في زمن تتسارع فيه الصورة وتختصر الحياة في ثوانٍ، يختار بعض الأشخاص أن يروي الحكاية كاملة، بكل تفاصيلها الخفية قبل لقطاتها الجميلة. أحمد منصور، صانع محتوى سوري من ريف جبلة بمحافظة اللاذقية، لم يجعل من الكاميرا هدفاً بحدّ ذاتها، بل نافذة تطل على تجربة إنسانية استثنائية، تجمع بين الرحمة والمسؤولية، وبين التحدي والالتزام.
في منزله الواقع بقرية الدالة، تتعايش الحيوانات الأليفة والمفترسة معاً في مساحة واحدة. هنا، يقدم منصور محتوى يختلف عن المعتاد على وسائل التواصل الاجتماعي، محتوى لا يقوم على الاستعراض أو الإثارة، بل على الفهم والوعي، وإعادة النظر في الصور النمطية عن الحيوانات، مع التركيز على الإنقاذ والرعاية.
الحياة خلف الكاميرا
ما يظهر على الشاشة مجرد جزء صغير من الحياة اليومية لمنصور. اللقطات التي لا تتجاوز دقيقة واحدة غالباً ما تكون نتيجة ساعات طويلة من العمل والتصوير، والتعب، والمصاريف المادية المستمرة، والاهتمام الدائم. يصف منصور حياته لـ”963+” بأنها مرهونة بهذه المخلوقات، مؤكّداً أن المشاهد الجميلة لا تكشف عن المعاناة الخفية خلف الكاميرا، معتبراً هذه المعاناة تحديًا وإنجازًا في الوقت ذاته.
حتى على المستوى الشخصي، كان للمحتوى أثر إيجابي على حياته. من خلاله تعرف على أشخاص يشاركونه حب الحيوانات، ما جعله يقدّر قيمة التواصل الإنساني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن الشهرة أو الربح.
ويقول: “حب الناس وتفاعلهم أمر لا يُعوّض، والحمد لله أن الله زرع فيّ القبول عند الناس، وهي من أجمل النِعم”.
وعن الانتقادات، يؤكد منصور أن سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي في تجربته تكاد لا تُذكر مقارنة بالإيجابيات. تعليق سلبي واحد مقابل مئات التعليقات الداعمة لا يؤثر فيه إطلاقًا، وهو يركز دائمًا على الحب والدعم الذي يتلقاه من المتابعين.
مسؤولية ورعاية الحيوانات
من الناحية الأخلاقية، يوضح منصور أن الحيوانات التي يربيها ليست مجرد أداة استعراض، بل حالات استثنائية غالباً ما تكون منقذة: فرخ بلا أم، أو حيوان مصاب، أو حالة يوشك فيها الموت على الحدوث. في هذه الظروف، يوفر لها بيئة أقرب ما تكون إلى الطبيعة، مع إدراك أنه لا يمكن تعويض البرية بشكل كامل.
التجربة لم تخلو من الصعوبات، وأصعب لحظاته كانت فقدان الغزال “فالو”، ما دفعه للتوقف والتفكير في حدود التعلّق، ودخوله حالة اكتئاب استمرت أسبوعًا. هذه الجوانب المظلمة، بحسب منصور، جزء لا يتجزأ من الرحلة، وتعكس تحديات الالتزام بالحياة الواقعية لكل مخلوق تحت رعايته.
في البداية، واجه منصور استهجاناً وانتقادات من المجتمع، إذ كان يصف ما يفعله البعض بالجنون. لكنه تحدى نفسه أولاً، ثم حاول نقل معرفته وإحساسه بالمسؤولية تجاه الحيوانات، ومع مرور الوقت تغيّرت نظرة الناس، وتحولت من الاستهجان إلى القبول والتقدير، بل بدأ بعضهم يعيد التفكير في طريقة تعامله مع الحيوانات.
تعلم من الطبيعة
تربية الحيوانات أكسبت منصور معرفة دقيقة بسلوكياتها، وكشفت له مدى خطأ الصور النمطية عنها. اكتشف من خلال المعايشة سلوكيات لم يكن يعرفها، مثل دورة نمو قرون الغزال السنوية، ومعرفة التفاصيل الدقيقة التي لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال التجربة المباشرة. كما اكتسب خبرة أولية في الطب البيطري، وفهمًا أعمق لاحتياجات كل حيوان.
رغم ذلك، يبقى منصور حذراً من التقليد غير الواعي، إذ قد يلحق الضرر بالحيوانات عند محاولات الاستنساخ من قبل أشخاص يفتقرون للخبرة. يؤكد أن رسالته ليست تشجيع التقليد، بل نشر المسؤولية والوعي.
العلاقة اليومية والطاقة الإيجابية
العلاقة بين منصور والحيوانات تمنحه طاقة إيجابية هائلة. منذ استيقاظه، يبتسم لرؤية قطة أو حيوان آخر ينتظر طعامه. الحيوانات التي يربيها منذ صغرها تتعايش بسلام مع بعضها، ولا يحدث أي أذى ما دامت متربّية بشكل صحيح وتشعر بالأمان، وهو المصدر الأساسي لهذا الأمان.
ويصف منصور التجربة بأنها أكسبته الصبر والرحمة، وعلمته تفاصيل إنسانية يومية، مثل الاهتمام، التفهم، وحماية الكائنات الأصغر. يقول: “أشعر بأنني محظوظ، وأحمد الله الذي وضع فيّ هذه الرحمة، وجعلني سببًا ولو بسيطًا في إنقاذ بعض الأرواح”.
وبدأت الرحلة مع طيور صغيرة وجدها في البرية دون أم، فبدأ برعايتها، ومن هناك نشأت قصته مع الحيوانات. اليوم يمتلك نحو 40 حيوانًا، تشمل مفترسات مثل الجقل والثعلب، وطيور جارحة، وغزلان، وطيور أليفة، وسنجاب وطاووس، موزعة بعناية لضمان التعايش السلمي.
لم يكن الهدف المادي حاضراً في البداية، بل السعي وراء الاستمرار في الرعاية. منصور يسعى للتعاون مع منظمات حماية الحيوان لتوفير مردود بسيط لدعم مصاريف الرعاية، مع التأكيد أن الهدف ليس الربح بل الاستمرارية دون المساس بحق أي كائن.
المحتوى نفسه.. والحياة مصدره
بالنسبة لمنصور، لا يوجد فيديو يقترب أكثر من قلبه من حياته اليومية نفسها. كل لحظة، كل روتين، كل تفاعل مع الحيوانات هو محتوى قائم بذاته. ومع ذلك، يخطط لتوسيع المشروع بهدف إنشاء ملجأ حقيقي للحيوانات المحتاجة، بعيدًا عن الاستعراض، مع تركيز كامل على حماية الأرواح وتقديم الرعاية بشكل مستدام.
لم يكن التصوير جزءاً من خططه في البداية، لكنه بدأ قبل نحو عشرين عامًا بتوثيق يومياته، ومع انتشار الفيديوهات القصيرة، لاقت مقاطعه تفاعلاً واسعاً من الجمهور، ما دفعه للاستمرار بدافع الحب والتشجيع فقط، بعيدًا عن أي هدف مادي.
وفي النهاية، يؤكد منصور أن هذه التجربة منحت حياته معنى أعمق، وراحة نفسية، وجعلت من يومياته رحلة مستمرة في التعلم، المسؤولية، والرحمة، لتتحول حياته ومحتواه إلى حكاية كاملة عن التعايش والعطاء والإنسانية.










