في ظل تسارع تطوّرات العلاقات السورية ـ الإسرائيلية وتفاقم الهشاشة الأمنية في الجنوب السوري، برزت خلال الفترة الأخيرة مساعٍ روسية ـ أميركية مشتركة لتثبيت التهدئة ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، عبر تفاهمات أمنية غير معلنة تعمل موسكو على تسويقها بدور الوسيط السياسي والأمني، وبالتوازي مع تنسيق هادئ مع واشنطن. وجاءت هذه الجهود نتيجة سلسلة اتصالات ولقاءات إقليمية ودولية مكثفة تناولت أفكاراً تتصل بضبط الحدود وتفعيل آليات المراقبة وإعادة ترتيب الأدوار الأمنية في الجنوب، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية وتعقّد المشهد الإقليمي. وفي المقابل، تؤكد دمشق تمسّكها بالسيادة ورفضها لأي مسار يتجاوز الإطار الأمني أو يُفهم كتمهيد لاتفاق سلام، ما يعكس تحوّلاً في إدارة الصراع من التصعيد المفتوح إلى مقاربات احتواء دقيقة، يسعى فيها الروس لتكريس أنفسهم ضامناً ميدانياً، مقابل احتفاظ الولايات المتحدة بدورها كراعٍ أساسي لأي تفاهمات محتملة، فيما يبقى الجنوب السوري ساحة اختبار لتوازنات أمنية ودولية شديدة الحساسية.
اقرأ أيضاً: سوريا… الممر الذي لا يهدأ
موسكو: وسيط أمني لا سلام
يقول الدكتور مصطفى خالد المحمد، المستشار السياسي المقرّب من الكرملين لـ”963+”، إنّه عندما جاء وفد سوريا إلى موسكو، فرض مجموعة من الشروط، كان أبرزها أن تقوم روسيا بتهدئة الوضع القائم بين “إسرائيل”، ودمشق، لا سيما في الجنوب السوري.
ويشير إلى أنّ هذه التهدئة كان من المفترض أن تتم عبر وجود دوريات روسية، إلا أنّ موسكو، كما يوضح، كان لها رأي آخر، يتمثّل في اعتماد تهدئة سرّية ومؤقتة إلى حين تجهيز الاتفاق الأمني. وبعد الانتهاء من الاتفاق الأمني والتوقيع عليه ستدخل عندها الدوريات الروسية إلى الجنوب السوري، بوصفها قوات فصل أو مراقبة، وذلك لأنّه لا تستطيع أي مؤسسة، بحسب رأيه، ضمان عدم وجود اختراقات إسرائيلية على الأراضي السورية، أو الحد من هذه الاختراقات إلا عبر وجود قوات عسكرية روسية منتشرة في مناطق الجنوب السوري.
ويلفت الدكتور المحمد إلى أنّ موسكو تلعب دور الوسيط بين دمشق وإسرائيل، ولا سيما في الفترة الأخيرة، موضحاً أنّ هذا الدور جاء بعد فشل الوساطة العُمانية والوساطة الأردنية.
ويضيف أنّه بعد اجتماع أذربيجان، قصفت إسرائيل مواقع في سوريا شملت مقار وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، عندها رأت دمشق، أنّها ستقوم بتغيير الوسطاء، والانتقال إلى وسطاء دوليين لهم مكانتهم الدولية، وتهابهم إسرائيل ويحسب لهم “الكيان الصهيوني حساباً”، وفق تعبيره.
ويرى أنّ الخيارات كانت محصورة بين وسيطين لا ثالث لهما: إمّا أميركا، أو موسكو. ويؤكد أنّ موسكو كانت، في نهاية المطاف، هي الخيار الأنسب لتكون وسيطاً بين دمشق وتل أبيب.
ويعتقد المحمد أنّ دور روسيا في الجنوب السوري هو دور متفق عليه مع الولايات المتحدة الأميركية، موضحاً أنّ ما تقوم به دمشق في هذا السياق هو تنسيق مباشر بين واشنطن وموسكو، وبالتالي، لن يكون هناك تغليب لمحور على آخر أو طرف على حساب آخر.
ويشير إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع فرض ترتيبات مباشرة على إسرائيل، في حين أنّ موسكو، على العكس من ذلك، تستطيع فرض العديد من الترتيبات على إسرائيل.
ويعزو ذلك إلى أنّ عدداً كبيراً من اليهود الموجودين في إسرائيل هم من أصول روسية، ويحملون الجنسية الروسية، وأنّ الرئيس فلاديمير بوتين، يمتلك تأثيراً وقوة معنوية كبيرة داخل المجتمع اليهودي، حيث يحظى بمحبة واحترام شريحة واسعة منهم. ويرى أنّ هذا النفوذ يمكّنه من فرض العديد من القرارات والآراء على بنيامين نتنياهو.
ويشير المحمد إلى أنّ موسكو لا تتدخل في محاور أو بنود الاتفاق ذاتها، بل يقتصر دورها، كما يقول، على تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
ويضيف أنّ الكيان إسرائيل تريد أن تكون النتيجة إيجابية وأن يتم التوصل إلى اتفاق أمني، مؤكداً أنّه لن يكون هناك اتفاق سلام، لأن مثل هذا الاتفاق، بحسب رأيه، سيضر بالمنطقة. ويشدّد على أنّ ما يجري الحديث عنه هو اتفاق أمني فقط.
ويؤكد أنّ موسكو لا تريد اتفاق سلام، في حين أنّ إسرائيل تريده، معتبراً أنّ هذه النقطة تشكّل جوهر الخلاف بين الطرفين، إذ ترى موسكو أنّ اتفاق السلام غير مطروح، بينما تدفع إسرائيل باتجاه تطوير اتفاق سلام مستقبلي.
اقرأ أيضاً: بين الساحل والصفقات: موسكو تواجه اختباراً أميركياً
روسيا: ضامن حدودي وموازن ميداني
يقول حسام نجار، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المقيم في بولندا، في حديثه لـ “963+”، إنّه عندما يتم الحديث عن الجولان والمناطق التي تحتلها إسرائيل أو توغلت بها، يتم تعميم مصطلح “الجنوب” وكأنّه محتل بالكامل، ويعتبر أنّ هذا تعميم خاطئ وخطأ استراتيجي كبير.
ويوضح أنّ الحقيقة هي أنّ روسيا هي التي عرضت نفسها لتكون ضامناً للحدود مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه وجدت الحكومة السورية في هذا العرض فرصة وورقة سياسية يمكن اللعب بها عند الضرورة، لا سيما في مواجهة أميركا وإسرائيل.
ويشير نجار إلى أنّ روسيا تُسيّر دوريات جوية على طول خط وقف إطلاق النار في الجولان، بما يشمل تحليق المروحيات قرب الحدود، ورصد التحركات الإسرائيلية والسورية دون تجاوز الخط الفاصل. ويؤكد أنّ هذه التحركات لا تتم بمعزل عن الموافقة الأميركية، بل تتم من خلالها، ويعزو السبب في ذلك إلى رغبة الولايات المتحدة الأميركية في عدم الدخول في خلافات جوهرية مع إسرائيل.
ويضيف أنّ روسيا تعمل كذلك، وبشكل متفق عليه، على تنسيق الاتصالات الأمنية بين الطرفين، معتبراً أنّ دورها في هذا السياق دور محوري.
ويرى أنّ الغاية الروسية ليست مرتبطة بهذه المنطقة تحديداً، بل بالحفاظ على مصالحها الرئيسية، مثل القاعدة العسكرية في مطار حميميم وميناء طرطوس، ولذلك يمتد دورها إلى عدة جهات.
وينوّه إلى أنّ دمشق تحاول، بطبيعة الحال، وبشتى الطرق، الحفاظ على ما يُعرف بـ”شعرة معاوية” مع الروس، وفي الوقت نفسه تسعى إلى إيقاف التوغلات الإسرائيلية، وهي مقتنعة، بحسب رأيه، بأنّه لا بد من تقديم تنازلات في مكان ما ومع جهة ما.
ويعتقد نجار أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستكون الراعي الأساسي لأي اتفاق أمني بين الطرفين السوري والإسرائيلي، ولن تترك هذا الدور لروسيا وحدها.
ويشير إلى أنّه في ظل وجود نظام الأسد البائد والقوات الإيرانية في سوريا، كانت الإحداثيات تصل من روسيا لضرب مواقع القوات الإيرانية داخل الأراضي السورية.
ويضيف أنّ إسرائيل تثمن هذا التعاون الروسي، وتقبل بروسيا كوسيط أمني حالي وكعامل توازن ميداني، لكنها، في المقابل، تطالب بضمانات واضحة من الدولة السورية. وهنا، يبرز دور توماس باراك بشكل أكبر من الدور الروسي.
ويختم بالقول، من وجهة نظره الشخصية، إنّ روسيا تسعى لأن يكون لها دور أكبر في سوريا، على اعتبار أنّها تمثّل صمام أمان في المرحلة الحالية، وتعتبر هذا الدور ورقة مساومة مهمة مع الحكومة السورية.










