“الدولار نزل يومين ثم عاد كل شيء أسوأ مما كان”.. بهذه العبارة يختصر كثير من السوريين شعورهم بعد الإعلان عن رفع العقوبات الأميركية عن سوريا. فبين آمال معلّقة على قرار سياسي وواقعٍ معيشي لا يعترف إلا بالأرقام اليومية للأسعار، وجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة تقلبات سريعة لا يملك أدوات فهمها ولا القدرة على تحمّل كلفتها.
خلال أيام قليلة، تراجعت الليرة ثم عادت لتتذبذب بعنف، بينما بقيت الأسعار مرتفعة أو ارتفعت أكثر، في مشهد يصفه مواطنون بأنه “نزول وهمي وارتفاع حقيقي”، ويؤكد خبراء اقتصاد، بينهم الدكتور محمد تيسير الفقيه، أنه تحسّن يغلب عليه الطابع النفسي والمضاربات قصيرة الأجل، دون أن يستند إلى تعافٍ اقتصادي فعلي أو مؤشرات إنتاج حقيقية.
ودخلت سوريا في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2025 مرحلة سياسية واقتصادية جديدة عقب الإعلان الرسمي عن رفع العقوبات الأميركية، بعد تصويت مجلس الشيوخ في السابع عشر من الشهر ذاته لصالح إلغائها. القرار، الذي وُصف بالمفصلي، أعاد فتح نافذة أمل لدى شريحة واسعة من السوريين بإمكانية بدء انفراج تدريجي بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وتآكل الدخول.
اقرأ أيضاً: حاكم مصرف سوريا المركزي: تحديد 59 مؤسسة للاستبدال وجميع الأرصدة ستكون بالعملة الجديدة – 963+
تقلبات سريعة.. وقلق شعبي متصاعد
عقب تصويت مجلس الشيوخ الأميركي مباشرة، سجّل سعر صرف الدولار انخفاضاً ملحوظاً في السوق الموازية، ليتراجع من مستويات تراوحت بين 11900 و12000 ليرة إلى نحو 10900 ليرة. هذا التراجع السريع فسّره كثير من المواطنين كتفاعل مباشر مع الحدث السياسي، وبوادر تحسّن اقتصادي قريب.
يقول أحمد السالم، موظف حكومي من ريف دمشق، في حديثه لـ”963+: “اعتقدنا أن انخفاض الدولار سيترجم فوراً على الأسعار، لكن ما حصل هو نزول ليوم أو يومين ثم عودة سريعة للارتفاع، دون أي تحسن في السوق”.
هذا المشهد لم يدم طويلاً، إذ عاد الدولار في اليوم التالي للارتفاع مجدداً، مقترباً من 12000 ليرة، في حركة أربكت السوق وأثارت الشكوك حول طبيعة هذه التقلبات، خاصة مع تكرار السيناريو ذاته أكثر من مرة خلال فترة قصيرة.
تحسّن شكلي أم انعكاس نفسي؟
وقبيل الإعلان الرسمي عن رفع العقوبات، شهدت الليرة السورية تحسناً جديداً، قبل أن يتكرر المشهد ذاته بعد الإعلان في التاسع عشر من كانون الأول، حيث تراجع الدولار إلى حدود 10800 ـ 10900 ليرة، ثم عاد للارتفاع خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، ليصل إلى نحو 11600 ليرة، ويواصل صعوده التدريجي لاحقاً.
يقول هاني محمد من درعا في تصريحات لـ”963+”: إن ما جرى خلال فترة الإعلان عن رفع العقوبات كان غير طبيعي إطلاقاً موضحاً أن الدولار انخفض بنحو ألفي ليرة خلال يوم واحد دون أن تنخفض الأسعار.
هذا التذبذب السريع، الذي شهد عشرات حركات الصعود والهبوط خلال أيام قليلة، أعاد إلى الواجهة تساؤلات الشارع حول حقيقة ما يجري، في ظل قناعة عامة بأن أثر رفع العقوبات لا يمكن أن يظهر خلال يوم أو يومين، بل يحتاج إلى وقت ومسارات تنفيذية واضحة.
اللافت في جميع هذه التحركات، أن أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية بقيت مرتفعة، ولم تسجّل أي انخفاض حقيقي مع تراجع الدولار، سواء بعد تصويت مجلس الشيوخ أو بعد الإعلان الرسمي عن رفع العقوبات. في المقابل، ما إن عاد الدولار للارتفاع حتى ارتفعت الأسعار مباشرة، وبوتيرة أسرع من حركة الصرف نفسها.
ويضيف أن التجار يبررون عدم خفض الأسعار عند تراجع سعر الصرف بأن هذا النزول وهمي بينما يعتبرون أي ارتفاع لاحق ارتفاعًا حقيقيًا مشيرًا إلى أن الدولار كان عند 12 ألف ليرة ثم انخفض إلى 10900 دون أي أثر على الأسعار لكنه عندما عاد في اليوم التالي إلى 12 ألفًا ارتفعت الأسعار فورًا رغم أنها كانت محسوبة أساسًا على هذا السعر.
ويستشهد محمد بسعر لتر الزيت النباتي الذي كان يباع بـ 22 ألف ليرة عندما كان الدولار عند 12 ألفاً وبقي السعر نفسه عند نزول الدولار إلى 10900 ثم ارتفع إلى 24 ألف ليرة عند عودة الدولار للارتفاع من المحل نفسه وللتاجر نفسه معتبرًا أن هذا السلوك يعكس شعورًا عامًا بعدم المحاسبة وغياب الرقابة.
ويتحدث محمد عن أثر هذه التقلبات على حياته الشخصية موضحاً أنه يعتمد على حوالات شهرية من أقاربه في الخارج.
ويقول إنه صرف مئة دولار أثناء انخفاض سعر الصرف ليحصل على نحو مليون وتسعين ألف ليرة بينما بقيت الأسعار مرتفعة قبل أن يعود الدولار للارتفاع في اليوم التالي ما تسبب بخسارته قرابة مئة ألف ليرة خلال ساعات قليلة فقط.
من جانبها، تقول فكرية أم عبد الله، موظفة في قطاع التعليم، لـ”963+” إن راتبها بقي ثابتاً عند نحو مليون و140 ألف ليرة، بينما تآكلت قيمته بفعل التقلبات السريعة، مؤكدة أن غياب الاستقرار جعل التخطيط للإنفاق الشهري شبه مستحيل.
اقرأ أيضاً: المالية تحذر من الشائعات المرتبطة بإصدار العملة السورية الجديدة – 963+
تحسّن نفسي لا تعافٍ فعلي
في قراءة اقتصادية لهذه المرحلة، يقول الدكتور محمد تيسير الفقيه، أكاديمي في جامعة دمشق وخبير اقتصادي ومالي، في تصريحات لـ”963+”: إن التحركات التي شهدها سعر الصرف تعكس تحسناً سريعاً في قيمة الليرة، لكنه تحسّن يغلب عليه الطابع النفسي والمضاربات قصيرة الأجل، أكثر من كونه تعافياً اقتصادياً حقيقياً.
ويوضح أن الليرة ارتفعت خلال الساعات الأولى التي تلت القرار بنسبة تراوحت بين 7 و10 بالمئة في السوق الموازية، حيث تراجع سعر الصرف من حدود 11900 ليرة إلى نحو 11000 ليرة للدولار الواحد، قبل أن تدخل لاحقاً مرحلة استقرار نسبي مع بقاء فجوة واضحة بين السعر الرسمي وسعر السوق.
ويؤكد الفقيه أن مؤشرات الإنتاج والاستثمار لم تشهد حتى الآن أي تحسن ملموس يمكن البناء عليه للحديث عن تعافٍ فعلي، مشيراً إلى أن التفاؤل السياسي دفع بعض حائزي الدولار إلى البيع، إضافة إلى وجود مضاربات ظرفية قصيرة الأجل.
يرى الفقيه أن حركة سعر الصرف الحالية تقوم على مزيج من التوقعات السياسية والعرض والطلب، مع دور أقل للمضاربة مقارنة بمراحل سابقة.ويضيف أن سياسات مصرف سوريا المركزي، مثل تشديد السحوبات النقدية بالليرة والسماح بتسديد بعض الالتزامات بالدولار وإعادة هيكلة شركات الصرافة، ساهمت في خلق توازن مؤقت عبر زيادة عرض الدولار مقابل نقص توافر الليرة.
كما أسهمت التوقعات المرتبطة برفع عقوبات “قيصر” وإمكانية تدفق تحويلات خارجية وعودة جزئية للتجارة، في تعزيز الثقة النفسية في السوق، دون أن يقابلها نشاط اقتصادي حقيقي على الأرض.
لماذا لم تنخفض الأسعار؟
يوضح الفقيه أن عدم انعكاس تراجع سعر الدولار على الأسعار يعود إلى عدة أسباب، أبرزها بقاء التكاليف الثابتة مرتفعة، مثل الكهرباء والنقل والمحروقات والمدخلات الإنتاجية، إضافة إلى وجود مخزون قديم من السلع تم شراؤه بأسعار مرتفعة.
كما يشير إلى سيكولوجيا السوق القائمة على فقدان الثقة، حيث يُنظر إلى أي تراجع في سعر الصرف على أنه مؤقت، بينما تُسعّر السلع وفق توقعات مستقبلية مرتبطة بالسوق الموازية، في ظل ظاهرة متجذّرة لدولرة التسعير.
يرى الدكتور الفقيه أن غياب التسعيرات الملزمة وضعف الرقابة ساهما في تكريس فوضى الأسعار، حيث باتت الفوارق بين محل وآخر للسلعة نفسها تصل إلى 15 بالمئة، رغم الإعلان عن آلاف الضبوط التموينية.
ويؤكد أن رفع العقوبات خطوة سياسية مهمة، لكنها لن تتحول إلى انفراج معيشي حقيقي ما لم تترافق مع تدخل حكومي جاد لضبط الأسواق، وحماية المستهلك، ودعم الإنتاج المحلي، ووضع حد لفوضى يتحمل المواطن وحده كلفتها يوماً بعد يوم.










