نيويورك
وافق مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي، اليوم الأربعاء، على تقديم منحة مالية بقيمة 20 مليون دولار أمريكي لسوريا عبر المؤسسة الدولية للتنمية، وذلك بهدف دعم جهود تحسين كفاءة وشفافية ومساءلة إدارة الأموال العامة في البلاد.
ونصت وثيقة المنحة المقدمة من البنك الدولي على أن هذا التمويل يأتي ضمن مشروع “تعزيز قدرات إدارة المالية العامة في سوريا”، الذي يهدف إلى تطوير الوظائف الأساسية لإدارة المالية العامة وإجراءات المشتريات الحكومية، ووضع الأسس اللازمة لرقمنة هذه الأنظمة مستقبلاً، إضافة إلى تعزيز الرقابة على الموازنات العامة وإقامة ترتيبات مؤسسية أكثر فاعلية لضمان التنسيق والإشراف على إصلاحات إدارة المالية العامة.
وذكرت الوثيقة، أن إطلاق المشروع يأتي في ظل التحديات الكبيرة التي ما تزال تواجه أنظمة وإجراءات ومؤسسات المالية العامة في سوريا بعد أربعة عشر عاماً من النزاع والتدهور الاقتصادي.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الحيز المالي المتاح للحكومة السورية محدود للغاية، ما يقلص قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية.
كما تراجعت إيرادات الدولة بشكل حاد، حيث انخفضت من نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي قبل اندلاع الحرب إلى أقل من 5% حالياً نتيجة انخفاض عائدات النفط والضرائب، في حين بقيت إيرادات الرسوم الجمركية محدودة رغم اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على استيراد السلع الأساسية منذ عام 2011.
ويُنظر إلى مشروع تعزيز قدرات إدارة المالية العامة في سوريا على أنه استجابة استراتيجية لهذه التحديات، إذ يركز على تقوية الأنظمة الحكومية وتحسين إدارة الموارد المالية العامة بكفاءة أعلى، وفق ما ذكره البنك الدولي.
وفي هذا السياق، قال جان‑كريستوف كاريه، مدير قسم الشرق الأوسط في البنك الدولي، إن الإدارة المنضبطة والشفافة للأموال العامة تُعد عنصراً أساسياً لتمكين الدولة السورية من استعادة ثقة مواطنيها وكذلك ثقة المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى حشد الموارد المحلية والدعم الخارجي لتمويل عملية إعادة الإعمار الواسعة التي تتطلبها البلاد.
وأضاف أن المشروع سيعمل على تعزيز الأنظمة الأساسية التي تقوم عليها الحوكمة الفعالة بما يعود بالفائدة على المواطنين، مشيراً إلى أن تنفيذ المشروع سيجري وفق نهج تدريجي يبدأ بمعالجة الأساسيات وبناء القدرات المؤسسية اللازمة قبل الانتقال إلى إصلاحات أكثر تقدماً.
ويتضمن المشروع ثلاثة مكونات رئيسية، أولها الإشراف على إصلاحات إدارة المالية العامة، وثانيها تطوير القدرات في المجالات الأساسية لإدارة المالية العامة والمشتريات الحكومية، وثالثها إنشاء نظام معلومات متكامل لإدارة المالية العامة في سوريا يعرف باسم “SIFMIS”.
وتهدف هذه الأنشطة إلى تحسين التنسيق بين الجهات المعنية بإصلاح إدارة المالية العامة، وتعزيز الامتثال والشفافية في الوظائف المالية الأساسية، إلى جانب توفير بيانات مالية دقيقة وفي الوقت المناسب لصناع القرار.
ويستهدف المشروع تطوير العمليات الأساسية المرتبطة بإعداد الموازنات وتنفيذها وإدارة المشتريات الحكومية وإعداد التقارير المالية، بما في ذلك تبسيط الإجراءات الإدارية المرتبطة بهذه العمليات والعمل على رقمنتها.
ولفت البنك الدولي إلى أنه من المتوقع أن يسهم تحسين أنظمة الرواتب والمشتريات وإدارة الموازنات في رفع مستوى الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، سواء في قطاع الصحة أو التعليم أو البنية التحتية.
كذلك يتضمن المشروع برنامجاً لتأهيل الكوادر الحكومية ورفع مهاراتها في مجالي إدارة المالية العامة والمشتريات، مع العمل على إرساء مسار مهني مؤسسي لهذه الوظائف لضمان استدامة الإصلاحات على المدى الطويل.
ومن بين الإجراءات المؤسسية التي يتضمنها المشروع إنشاء آليات تنسيق جديدة، من بينها قسم خاص بالإشراف المالي على المساعدات الخارجية ضمن وزارة المالية السورية يعرف باسم “Syria External Assistance Fiduciary Section”، وهو قسم سيُعنى بمتابعة المشاريع الوطنية والدولية على حد سواء، بهدف ضمان الرقابة المالية الفعالة وتنسيق المساعدات المقدمة عبر قنوات متعددة.
من جانبه، قال وزير المالية السوري محمد يسر برنية إن الاقتصاد السوري، بعد سنوات طويلة من الانكماش، يُتوقع أن يحقق نمواً إيجابياً خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يمثل خطوة مهمة على طريق الاستقرار الاقتصادي والتعافي.
وأضاف أن الإصلاحات الجارية التي تنفذها الحكومة، ومن بينها تعزيز إدارة المالية العامة بدعم من هذا المشروع، ستسهم في تحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي خلال المدى المتوسط، كما ستساعد في ترسيخ أسس تحسين تقديم الخدمات العامة بصورة شفافة وخاضعة للمساءلة.
وأشار إلى أن التعاون بين وزارة المالية والبنك الدولي خلال العام الماضي مهّد الطريق لإقامة شراكة قوية بعد عقود من عدم الانخراط بين الجانبين.
ويُعد مشروع تعزيز قدرات إدارة المالية العامة في سوريا ثاني مشروع يجري تطويره في إطار توسع مشاركة البنك الدولي في البلاد بالتنسيق الوثيق مع الحكومة السورية.
ويجري حالياً بحث استراتيجية أوسع لتعزيز هذا التعاون بما يتماشى مع مبادئ وأولويات “بيان أولويات التعافي الوطني للتعاون الدولي” الذي أقرته الحكومة السورية.
وتتركز الاستراتيجية التي يعمل البنك الدولي على تطويرها لدعم سوريا في ثلاث ركائز رئيسية تهدف إلى تحقيق التعافي الاقتصادي والنمو المستدام، وتشمل تثبيت الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الأنظمة الحكومية الأساسية، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، إضافة إلى تمكين النمو الاقتصادي ودعم تعافي يقوده القطاع الخاص.
وتُعد إدارة المالية العامة أحد المحاور المشتركة بين هذه الركائز الثلاث، حيث جرى تحديدها كأولوية رئيسية ضمن خطة التعافي الوطنية لدورها في دعم مسار التعافي الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.










