في المسافة بين الحاجة والجرأة، وُلدت السوق الإلكترونية السورية، حيث تتقاطع الرغبة في الشراء بسعر أقل مع غياب الأمان القانوني، يتجول المستهلك يومياً بين الصفحات، يبحث عن صفقة “مغرية” ربما تتحول في لحظة إلى خسارة كاملة، وهكذا تغيّرت عادات السوريين في الشراء خلال سنوات قليلة، فالمحال الواقعية تراجعت أمام زحف المحال الافتراضية، والبيع عبر الشاشة أصبح القاعدة لا الاستثناء، لكن خلف هذه الشاشة تختبئ سوقٌ أكبر من القانون وأسرع من الرقابة، إنه الاقتصاد الرقمي الذي ينمو بلا خريطة واضحة، فقد يربح فيه البعض كثيراً ويخسر آخرون كل شيء.
صفحات تفتح كل صباح ومتاجر رقمية تولد كل ساعة، تبيع كل شيء من الإبرة إلى الهاتف، ومن الهوية الافتراضية إلى آخر صيحات الموضة، خلف شاشة الهاتف، تنهض سوق ضخمة بلا بوابات ولا حراس، تفتح شهية السوري المرهق بأسعار مغرية، وتتركه في اللحظة التالية وجهًا لوجه مع المجهول.
هنا، في قلب “الإنترنت السوري”، صار البائع مجهولاً، والمستهلك وحده في مواجهة الخطر، رسالة على “واتساب” تكفي لإتمام صفقة، وصورة منقولة من “غوغل” قد تُغري بشراء منتج لا وجود له، أما القانون، فيطلّ من بعيد متعباً ومتأخراً، لا يملك سرعة تلك الصفحات التي تتكاثر كالفطر في فضاء لا سقف له، وبينما تتسع رقعة السوق الإلكترونية بلا ضفاف، يبقى السؤال معلّقاً فوق كل شاشة: من يحمي المشتري في عالم بلا عنوان؟ وهل ستتمكن الجهات التشريعية والرقابية من اللحاق بهذا التحول قبل أن يتحول إلى فوضى رقمية كاملة؟ أم أن التجارة الإلكترونية في سوريا ماضية لتصبح سوقاً موازية لا تحكمها إلا الثقة الفردية ومبدأ “جرب حظك”؟
بين توسّع المنصات الإلكترونية وتباطؤ التشريعات
في الوقت الذي تتسابق فيه الأسواق حول العالم إلى الرقمنة والبيع عبر الإنترنت، يعيش المستهلك السوري تجربة مختلفة من انفتاح إلكتروني سريع لا تقابله سرعة في الضوابط أو القوانين، لتتشكل أمامه سوق رقمية واسعة، مجهولة الملامح أحياناً، تَعِدهُ بسلعة أرخص لكنها قد تسلبه حقه عند أول خلاف، هكذا يرى خبير التسويق الالكتروني رأفت العثمان السوق الالكتروني السوري.
ويضيف في تصريحات لـ”963+” أن هذه الظاهرة تعكس معادلة دقيقة وهي سوق تتطور بمرونة تفوق قدرة المؤسسات الحكومية، ومستهلك يبحث عن السعر الأدنى في ظل ضعف الدخل، فيما تقع الرقابة الحكومية بين مطرقة التكنولوجيا وسندان الإمكانيات المحدودة.
ويبين العبدالله أبرز مشاكل السوق الإلكتروني السوري هو الدفع المسبق حيث 90% من المعاملات تتم بدفع مسبق عبر التحويل البنكي أو “كاش أون ديلفيري” مع غياب الفواتير الرسمية، فمعظم البائعين لا يقدمون فواتير معتمدة، إضافة إلى عدم وجود ضمانات، فالمنتجات المباعة إلكترونياً نادراً ما تكون مغطاة بضمان، وكذلك صعوبة التتبع، فالعديد من الصفحات تستخدم أسماء وهمية، وخاصة أن كثيراً من الباعة عبر الإنترنت ليس لديهم سجل تجاري أو متجر ثابت أو مكان محدد.
ويتابع: لهذا نجد بعضهم يرفض تبديل السلعة أو إرجاعها، إضافة إلى أن أغلبهم يروِّج لمنتجاته دون تسعير واضح بل يتوج منشوراته الترويجية بعبارة (السعر على الخاص) ما يعني أنه يبيع حسب مزاجيته بأسعار متفاوتة تختلف من زبون لآخر، وفي كثير من الحالات، لا يعرف المستهلك سوى اسم صفحة وصورة منتج، بينما تغيب المعلومات الأساسية مثل مصدر البضاعة وشروط الاستبدال والضمان وحتى هوية البائع، فتحدث الإشكالية من منتج لا يطابق الصورة، وسعر يختلف عند التسليم، وبضاعة معيبة دون إمكانية الإرجاع، واختفاء البائع بعد التحويل أو الدفع المسبق.
ورغم ذلك يرى العبدالله أن هذه السوق تستمر في التوسع، مستفيدة من ضعف الرقابة الميدانية وصعوبة ضبط الفضاء الرقمي، حيث لم تعد “الأسواق الإلكترونية” في سوريا مجرّد صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أو مبادرات فردية لبيع منتجات من المنزل، بل تحولت إلى سوق موازية كاملة تنافس الأسواق التقليدية، وتتفوق عليها أحياناً بسهولة الوصول، وتنوع المعروض، وانخفاض التكاليف التشغيلية.
ماذا تقول الجهات الرسمية؟
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن آلاف الصفحات والحسابات على “فيسبوك” و”تلغرام” و”إنستغرام” تمارس البيع اليومي في سوريا، دون سجل تجاري، أو عنوان واضح، أو فاتورة نظامية، لكن مع هذا التوسع المتسارع، يبرز سؤال جوهري: من يضبط هذه الأسواق؟ ومن يحمي المستهلك الإلكتروني؟
في الإدارة العامة للتجارة الداخلية، التقت “963+” أحد المعنيين “فضل عدم ذكر اسمه” حيث أكد أن القوانين الحالية لا تستوعب خصوصية التجارة عبر الشبكة، موضحاً أن كثيراً من المعاملات الإلكترونية تُدار من خارج البلاد أو عبر وسطاء يصعب ضبطهم، وأن المشكلة بالنسبة للصفحات المحلية لا تكمن في غياب التشريع، بل في ضعف آليات التنفيذ، فمراقبة متجر تقليدي أسهل بكثير من مراقبة آلاف الصفحات الرقمية المتغيرة، والتي يمكن إغلاقها وفتح غيرها خلال دقائق، فالتجارة الإلكترونية تتحرك بسرعة الضوء، بينما تتحرك أدوات الرقابة بالسرعة التقليدية نفسها.
ويضيف: كثير من البائعين يستفيدون من غموض الصفة القانونية، وغياب نظام دفع إلكتروني رسمي، وضعف ثقافة الشكوى لدى المستهلك، والخوف من التعقيد الإداري، وهناك بائعون غير أخلاقيين، وهناك صفحات وهمية تمارس الاحتيال، وفي ظل هذا الواقع يبقى المستهلك السوري هو الطرف الأضعف، فحتى عند وقوع الضرر، لا يعرف كثيرون إلى أين يتقدمون بالشكوى؟ وهل تشملهم الحماية القانونية فعلاً؟ وهل يمكن إثبات عملية الشراء رقمياً؟ وهنا تتحول التجارة الإلكترونية من فرصة لتسهيل الحياة، إلى مخاطرة محسوبة أو غير محسوبة.
وأكد المصدر في الوقت نفسه أن التجارة الإلكترونية ليست خارج الرقابة، وأنها منظمة بموجب القرار رقم 917 لعام 2019 الخاص بالتجارة الإلكترونية والتعامل الإلكتروني، والمستند إلى القانون رقم 3 لعام 2014، والذي يفرض القرار شروطاً واضحة، أبرزها تسجيل النشاط التجاري والإفصاح عن هوية البائع والالتزام بالإعلان الحقيقي عن السعر والمواصفات وضمان حق المستهلك في الاستبدال أو الإرجاع وخضوع النشاط للرقابة التموينية.
لكن السؤال الذي يطرحه المستهلكون: إذا كانت القوانين موجودة، فلماذا لا يشعر بها أحد؟ وهنا يجيب المصدر أن تنظيم التجارة الإلكترونية لم يعد خياراً، بل ضرورة عبر تبسيط تسجيل المتاجر الإلكترونية، وإطلاق منصة رسمية أو سجل إلكتروني معتمد، وتفعيل الرقابة الرقمية لا الميدانية فقط، ونشر ثقافة الشكوى وحقوق المستهلك الإلكتروني، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين.
وقائع لا استثناءات
التقت “963+” عدداً من المستهلكين الذين خاضوا تجربة الشراء الإلكتروني، لتكشف شهاداتهم نمطاً متكرراً من التجاوزات، ورغم وجود مديريات لحماية المستهلك، إلا أن معظم المتضررين يؤكدون أنهم لم يلجؤوا لتقديم شكوى، إما لعدم معرفتهم بالإجراءات، أو لاعتقادهم المسبق بأن الشكوى “لن تعيد الحق”.
هذه الشهادات لا تمثل حالات فردية، بل تعكس نمطاً شبه يومي من الانتهاكات في سوق غير منظم.
فريال (35 عاماً من دمشق) تقول لـ”963+”: اشتريت غسالة عبر صفحة معروفة، السعر كان أقل من السوق بـ300 ألف ليرة، عند التسليم اكتشفت أنها مستعملة، حاولت التواصل معهم فحظروا رقمي واختفت الصفحة بعد أيام.
عبدالله (28 عاماً من ريف حلب) يروي تجربة مشابهة لـ”963+”: دفعت عربوناً لشراء هاتف محمول، وبعد التحويل طلبوا مني الانتظار يومين، بعدها أغلقوا الصفحة، لا فاتورة ولا اسم حقيقي ولا جهة أشتكي لديها.
أما ريم (42 عاماً من حمص) فتقول لـ”963+”: المنتج وصل مخالفاً تماماً للصورة، عندما طالبت بالاستبدال قالوا: هذا الموجود، إن لم يعجبك لا تطلبي مرة ثانية، كيف أشتكي على صفحة في فيسبوك؟ لا عنوان ولا اسم حقيقي، أشعر أن القانون لا يراني.
ومن وجهة نظر بعض التجار الإلكترونيين، فإن المشكلة لا تكمن في غياب الرقابة فحسب، بل في ضعف الحوافز القانونية والمالية لتقنين النشاط.
ويقول أحد أصحاب المتاجر الإلكترونية (فضّل عدم ذكر اسمه) لـ”963+”: نريد أن نعمل بشكل نظامي، لكن التسجيل والترخيص يعني ضرائب ورسوم لا نستطيع تحملها. لذلك يفضّل معظمنا البقاء خارج المنظومة الرسمية.
سوق بلا رقيب والمستهلك يدفع الثمن
بينما تؤكد الجهات الرسمية أن التجارة الإلكترونية في سورية “منظمة وخاضعة للرقابة”، يعيش المستهلك السوري واقعاً مغايراً تماماً، حيث تحولت آلاف الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أسواق مفتوحة بلا عناوين، بلا فواتير، وبلا مساءلة.
الخبير الاقتصادي عادل الحسين يقول في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التجارة الإلكترونية لم تعد خياراً ثانوياً، بل أصبحت بديلاً رئيسياً للأسواق التقليدية، مدفوعة بارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وتكاليف التنقل، وسهولة التسوق من الهاتف المحمول، لكن هذا التوسع السريع جرى خارج أي إطار رقابي فعلي، فالرقابة التقليدية لا تصلح للسوق الرقمية، والإشكالية الحقيقية تكمن في محاولة ضبط سوق إلكترونية بعقلية رقابة تقليدية، فالمراقب التمويني الذي يضبط محلّاً على الأرض، عاجز عن ملاحقة مئات الصفحات المتغيرة، والتي يمكن إغلاقها وإعادة فتحها خلال ساعات بأسماء جديدة، وهو ما فتح الباب أمام فوضى تجارية يتحمل المستهلك وحده كلفتها، وهنا تتحول التجارة الإلكترونية إلى منطقة رمادية، القانون موجود، لكن المستهلك لا يشعر به، والبائع المخالف لا يخشاه.
ورغم ذلك يرى الحسين أن التجارة الإلكترونية في سوريا لن تتراجع، بل ستتوسع أكثر، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإيجارات وضعف الأسواق التقليدية وتحوّل الشباب نحو العمل الرقمي، ولكن استمرارها بهذا الشكل العشوائي يهدد حقوق المستهلك، والمنافسة العادلة وإيرادات الدولة وثقة الناس بالتجارة الرقمية وتكريس اقتصاد الظل الرقمي، فترك التجارة الإلكترونية بهذا الشكل يعني عملياً التخلي عن حماية المستهلك في أحد أسرع القطاعات نمواً.
ويشدد الحسين أن المسؤولية هنا لا تقع على المستهلك الذي “غامر بالشراء”، ولا على بائع استغل الفراغ، بل على جهات رقابية لم تطور أدواتها، وتشريعات لم تُترجم إلى أنظمة تنفيذية فعالة، وغياب منصة رسمية تنظم السوق، فالحلول لم تعد مؤجلة، وأبرزها تأسيس سجل وطني للتجار الإلكترونيين بإجراءات مبسطة عبر الإنترنت، مع إعفاءات ضريبية جزئية في السنوات الأولى، وتفعيل بوابة شكاوى إلكترونية موحدة تتيح للمستهلك تتبع حالته واسترداد حقه بسهولة، وإطلاق حملات توعية رقمية لتعريف المواطنين بحقوقهم وكيفية التحقق من المتاجر الموثوقة، وتشجيع التعاون بين وزارة الاتصالات وحماية المستهلك والمصارف لإنشاء منظومة دفع إلكتروني آمنة وشفافة، وتدريب الكوادر الرقابية على تتبع النشاط الإلكتروني وتمييز الصفحات التسويقية الوهمية من الحقيقية، وإلزام الصفحات التجارية بالإفصاح عن سجل تجاري واضح.
ويختم الحسين بأن القول الضمني “المستهلك يجب أن يكون أكثر حذراً” هو هروب من المسؤولية، فدور الوزارة ليس تقديم النصائح، بل فرض النظام، وفي الدول التي نجحت بتنظيم التجارة الإلكترونية، لم يُطلب من المواطن أن يكون محققاً، بل طُلب من الجهات المعنية أن تكون حاضرة.










