مع دخول شهر رمضان، الذي اعتاد السوريون أن يستقبلوه بحركة شراء نشطة واستعدادات واسعة، تبدو الصورة هذا العام مختلفة في محافظة الحسكة، حيث يخيّم هدوء غير مألوف على الأسواق. فالممرات التي كانت تمتلئ بالمتسوقين قبل حلول الشهر تبدو أقل ازدحاماً، بينما يتحدث التجار عن تراجع واضح في المبيعات، في وقت يشير فيه السكان إلى ضغوط معيشية متزايدة دفعتهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم والاكتفاء بالضروريات.
ركود الأسواق
ويتذمر أصحاب محال حيث يصفون الإقبال الحالي بالأضعف منذ سنوات، موضحين أن الفترة التي تسبق رمضان كانت في السابق ذروة الموسم التجاري، إذ يعتمدون عليها لتعويض أشهر الركود خلال العام.
أما هذا الموسم، فيشيرون إلى أن ساعات العمل أصبحت أقصر بسبب قلة الزبائن، وأن الطلب على السلع الموسمية، خاصة التمور والمكسرات، انخفض بشكل ملحوظ.
ويقدّر بعضهم أن حجم المبيعات لا يتجاوز ربع ما كان عليه في العام الماضي، وهو ما يضع كثيراً من المحال الصغيرة أمام تحديات الاستمرار.
ويربط تجار ومواطنون هذا التراجع بعدة عوامل متداخلة، أبرزها الإجراءات الأمنية والتوترات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية.
ويؤكد سكان من الأرياف أنهم أصبحوا يترددون في التوجه إلى المدينة للتسوق معتمدين على أسواق قريبة داخل مناطقهم رغم ارتفاع أسعارها. هذا الواقع غيّر نمط التسوق لدى كثيرين، فلم تعد الرحلات إلى السوق المركزي خياراً سهلاً كما كانت في السابق.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل النقل بوصفه أحد الأسباب المباشرة لارتفاع الأسعار. فبحسب تجار جملة، اضطرت الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية إلى سلوك طرق أطول خلال الأسابيع الماضية نتيجة إغلاق بعض الطرق أو صعوبات المرور، ما زاد تكاليف الشحن.
غلاء الأسعار
وهذه الزيادة انعكست بدورها على الأسعار في المحال، إذ اضطر التجار إلى رفعها لتغطية التكاليف الإضافية، خصوصاً للمواد القادمة من محافظات أخرى أو المستوردة، وهو ما زاد العبء على المستهلكين.
كما لعبت مسألة السيولة النقدية دوراً مهماً في تباطؤ الأسواق. فعدد من الموظفين والعاملين يؤكدون أن تأخر الرواتب وتوقف بعض المؤسسات خلال فترات سابقة أثّرا على قدرتهم الشرائية، ما دفعهم إلى تقليص مشترياتهم إلى الحد الأدنى والتركيز على المواد الأساسية فقط، بعد أن كان شراء مؤونة رمضان دفعة واحدة عادة سنوية. هذا التحول انعكس مباشرة على حركة الأسواق، حيث انخفض الطلب العام وتراجعت وتيرة البيع.
وعلى مستوى البلاد عموماً، تشير مؤشرات الأسعار إلى موجة ارتفاع واسعة في المواد الغذائية. فقد بلغ سعر كيلو شرحات الفروج نحو 63 ألف ليرة سورية، فيما تراوح سعر لحم الغنم الهبرة بين نحو 150 ألفاً و200 ألف ليرة، وسجلت الزيوت أسعاراً بين 23 ألفاً و75 ألف ليرة بحسب النوع.
كما ارتفعت أسعار التمور والفواكه المجففة بشكل لافت، إذ وصل سعر كيلو تمر المجدول إلى 90 ألف ليرة، والعجوة إلى 60 ألفاً، بينما بلغ سعر كيلو الزبيب نحو 125 ألف ليرة، ما يعكس اتساع الفجوة بين الدخل ومستوى الأسعار.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الرقابة التموينية تكثفت خلال رمضان، مشيرة إلى مضاعفة الجولات التفتيشية وتسيير فرق مراقبة تعمل بشكل متواصل لرصد الأسعار وتنظيم المخالفات، إضافة إلى ضبط حالات احتكار قبل بداية الشهر، وإطلاق أسواق موسمية مخفّضة الأسعار في بعض المحافظات بهدف تخفيف الأعباء.
غير أن كثيراً من الأهالي يقولون إن هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بصورة واضحة على الأسعار، التي ما تزال تتغير بشكل شبه يومي.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن الحسكة تعد من أكثر المناطق تأثراً بالظروف الراهنة، بسبب تداخل عوامل عدة في وقت واحد، من بينها حساسية الوضع الأمني، واعتماد الأسواق على السلع الواردة من خارج المحافظة، إلى جانب محدودية مصادر الدخل المحلية.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا المزيج يجعل السوق أكثر هشاشة أمام أي تغيرات، بحيث ينعكس أي ارتفاع في التكاليف مباشرة على الأسعار.
وفي ظل هذه المعطيات، يدخل سكان الحسكة رمضان هذا العام بحذر واضح، حيث تراجعت مظاهر الاستعداد المعتادة، لتحل محلها حسابات دقيقة للإنفاق ومحاولات لتأمين الأساسيات فقط.
وبين محال تنتظر زبائنها ومستهلكين يحاولون التكيف مع الغلاء، تبدو الأسواق صورة صادقة عن الواقع المعيشي، فيما يترقب الأهالي تحسن الظروف الاقتصادية والأمنية بوصفه الطريق الأقرب لعودة النشاط الطبيعي إلى الحياة التجارية.










