بروكسل
قالت صحيفة “ذا ناشيونال“، اليوم الثلاثاء، إن تحقيق الاستقرار في سوريا على المدى الطويل يتطلب تعاوناً أوروبياً أوسع، ولا سيما عبر إعادة رعايا دول الاتحاد الأوروبي المحتجزين في المخيمات والسجون داخل سوريا على خلفية انضمامهم لتنظيم “داعش”.
وأوضحت الصحيفة أن الروابط التاريخية والقرب الجغرافي والمصالح السياسية تجعل من أوروبا شريكاً طبيعياً لسوريا في مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن الاتحاد الأوروبي، رغم إعادة ضبط علاقاته مع القيادة الجديدة في دمشق عقب سقوط النظام، لا يزال يواجه صعوبات في تحويل هذا التقارب إلى تعاون اقتصادي فعلي.
وبحسب “ذا ناشيونال”، فإن التهديدات الأمنية المتعددة داخل سوريا تمثل العقبة الأكبر أمام الشركات الأوروبية الراغبة في الاستثمار هناك، مشيرة إلى أن مواجهة هذه التهديدات تصب في مصلحة الطرفين، لكنها تتطلب من بروكسل مراجعة سياساتها، وفي مقدمتها ملف المقاتلين الأجانب المحتجزين في سوريا.
وذكرت الصحيفة أن الاتحاد الأوروبي كان من أوائل الجهات التي بدأت برفع العقوبات عن سوريا بعد سقوط النظام، كما تحرّك لإحياء اتفاق تعاون مع دمشق يتيح الوصول إلى الأسواق الأوروبية، وتعهد بإنشاء “مركز دعم تقني” في العاصمة السورية لتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة.
وأضافت، أن وفداً أوروبياً رفيع المستوى زار دمشق الشهر الماضي، برئاسة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، حيث شددا على أن إعادة إعمار سوريا تمثل عنصراً أساسياً في استقرار أوروبا، مع التزام بتقديم أكثر من 722 مليون دولار للفترة بين عامي 2026 و2027، ودعم تنظيم العودة الآمنة والطوعية لملايين اللاجئين السوريين.
وبيّنت الصحيفة، أن هذا الزخم بدأ يتراجع نتيجة مخاوف أمنية ومواقف أوروبية وصفتها بـ”المفرطة في الحذر”، موضحة أن اشتباكات وقعت مؤخراً بين الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) في شمال شرقي البلاد دفعت مصارف ألمانية إلى إلغاء زيارة كانت مقررة إلى دمشق، ما أعاق جهود إعادة دمج النظام المالي السوري عالمياً.
كما أشارت إلى أن شركة إيطالية فازت بعقد لإدارة أحد الموانئ السورية، لكنها فضّلت إدارته عن بُعد خشية المخاطر، في وقت بدأت فيه شركات إقليمية بالاستحواذ على فرص استثمارية في مطار دمشق ومرفأ طرطوس وقطاع الطاقة، ما أبقى أوروبا خارج دائرة المنافسة.
وحملت “ذا ناشيونال” جانباً من هذا التردد إلى استمرار تهديد تنظيم “داعش”، معتبرة أن رفض الدول الأوروبية إعادة مواطنيها المنضمين سابقاً للتنظيم والمحتجزين في سوريا يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
ولفتت إلى أن عدداً من دول الاتحاد تشارك في التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، إلا أن مواقفها الرافضة لإعادة رعاياها تعود لأسباب قانونية وسياسية داخلية، من بينها صعوبة الملاحقة القضائية وغياب تشريعات واضحة في بعض الدول، إلى جانب مخاوف من ردود فعل سياسية داخلية.
ونقلت الصحيفة عن خبراء قولهم إن إعادة هؤلاء ومحاكمتهم في بلدانهم تتيح مراقبتهم بشكل أفضل، وتحدّ من مخاطر الهروب أو إعادة التطرف داخل المخيمات المكتظة في سوريا.
ورأت “ذا ناشيونال” أن استمرار تهديد “داعش” لأمن سوريا يحمل تداعيات عالمية، داعية القادة الأوروبيين إلى تحمّل مسؤولياتهم الدولية، بما يخدم أمن سوريا ومصالح أوروبا في آن واحد.
وأواخر كانون الثاني/ يناير الماضي، حذّرت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة من خطورة أي فراغ أمني محتمل في شمال سوريا، معتبرةً أن مثل هذا السيناريو قد يوفّر فرصة لتنظيم “داعش” لإعادة تنشيط خلاياه واستعادة حضوره، وذلك على خلفية التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة في المنطقة.
وجاء هذا التحذير في ظل تصاعد المخاوف الدولية بشأن مستقبل الوضع الأمني في شمال وشرق سوريا، ولا سيما في المناطق التي تضم مخيمات وسجوناً تؤوي آلافاً من عناصر تنظيم “داعش” وعائلاتهم، ما يجعلها بؤراً حساسة قابلة للاختراق في حال تراجع مستوى السيطرة الأمنية، وفق ما أورده موقع “يورو نيوز”.
وقال الموقع إن ممثلين عن فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة عقدوا اجتماعاً مشتركاً، خُصص لبحث مستقبل المشهد الأمني في شمال شرق سوريا، وذلك بالتزامن مع تمديد وقف إطلاق النار بين الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية، وسط تحذيرات من هشاشة ميدانية قد تفضي إلى تداعيات خطيرة.
وخلص المجتمعون إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ الصارم على الإجراءات الأمنية، خصوصاً في محيط مراكز احتجاز عناصر تنظيم “داعش”، مع التشديد على أهمية منع أي خلل أمني قد يفتح الباب أمام عمليات هروب أو إعادة تنظيم صفوف التنظيم المتشدد.
وبحسب بيان مشترك صدر عقب الاجتماع، شدد وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا، جان نويل بارو وإيفيت كوبر، إلى جانب نائبة وزير الخارجية الألماني سراب غولر، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، على أن مكافحة تنظيم “داعش” ما تزال تشكل أولوية مشتركة، وتتطلب استمرار التنسيق والعمل الجماعي في إطار التحالف الدولي.










