تواجه المؤسسات الحكومية في سوريا تحدياً مركباً يتمثل في التعامل مع إرث إداري ثقيل تراكم على مدى عقود، حيث اتسمت مراحل سابقة بانتشار الفساد والمحسوبية وضعف معايير المساءلة، إذ انعكس ذلك في تضخم الملفات المتأخرة، وتفشي الممارسات غير القانونية، وتعقيد الإجراءات البيروقراطية، ما أضعف ثقة المواطنين بأداء الجهاز الحكومي وفاعليته.
ومع دخول البلاد مرحلة إعادة البناء، بات إصلاح البنية المؤسسية أولوية ملحّة، في ظل إدراك متزايد بأن أي جهود للتعافي الاقتصادي أو الاستقرار الاجتماعي ستظل محدودة ما لم تُعالج جذور الخلل الإداري والمالي، وأن الممارسات السابقة لا تزال تلقي بظلالها على الأداء الحالي للمؤسسات، سواء من خلال شبكات المصالح المتجذرة، أو ضعف الكوادر، أو تراكم الأنظمة والإجراءات التي صُممت في بيئة تفتقر إلى الشفافية.
حزمة من الإجراءات
يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المقيم في بولندا حسام نجار إن معالجة إرث الفساد في المؤسسات الحكومية تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات العملية، في مقدمتها التحول الرقمي الشامل وتفعيل أدوات الحوكمة والرقابة الإدارية، بما يحدّ من التدخل البشري ويعزز مستويات الشفافية والمساءلة.
ويضيف نجار في حديث لـ”963+”، أن توسيع الاعتماد على التطبيقات الحكومية في إنجاز معاملات المواطنين يمكن أن يشكّل خطوة مفصلية في تقليص فرص الفساد، ولا سيما إذا ارتبطت هذه المنظومات بأنظمة تدقيق دقيقة.
ويشير، إلى أن تعزيز دور لجان المراقبة والتفتيش المركزي، ومتابعة أداء المسؤولين بشكل دوري، يسهم في ضبط الانحرافات الإدارية في مراحل مبكرة، مؤكداً أن حصر التعاملات المالية عبر القنوات المصرفية يمثل إجراءً مهماً للحد من الفساد المالي، وأن تشديد الرقابة على تضخم الأرصدة البنكية، وسنّ تشريعات واضحة تحت مبدأ “من أين لك هذا؟”، من شأنه أن يفعّل مساءلة أصحاب الثروات غير المبررة.
ويرى نجار أن الممارسات التي تراكمت خلال العقود الماضية تحولت إلى منظومة مترابطة داخل بعض المؤسسات، حيث نشأت شبكات مصالح تعمل بشكل متضامن، ولكل جهة ما يشبه “مفتاحاً” يصل إلى مستويات عليا داخلها، ويقول إن هذا الواقع جعل الفساد لدى بعض الأفراد سلوكاً راسخاً يصعب التخلي عنه بسبب العوائد المالية الكبيرة التي يحققها، محذراً من أن بعض المنتفعين قد يلجؤون إلى تعطيل المعاملات أو عرقلة سير العمل في حال تهديد مصالحهم.
ويؤكد نجار أن الفساد في الأنظمة الشمولية لا يكون دائماً نتيجة خلل عشوائي، بل يُستخدم أحياناً كأداة للسيطرة على الأفراد والمؤسسات، بحيث يتم توظيف ملفات الفساد للضغط أو الإقصاء عند الحاجة تحت عناوين مختلفة، أبرزها “مكافحة الفساد”، إضافة إلى ضرورة إصدار قوانين صارمة بعقوبات رادعة لكل فعل يضر بالمواطنين أو باقتصاد الدولة، مشدداً على أهمية تتبع مصادر ثروات المسؤولين السابقين الذين راكموا أصولاً وأموالاً كبيرة.
فساد موروث
تظهر آثار الفساد الموروث اليوم في بطء إنجاز المعاملات، وتباين جودة الخدمات بين مؤسسة وأخرى، إضافة إلى استمرار بعض أنماط السلوك الإداري التقليدي القائم على التعقيد بدلاً من التبسيط، كما أن تآكل الثقة العامة يشكّل تحدياً بحد ذاته، إذ إن استعادة ثقة المواطنين تتطلب وقتاً وإجراءات ملموسة تتجاوز الوعود والخطط النظرية.
ويقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشّمّاعي من بيروت إن الفساد الإداري المستشري في المؤسسات الحكومية في سوريا يؤثر سلباً على أدائها، ويعيق تنفيذ الخطط الحكومية أو البيان الوزاري الذي تعهدت به الحكومة أمام الشعب، مؤكداً أن الفساد اليوم يعرقل عجلة التنمية بشكل مباشر ويحدّ من قدرة المؤسسات على القيام بمهامها بكفاءة.
ويضيف الشّمّاعي في حديث لـ”963+”، أن الحكومة تحاول اليوم ملء الفراغات التي نتجت عن سنوات طويلة من التعطيل والمحسوبية، موضحاً أن الاعتماد السابق كان يقوم على سياسة التكليف لملء الشواغر بدلاً من التعيين بالأصالة، الأمر الذي أسهم في إضعاف البنية الإدارية وعرقلة عمل المؤسسات الحكومية، ولا سيما الوزارات.
ويشير إلى أن محاسبة المسؤولين عن الفساد تتطلب وجود نظام قضائي مستقل وقادر على الحكم بشفافية بحق جميع الذين شاركوا في المرحلة السابقة وتورطوا في ملفات وقضايا فساد، مؤكداً أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من عمل المؤسسات الحكومية في سوريا يحتاج بالدرجة الأولى إلى بناء منظومة قضائية فاعلة تستطيع مراقبة ومحاسبة المسؤولين، بما يعزز الثقة العامة ويمهد لإصلاح مؤسسي حقيقي.
حملة ضد الفساد
في شباط/ فبراير، كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا عن نتائج حملة مكافحة الفساد في المؤسسات الحكومية التي أطلقتها منذ صيف العام الماضي.
وذكرت الهيئة أن عشرات القضايا لا تزال قيد التحقيق، حيث يعمل فريق الهيئة على دراسة ملفات الفساد التي خلفها النظام المخلوع في مؤسسات الدولة، على أن يتم الإعلان عن النتائج بعد اكتمال التحقيقات واعتمادها رسمياً.
وبينت أنها تعمل على إعادة هيكلة المنظومة الرقابية لتعزيز كفاءة المؤسسات وتحقيق الشفافية والنزاهة بما يضمن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، أن جهود مكافحة الفساد انعكست بشكل مباشر على تصنيف سوريا في مستوى النزاهة والشفافية، حيث سجلت البلاد تقدماً بثلاث درجات في تقييم عام 2025 على مؤشر مدركات الفساد (CPI) الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وفق ما أفادت به صحيفة “الثورة السورية”.
وأضاف العلي أن الهيئة وضعت خطة تهدف إلى رفع تصنيف سوريا، تشمل الانضمام إلى الشبكات الدولية لمكافحة الفساد، واستكمال المصادقة على الاتفاقيات الدولية والعربية ذات الصلة، وبناء استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، ومواءمة التشريعات المحلية مع المعايير الدولية، فضلاً عن دعم استقلالية الأجهزة الرقابية وتعزيز فعاليتها، إلى جانب تعزيز سلطات إنفاذ القانون.
وأوضح أن هذه الخطوات ستسهم في تحسين ترتيب سوريا على مؤشر مدركات الفساد، بعدما كانت خلال العقدين الماضيين في ذيل القائمة، فيما أظهر تقييم عام 2025 تحسناً ملحوظاً وإن كان طفيفاً، حيث انتقلت البلاد من الدرجة 12 إلى الدرجة 15 في مستوى النزاهة والشفافية.
وأشار العلي إلى أن الهيئة نفذت أكثر من 840 جولة رقابية خلال النصف الثاني من عام 2025، وعالجت 1830 قضية، وأحالت 1620 ملفاً إلى القضاء، وحولت 174 موظفاً إلى المحكمة المسلكية، وعاقبت 3006 موظفين مسلكياً.
ونوه إلى وجود تحديات عديدة أمام جهود الهيئة، أبرزها قصور التشريعات ووجود ثغرات تسمح بمرور الفساد، إضافة إلى مقاومة بعض الجهات والمستفيدين السابقين لأي تغيير.
ولفت رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، إلى وجود معوّقات ثقافية واجتماعية ناتجة عن البيئة التي رسخها النظام، حيث كان الفساد يُنظر إليه كأمر طبيعي، وكانت مؤسسات الدولة تعاني من البيروقراطية، وضعف الكفاءات، وعدم ترشيد الموارد البشرية، إضافة إلى انخفاض دخل العاملين مما يدفع بعضهم للقيام بتجاوزات.










