في مرحلة انتقالية يُفترض أن تشكّل بوابة لإصلاح مؤسسات الدولة، يعود ملف التعيينات في المؤسسات والدوائر الحكومية السورية إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل. فبينما يطالب مواطنون وموظفون بأن تكون الكفاءة والخبرة أساساً لإعادة بناء الجهاز الإداري، تشير شهادات متعددة إلى أن المحسوبيات و”التزكية” باتا معياراً فعلياً في شغل الوظائف، ما يهدد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى إعادة إنتاج لخلل قديم بأدوات جديدة.
يرى سكان أن الكفاءة هي الطريق الوحيد لإنجاح البلد في هذه المرحلة الحرجة، حيث يُفترض أن تُصلح فيها المؤسسات، ويُعالج الخلل الإداري والفساد المتراكم. ويؤكد هؤلاء أن بناء دولة ومؤسسات لا يمكن أن يتم عبر العلاقات الشخصية أو التزكيات، بل من خلال معايير واضحة تقوم على الجدارة والاستحقاق.
وتعكس هذه الآراء نقاشاً متصاعداً في الشارع المحلي، ولا سيما في المحافظات التي أنهكتها سنوات طويلة من المعاناة، حيث تُطرح تساؤلات حول معايير التعيين، وحدود العدالة الوظيفية، وتأثير ذلك على مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة. فبالنسبة لكثيرين، لم يعد الأمر متعلقاً بوظيفة أو منصب، بل بمستقبل الإدارة العامة وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.
اقرأ أيضاً: الأرقام الصادمة: حين تُدفع فاتورة الكهرباء السورية من موائد الطعام
“التزكية” من إجراء مؤقت إلى مدخل جديد للفساد
بحسب شهادات موظفين في القطاع العام فإن اعتماد “التزكية” في بدايات المرحلة الانتقالية جرى تبريره على أنه إجراء مؤقت يهدف إلى منع عودة شخصيات متورطة بالفساد أو بانتهاكات سابقة إلى مواقع القرار. غير أن هذا الخيار، الذي قُدّم بوصفه استثنائياً، سرعان ما انحرف عن غايته الأساسية.
ويوضح موظفون أن التزكية تحولت تدريجياً إلى مدخل جديد للفساد، حيث بات بإمكان أي شخص يمتلك علاقات داخل دوائر القرار فرض أسماء معينة دون النظر إلى الخبرة أو الكفاءة، وأحيانًا من دون تدقيق جدي في السجل الوظيفي أو السابق لمن يتم تزكيتهم.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا الواقع أتاح في بعض الحالات تعيين أشخاص غير مؤهلين، بل وحتى عودة شخصيات كانت لها ارتباطات سابقة بالنظام.
المحسوبيات تتقدم على الكفاءة
يعكس رأي العديد من السوريين مزاجاً عاماً متصاعداً من القلق حيال آليات التعيين داخل المؤسسات الحكومية، إذ يرى كثيرون أن المحسوبيات والعلاقات الشخصية باتت العامل الأبرز المتحكم بعملية التوظيف.
ويعتبر آخرون أن الولاءات السياسية أو الفصائلية تلعب دوراً حاسماً في اختيار شاغلي المناصب، مقابل حضور محدود لمعياري الكفاءة والخبرة.
ويشير متابعون إلى أن هذه الممارسات كرّست انطباعاً سائداً بأن الاعتبارات غير المهنية أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء، فيما جرى دفع الكفاءة إلى مرتبة ثانوية لا تأثير فعلياً لها في اتخاذ القرار.
ويؤكد سوريون أن معايير التعيين اليوم تنحصر غالباً بين المحسوبيات الشخصية أو المحاصصة السياسية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأداء الإداري داخل المؤسسات.
ويحذّر آخرون من أن استمرار هذا النهج لا يهدد كفاءة العمل الحكومي فحسب، بل قد يفتح الباب أمام توترات اجتماعية أوسع نتيجة الشعور بالظلم وغياب تكافؤ الفرص، ما يراكم حالة من الاحتقان في مجتمع لا يزال هشاً بعد سنوات طويلة من الانقسام والمعاناة.
اقرأ أيضاً: “نعمل فقط كي نأكل”: البطالة والأجور تدفع شباب سوريا نحو طرق التهريب
المنشقون والمفصولون.. ملفات عالقة
إلى جانب ذلك، يبرز ملف المنشقين والمفصولين من وظائفهم خلال سنوات الثورة، ولا سيما العاملين السابقين في وزارة الداخلية، بوصفه أحد أكثر الملفات إشكالية. فهؤلاء، بحسب شهادات متطابقة، ما يزالون حتى اليوم بانتظار البت في أوضاعهم الوظيفية من دون قرارات واضحة، رغم امتلاكهم خبرات طويلة في العمل الإداري.
ويقول كمال وهو موظف سابق في دائرة الهجرة والجوازات في تصريحات لـ”963+”: إن المفصولين والمنشقين لا يزالون ينتظرون قرار “النظر بأمرهم”، في وقت جرى فيه شغل مواقعهم الوظيفية بأشخاص آخرين.
ويضيف: “نحن نمتلك الخبرة في التعامل مع الملفات والأضابير والمعاملات، لكننا ما زلنا بلا عمل، بينما يشغل أماكننا اليوم أشخاص قادمون من الشمال السوري، بعضهم غير مؤهل لهذا العمل، وتم تعيينهم فقط بناءً على تزكية من قادة فصائل”.
ويشير كمال إلى أن هذا الواقع يعمّق الشعور بالظلم، ويطرح تساؤلات جدية حول أولويات العدالة الوظيفية، خاصة تجاه فئة دفعت ثمن مواقفها سابقًا، لكنها تجد نفسها اليوم خارج مؤسسات الدولة.
تفاوت الرواتب.. انعكاس لاختلال التعيين
لا ينفصل الجدل حول التعيينات عن ملف تفاوت الرواتب داخل المؤسسات الحكومية، إذ اشتكى موظفون من وجود فروقات كبيرة في الأجور بين موظفين يعملون في الدائرة نفسها ويؤدون المهام ذاتها، لكنهم يتقاضون رواتب متفاوتة بشكل لافت.
ويرى مراقبون أن هذا التفاوت يُعد امتداداً مباشراً لاختلال معايير التعيين، حيث تتحول الرواتب إلى امتياز مرتبط بطريقة الوصول إلى الوظيفة لا بالكفاءة أو سنوات الخدمة، ما يضرب العدالة الوظيفية ويقوّض الاستقرار داخل بيئة العمل.
وفي سياق متصل وجّه السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي انتقادات حادة للسياسات الإدارية والديبلوماسية المتبعة في سوريا الجديدة، محذراً من أن استمرار تهميش الخبراء وتعيين غير المؤهلين سيقود إلى فشل الدولة. جاء ذلك في تقرير نشره على موقع “مصدر” الإخباري بعنوان “ما هكذا تُبنى الدول“.
وانتقد العمادي: الأداء الديبلوماسي لوزارة الخارجية، مستشهداً بزيارتي الرئيس الشرع الأخيرتين إلى روسيا وفرنسا، معتبراً أن غياب الوفود التحضيرية المتخصصة أدى إلى أخطاء بروتوكولية واضحة، وواصفاً زيارة فرنسا بأنها “خطيئة لا تُغتفر”، خاصة بعد اعتبارها بمثابة “استدعاء” لفرض شروط.
وأكد العمادي أن وزارة الخارجية جرى تهميشها عبر وضع مستشارين ومدراء غير مختصين فوق دبلوماسيين مهنيين، واصفًا ذلك بسياسة “تعيين الشيوخ فوق المهنيين”، التي تتناقض مع الممارسات العالمية القائمة على تكريم الخبرات.
وحذر من أن تجاهل المعرفة والكفاءة في إدارة مؤسسات الدولة سيؤدي إلى فشل السلطة الجديدة، ويدفع السوريون ثمن ذلك فقرًا وقرارات عشوائية.
اقرأ أيضاً: أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة – 963+
الإعلام لا يحتمل التجريب
يقول الصحفي أحمد المذيب خريج كلية الصحافة والإعلام من جامعة دمشق في تصريحات لـ”963+” إن المبدأ الذي يجب أن يحكم التعيينات في المؤسسات الإعلامية هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب مؤكداً أنه لا يمكن القبول بتعيين شخص غير مختص وزيراً للإعلام أو مسؤولاً في موقع حساس دون امتلاكه شهادة أو اختصاص أو خبرة حقيقية في المجال.
ويضيف المذيب أن المطلوب بالدرجة الأولى أن يكون المسؤول الإعلامي حاصلاً على شهادة في الإعلام، أو على الأقل مختصاً ويمتلك خبرة عملية لأن الإعلام مهنة دقيقة ولا تحتمل التجريب أو المجاملات مشدداً على أن الكفاءة والخبرة هما الأساس الذي لا يمكن القفز فوقه.
وحول مسألة التزكية، يوضح المذيب أن هذا المبدأ موجود ومكرّس ولا يمكن إنكاره، وربما سيبقى حاضراً في هذه المرحلة الانتقالية، لكن الخطأ يكمن في استخدامه كأداة إقصاء وتهميش بدل توجيهه وضبطه ليكون أداة إيجابية داعمة للكفاءات لا بديلًا عنها. مؤكداً أنه لا يدعو إلى وضع أشخاص غير مناسبين في مواقع حساسة لمجرد أنهم مزكّون.
ويشير إلى أن أي تعيين لا يراعي الخبرة والاختصاص محكوم عليه بالفشل، موضحاً أنه لا يمكن في المرحلة الحالية تعيين شخص كان وزيراً للإعلام في عهد النظام السابق أو داعماً له في موقع رسمي جديد لأن المجتمع سيرفضه وسيتم استحضار مواقفه وتصريحاته السابقة.
ويضيف المذيب: “سوريا ما زالت تعيش مرحلة ثورية لها خصوصيتها، ولا يمكن تجاوز هذه الحقيقة”، معتبراً أن المرحلة القادمة قد تشهد تحولاً نحو اعتماد الكفاءة وحدها بعد استقرار الدولة، لكن في الوقت الراهن لا بد من توفر خلفية وطنية معارضة للنظام السابق أو موقف واضح غير متورط معه.
وعن تجربته الشخصية يقول المذيب: إنه طوال سنوات الثورة لم يتقدم لأي وظيفة رسمية في مجال الإعلام، لأنه كان يعلم أن الاختيار يتم لصالح المقربين من النظام المخلوع، بينما كان محسوباً على الحراك الثوري في درعا، مشيراً إلى أن شهادته بقيت معلقة على الجدار لمدة ستة عشر عاماً دون أن يعمل بها ضمن إطار مؤسساتي رسمي واقتصر عمله على النشاط الإعلامي الثوري فقط.
ويختم المذيب بالقول: إنه بعد سقوط النظام كان يتوقع فتح مساحة حقيقية أمام الكفاءات، وأن يصبح المؤهل والخبرة معياراً للتوظيف، إلا أن الواقع كان مخيباً للآمال، حيث تقدم عبر روابط متعددة للتوظيف دون أن يتلقى رداً، في حين جرى اختيار أشخاص غير مختصين.
ويعتبر أن هذا الواقع يوحي بأن التعيينات لا تقوم على الكفاءة بقدر ما تقوم على العلاقات، وهو ما يتناقض مع فكرة بناء مؤسسات مهنية حقيقية في مرحلة يُفترض أنها مرحلة إصلاح.










