعمقت هذه العلاقة التاريخية، إذ تحولت البلاد إلى ساحة نفوذ متعددة المستويات بين قوى إقليمية ودولية، كان أبرزها التحالف الذي جمع دمشق بطهران، والذي سمح للحزب اللبناني بالحفاظ على خطوط الاتصال والدعم الأساسية، وتكريس نفوذه في لبنان عبر دعم مستمر بالسلاح والخبرات والخدمات اللوجستية.
لكن سقوط النظام أعاد خلط الأوراق وأثار تساؤلات جوهرية حول مصير هذا الممر التاريخي بين إيران و”حزب الله”، إذ لم تعد دمشق في ظل واقع سياسي وأمني جديد، الضمانة التقليدية التي كانت تؤمن استمرارية الدعم، بل أصبحت سوريا ساحة مفتوحة لتحولات جيوسياسية معقدة وظهور قوى إقليمية ودولية جديدة تؤثر على شبكة النفوذ الإيرانية.
وحملت الأسابيع الأخيرة تغييرات غير مسبوقة، ففي ظل حرب إقليمية أشد تعقيداً، تواجه إيران صعوبات كبيرة في الحفاظ على خطوطها التقليدية للدعم، وتترافق هذه الضغوط مع خسائر في صفوف قيادتها العسكرية العليا، ما أثر في قدرة المؤسسة الإيرانية على الحفاظ على وحدتها وكفاءتها في إدارة شبكاتها الخارجية، بما في ذلك تلك المرتبطة بـ”حزب الله” عبر سوريا.
ويُنظر إلى هذه الخسائر، التي طالت قادة بارزين في الأجهزة العسكرية والاستخبارية، كعامل أضعف قدرة إيران على الاستمرار في استخدام سوريا كبوابة آمنة لدعم حلفائها، في وقت تتكثف التحديات الأمنية داخل الحدود الإيرانية نفسها.
في لبنان، يتقاطع وضع “حزب الله” بعمق مع ما يجري في إيران، لطالما شكل الحزب امتداداً عملياً لسياسات طهران الإقليمية، مستفيداً من البنية اللوجستية التي وفرتها له سوريا منذ عقود، لكن التغيّرات الأخيرة في سوريا أضعفت هذه العلاقة التقليدية.
ويواجه “حزب الله” ضغوطاً متزايدة على مستويات متعددة، سياسية وعسكرية ولوجستية، فالمطالب المتصاعدة بالتخلي عن السلاح تتقاطع مع حملات جوية إسرائيلية تستهدف مواقع يُعتقد أنها تابعة له في لبنان، بينما انقطع جزء من الدعم الذي كان يمر عبر الأراضي السورية، ما يعيد طرح أسئلة حول قدرة الحزب على الحفاظ على جاهزيته القتالية واستمرارية نفوذه السياسي في لبنان.
خطوات الإضعاف
يقول مدير شبكة فكر الليبرالي الكردي مسلم أحمد، إن أحد أهداف إسقاط النظام المخلوع كان محاربة النفوذ الإيراني، وقد جاء ذلك على مراحل متتابعة بدأت بإضعاف حركة “حماس”، ثم سقوط النظام، ثم إضعاف “حزب الله”، وصولاً إلى الضربات الجوية ضد الحوثيين، التي شكلت المرحلة الأخيرة من استهداف مصالح إيران المباشرة في المنطقة.
ويضيف أحمد في حديث لـ”963+”، أن الهجوم الذي نفذته حركة “حماس” في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 كان حدثاً فاصلاً في الشرق الأوسط، وأعاد رسم الخارطة السياسية للمنطقة بشكل كامل، إذ أنه تسبب في مزيد من العزلة الدولية لإيران وأضعف أدوات نفوذها الإقليمية، بما في ذلك “حزب الله”.
ويؤكد أحمد أن النظام الإيراني قضى عملياً على نفسه وعلى أذرعه بعد دعمه لهجوم “حماس”، وأصبح نفوذه في المنطقة محدوداً للغاية، وفقد قدرته على السيطرة وإدارة استراتيجياته الإقليمية، وأصبحت أوراقه السياسية والاستراتيجية شبه معدومة، وأن وجود النظام الإيراني أصبح رهيناً بالسياسات الأميركية، وأن بقائه في السلطة معرض للسقوط في أي لحظة.
ويضيف أن “حزب الله” اللبناني يعاني حالياً من ضغوط مماثلة لما يعيشه النظام الإيراني، إذ أصبح منبوذاً داخل الشارع اللبناني، وحتى بين أنصاره التقليديين، ما يضعه في موقف ضعف غير مسبوق، وأن إسرائيل تستغل هذه الحالة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في الشرق الأوسط، وتهدف إلى إيجاد تيار شعبي محلي يمكن قبوله وجودها في المنطقة.
ويرى أحمد أن أي انهيار محتمل للنظام الإيراني سيكون له انعكاسات مباشرة على “حزب الله”، وقد يؤدي إلى تقليص كبير لقدراته العسكرية والسياسية، ما يجعل دوره الإقليمي تحت اختبار تاريخي حقيقي، وأن الأحداث الأخيرة في المنطقة تؤكد أن تحولات السياسة الإقليمية ليست محلية فحسب، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط.
مخزون سلاح “حزب الله”
يشير عصمت العبسي، أكاديمي ومحلل سياسي في دمشق إلى أن “سقوط النظام السوري وانتصار الثورة أدى إلى انهيار فعلي للمشروع الإيراني في سوريا والمنطقة، وتدمير ما كان يعرف بـ”الهلال الشيعي”، الأمر الذي قطع خطوط الإمداد عن “حزب الله”، وأن الحزب رغم ذلك يمتلك مخزوناً كبيراً من الأسلحة، بما فيها تلك التي استحوذ عليها عقب الانهيار السريع للنظام، وذلك بفضل معرفته الجيدة بمواقع تخزين هذه الأسلحة داخل سوريا.
ويؤكد العبسي في حديث لـ”963+”،أن النفوذ الإيراني في المنطقة تراجع بشكل ملموس، ليس فقط في سوريا، بل أيضاً في الدول الأخرى التي كانت لإيران فيها نفوذ قوي مثل العراق ولبنان وحتى اليمن، ما يعكس فقدان طهران لجزء كبير من أدواتها الإقليمية التقليدية.
ويضيف أن التغيير واضح فيما يتعلق بموازين القوى بين إيران والدول الخليجية، والتي تعتبر حليفة للحكومة السورية التي تشكلت بعد سقوط النظام، وهو ما يمهد لظهور محور جديد في المنطقة أكثر قوة ويحظى بقبول دولي، ويملك قدرة أكبر على المناورة والتأثير في السياسة الإقليمية.
ويشير العبسي إلى أن التحركات الإسرائيلية تعرقل هذا المسار بشكل كبير، وتترك أثراً واضحاً على الحاضنة الشعبية في المنطقة، ما يخلق حالة من التوتر بين إسرائيل وبعض دول هذا المحور، لا سيما تركيا.
ويشدّد على أن الأحداث الحالية تؤكد أن التحولات في موازين القوى ليست محلية فحسب، بل جزء من إعادة تشكيل أوسع للسياسات الإقليمية، مع اختبار قدرة المحاور الجديدة على الحفاظ على توازنها أمام التحديات الإسرائيلية والدولية.










