عادت البادية السورية خلال الأشهر الأخيرة إلى صدارة المشهد الأمني بوصفها واحدة من أكثر المناطق هشاشة وتعقيداً على مستوى الضبط والملاحقة، بالتزامن مع مؤشرات متزايدة على تجدد نشاط خلايا تنظيم “داعش” في مساحات صحراوية مترامية يصعب التحكم بها ميدانياً.
ويثير هذا الحراك المتصاعد تساؤلات متزايدة حول طبيعة العوامل التي سمحت بعودة النشاط، وما إذا كانت الجغرافيا الصحراوية وحدها كافية لتفسير المشهد، أم أن هناك فراغات أمنية وميدانية أعمق أسهمت في إعادة تنشيط الخلايا النائمة.
وكثفت خلايا التنظيم خلال الفترة الماضية من تحركاتها المتنقلة في عمق البادية، مستفيدة من اتساع المساحة وتعدد المسارات غير المعبدة، وأن نمط هذه الهجمات بات يعتمد على الضربات الخاطفة والكمائن المحدودة بدلاً من السيطرة المكانية المباشرة التي ميّزت مرحلة تمدد التنظيم سابقاً.
وتشكل البادية السورية نطاقاً جغرافياً واسعاً يمتد عبر محافظات عدة أبرزها حمص ودير الزور والرقة، وتتميّز بتضاريس قاسية تشمل هضاباً صخرية وكهوفاً طبيعية ومساحات مفتوحة قليلة الكثافة السكانية، وتمنح هذه الخصائص أي مجموعات مسلحة هامشاً واسعاً للمناورة والتخفي، حيث توفر الطبيعة الوعرة للتنظيم عمقاً جغرافياً يسمح بالانسحاب وإعادة التموضع، إضافة إلى ضعف التغطية البشرية وتشعب المسارات الصحراوية التي تعقّد عمليات الرصد والملاحقة.
الملاحظ كذلك أن “داعش” لم يعد يسعى إلى السيطرة على مدن أو طرق رئيسية داخل البادية، بل يركّز على الكمائن ضد الدوريات العسكرية واستهداف خطوط الإمداد وزرع العبوات الناسفة في المسارات الصحراوية وتنفيذ هجمات ليلية محدودة، ويعكس هذا التحول انتقال التنظيم من مرحلة التمكين المكاني إلى مرحلة الإنهاك الأمني، وهي استراتيجية تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم بدلاً من محاولة السيطرة المباشرة.
“داعش” يستفيد من الفراغ
يقول شريف الدواخلي، الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الإرهاب الدولي، إن الطبيعة الجغرافية للبادية السورية أسهمت بشكل واضح في زيادة قدرة خلايا تنظيم “داعش” على إعادة تنظيم صفوفها، موضحاً أن التنظيم يسعى إلى استثمار حالة السيولة الميدانية الناتجة عن تراجع الدعم الدولي المباشر، عبر إحياء مراكزه في الشرق السوري بهدف ضرب هيبة القوى الأمنية الصاعدة ومنعها من تثبيت أركان حكمها في الرقة ودير الزور من خلال استهداف المداخل الرئيسية والمدن الكبرى.
ويضيف الدواخلي في حديث لـ”963+”، أن التنظيم يستهدف خلق فراغ أمني في مساحات شاسعة تسمح له بترتيب عملياته العسكرية بهدوء بعيداً عن ضغوط الاستهداف والرقابة اللحظية التي كان يفرضها الوجود العسكري الأميركي المباشر صاحب التقنيات التكنولوجية المتقدمة في مجال آليات الرقابة والمتابعة لتحركات التنظيم.
ويؤكد أن “داعش” يسعى إلى استعادة نفوذه في البادية السورية واستخدامها كقاعدة انطلاق لشن غارات خاطفة ضد الأهداف العسكرية والمنشآت النفطية بهدف تمويل عملياته المقبلة، مشيراً إلى أن ذلك يشكل اختباراً حقيقياً لقدرات السلطة الجديدة في دمشق التي تحتاج، بحسب تقديره، إلى تنسيق ميداني مع القوى المحلية الفاعلة لسد ما يسميه “الثغرات الجغرافية”.
ويوضح أن التنظيم يعتمد بشكل واضح على استنزاف القوات المرابطة في ما يُعرف بالمنطقة “ج” في عمق البادية والمناطق الحضرية، لافتاً إلى أن هذه الهجمات امتدت لتشمل مدينة الميادين في محافظة دير الزور، إضافة إلى نصب كمائن في ريفي سلوك والبصيرة بهدف خلخلة التحصينات الدفاعية القائمة.
ويشير الدواخلي إلى أن التنظيم يستغل الثغرات الميدانية والأمنية في البادية السورية، مبيناً أن امتداد البادية الشامية على مساحات شاسعة ووعرة يوفر مخابئ طبيعية يصعب مراقبتها بالكامل، ما يسمح للخلايا النائمة بالاختباء وشن هجمات مباغتة، وأن التنظيم يعتمد كذلك على “تكتيك الذئاب المنفردة”، إذ ينفذ عمليات خاطفة وتفجيرات انتحارية لا تتطلب سيطرة جغرافية دائمة، الأمر الذي يصعّب رصد تحركاته مسبقاً.
“ثقب أسود”
ويرى أن البادية تحولت إلى ما يمكن تسميته “الثقب الأسود”، موضحاً أن التنظيم انتقل من نموذج السيطرة الجغرافية الثابتة إلى استراتيجية “الصحراء المتحركة” المترافقة مع حروب استنزاف طويلة، خاصة في المنطقة “ج”، ويشدد على أن هذا التحول يمثل تطبيقاً عملياً لما دعا إليه تنظيم “داعش” في آذار/ مارس 2024 عندما أعلن صراحة الدخول في مرحلة جديدة من الصراع المسلح.
ويؤكد الدواخلي أن زيادة العمليات ستؤدي إلى ضغط كبير على المؤسسة الأمنية السورية التي ستواجه صعوبة في السيطرة على جغرافيات واسعة يصعب تغطيتها بالكامل، مرجحاً أن ينعكس ذلك في شكل إجراءات مشددة وإعادة انتشار للقوات، وأن هذه المؤسسة ستعوّل بدرجة كبيرة على دور التحالف الدولي في دعمها، بصفتها عضواً رسمياً فيه.
وفي هذا السياق، يوضح أن المؤسسة الأمنية السورية ستواجه جملة من التحديات في ردع “داعش”، في مقدمتها التوترات الطائفية والعشائرية التي يعمل التنظيم على إثارتها لزعزعة استقرار السلطات المحلية وخلق بيئة حاضنة له في المناطق المهمشة، مشيراً إلى أن تشتت جهود مكافحة الإرهاب وغياب التنسيق الكامل بين القوى الفاعلة على الأرض يشكلان مدخلاً لثغرات يستغلها التنظيم لإعادة تنظيم صفوفه، فضلاً عن استهدافه المتكرر لقوافل الإمداد وصهاريج الوقود والمواقع العسكرية المعزولة في عمق الصحراء.
ويضيف الدواخلي أن التنظيم بدأ فعلياً خلال عام 2026 نقل بعض عملياته من المخابئ الصحراوية إلى “خلايا حضرية” داخل المدن الكبرى مثل حلب وحماة ودمشق، مستغلاً انشغال الدولة بملفات إعادة البناء والملفات الداخلية.
وفي المقابل، يشير إلى ضرورة أن تتبع الحكومة السورية في عام 2026 استراتيجية “المواجهة مزدوجة المسار” التي تجمع بين العمليات العسكرية الميدانية والجهد الاستخباراتي، مدعومة بتعاون دولي متزايد لضبط نشاط تنظيم “داعش” في البادية.
وأواخر شباط/ فبراير 2026 شهدت معظم الأراضي السورية تصعيداً أمنياً وعسكرياً غير مسبوق من قبل تنظيم “داعش”، ويأتي ذلك بعد سنوات من إعلان هزيمته الجغرافية، إذ يطل التنظيم برأسه من جديد مستغلاً حالة التحول السياسي والأمني التي تعيشها البلاد.
وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع كلمة مسجلة للمتحدث باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، وصف فيها الحكومة السورية بأنها “حكومة مرتدة وملحدة ولا تختلف عن حكومة الأسد”، داعياً عناصر التنظيم إلى تكثيف العمليات ضد القوات الحكومية، ولم تقتصر هذه الدعوة على كونها تهديداً عابراً، بل أعقبها، وفق معطيات ميدانية، تحرك سريع على الأرض.
وخلال الأيام الأخيرة من شباط، شهدت مناطق شرق الفرات، ولا سيما في البادية السورية والرقة ودير الزور وتدمر، ما يقرب من 12 هجوماً مسلحاً، إضافة إلى ظهور بعض عناصر التنظيم في وضح النهار في مناطق متفرقة من تدمر ودير الزور والرقة، حيث أقدموا على رفع رايات التنظيم.










