لم يعد ملف دمج قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في بنية الجيش السوري بنداً مؤجلاً أو هامشياً في النقاش السياسي السوري، بل تحوّل إلى أحد أكثر ملفات المرحلة الانتقالية تعقيداً وتشابكاً. فالمسألة المطروحة لا تتصل فقط بإعادة توزيع القوة العسكرية أو تنظيم الهياكل الأمنية، وإنما تمسّ جوهر تعريف الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، وحدود السيادة، وشكل الحكم، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق التي نشأت فيها سلطات أمر واقع خلال سنوات الصراع. وبين اتفاق 10 آذار/مارس 2025 الموقع بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، والمهلة الزمنية المحددة لنهاية العام ذاته، يجد الطرفان نفسيهما أمام مسار محفوف بالفرص والمخاطر، في ظل ضغوط داخلية، وتوازنات إقليمية حساسة، وتقاطعات دولية تجعل من “الدمج” عملية سياسية، عسكرية واجتماعية مركبة، لا مجرد إجراء إداري يمكن إنجازه بقرار فوقي.
الإطار السياسي العام للدمج
ينطلق النقاش الرسمي حول دمج “قسد” من اتفاق مبدئي ينص على إدماج مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يشمل المعابر والحقول النفطية، مقابل شراكة سياسية وتمثيل لمكوّنات شمال وشرق سوريا في بنية الحكم الانتقالي. إلا أن هذا الإطار العام سرعان ما يصطدم بخلافات عميقة تتعلق بتعريف اللامركزية، وحدودها السياسية والإدارية، وتعريف مفهوم “الجيش الواحد”، ومصير القيادات العسكرية، ومستقبل مشروع الإدارة الذاتية مقارنة بمفهوم الحكم المحلي ضمن دولة مركزية.
في هذا السياق، يقول عزت بغدادي، ديبلوماسي مستقل مقيم في فيينا، لـ”963+”: “إن النقاش الدائر حول دمج قسد يُطرح على أسس خاطئة، إذ يجري التعامل معه بوصفه مسألة تقنية تتعلق بآليات وجداول زمنية، في حين أن الواقع يعكس غياب دولة مكتملة، ووجود قوى أمر واقع تدير تعايشاً مؤقتاً في فراغ سيادي”.
ويضيف بغدادي: “السلطة القائمة في سوريا هي سلطة انتقالية بحكم الأمر الواقع، تمارس وظائف الحكم دون امتلاك سيادة مكتملة أو تفويض دستوري، مشيراً إلى أن ما يُسمى بالمؤسسات العسكرية والدفاعية القائمة اليوم يعمل بوصفه توصيفاً تشغيلياً لا كياناً سيادياً، ويعتمد في تماسكه على شبكات ولاء شخصية وتنظيمية لا على قانون أو عقيدة وطنية”.
ويتابع: “الحديث عن دمج قسد ضمن هذه البنية يظل إشكالياً، لأن منظومات الأمر الواقع لا تقبل بتعدد مراكز الولاء داخل الهرم نفسه، والسيناريو الوحيد القابل للتطبيق من هذا المنظور هو تفكيك قسد كتنظيم وتحويلها إلى أفراد بلا قيادة مستقلة، وهو خيار لا تحبذه الولايات المتحدة”.
الفرص المحتملة لعملية الدمج
رغم التعقيدات البنيوية، يُنظر إلى مسار الدمج من قبل أطراف عدة بوصفه فرصة لإعادة توحيد السيطرة الرسمية على نحو ثلث الأراضي السورية، بما يعزز مفهوم السيادة الواحدة، ويقوّي موقع الحكومة السورية في أي مفاوضات إقليمية أو دولية لاحقة. كما يُنظر إليه باعتباره مدخلاً محتملاً لتخفيف التوترات العسكرية في الشمال الشرقي، وتقليص الذرائع التي تستند إليها التدخلات الخارجية، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً لعودة المهجّرين وإطلاق مشاريع تنموية وإعادة إعمار.
في هذا الإطار، يقول آلان بيري، الكاتب السياسي وخريج كلية العلوم السياسية في جامعة فيينا لـ”963+”: “إن التيار الكردي داخل قوات سوريا الديموقراطية ينظر إلى التحوّلات الجارية بوصفها فرصة لحماية مكاسب سياسية تحققت خلال سنوات الحرب، أكثر من كونها تنازلاً اضطرارياً ناتجاً عن الضغوط الإقليمية، مؤكداً أن الهدف الأساسي يتمثل في تثبيت هذه المكاسب دستورياً ضمن إطار دولة سورية موحّدة ولا مركزية ديموقراطية”.
ويضيف بيري: “الوجود الكردي في سوريا حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها”، مشيراً إلى أن المناطق الكردية الواقعة ضمن حدود الجمهورية السورية الحالية تُعد جزءاً من الجغرافيا التاريخية لكردستان، وأن الكرد تمكّنوا خلال الحرب السورية، بالتعاون مع شركائهم من العرب والسريان، من بناء تحالف مستقر وإدارة حكم ذاتي يسعون اليوم إلى حمايتها وتطويرها عبر مسار دستوري”.
ويتابع: “مطلب اللامركزية لا يقتصر على الكرد وحدهم، بل يُعد طرحاً سورياً عاماً يهدف إلى الانتقال من نموذج الدولة المركزية إلى دولة ديموقراطية لامركزية”.
التحديات والعوائق البنيوية
في مقابل الفرص، تبرز تحديات عميقة تتعلق بطبيعة “قسد” نفسها وبنية المؤسسة العسكرية السورية، إضافة إلى الانقسامات الداخلية داخل مناطق سيطرتها، وتضارب الشروط بين دمشق و”قسد”.
في هذا السياق، يقول الدكتور محمد عباس، الباحث والخبير العسكري السوري لـ”963+”: “إن دمج قوات ذات بنية أيديولوجية حزبية مثل (قسد) في جيش وطني لا يمكن أن يتحقق مهنياً من دون تفكيك بنيتها التنظيمية والأيديولوجية أولاً، مؤكداً أن المسألة شديدة التعقيد في بيئة سورية تعاني أصلاً من تعدد الهويات والانتماءات داخل التشكيلات العسكرية القائمة”.
ويضيف عباس: “بعض فصائل الجيش السوري نفسها ما تزال تحتفظ بهويات أيديولوجية ودينية تشكّلت منذ نشأتها، مثل فصائل معروفة في الشمال السوري، الأمر الذي يجعل جمع هويات دينية وعلمانية ومناطقية مختلفة داخل مؤسسة عسكرية واحدة دون صهر مسبق، وصفة لإرباك العقيدة العسكرية وغياب هوية وطنية جامعة”.
ويتابع: “الدمج الحقيقي لا يقتصر على إجراءات تنظيمية أو إدارية، بل يتطلب تأسيس هوية وطنية مشتركة تُذاب فيها التناقضات الثقافية والفكرية”.
العامل الخارجي والضغوط الإقليمية والدولية
يشكّل العامل الخارجي أحد أكثر العناصر تأثيراً في مسار الدمج، في ظل تباين واضح بين الموقفين الأميركي والتركي. ففي حين تنظر واشنطن إلى «قسد» بوصفها شريكاً وظيفياً في مكافحة الإرهاب.
في هذا السياق، يقول بغدادي: “واشنطن تنظر إلى قسد كأداة وظيفية في إطار مكافحة الإرهاب، لا كملف سيادي سوري، وأن مفهوم الدمج المقبول أميركياً يقتصر على ترتيبات تنسيق تسمح باستمرار نموذج شركاء التحالف المحليين، دون أن يعني ذلك إعادة بناء جيش وطني أو إنهاء الكيانات المسلحة”.
ويضيف: “هذا النهج، الذي يُسوَّق دولياً كحل عملي، يُنظر إليه إقليمياً بوصفه تهديداً بنيوياً، إذ ترى تركيا في قسد سابقة استراتيجية خطِرة، بينما تخشى دول مثل العراق ولبنان من تكرار نماذج قوى موازية للدولة”.
السيناريوهات المتداولة لمسار الدمج
تتراوح السيناريوهات المطروحة بين أربعة مسارات رئيسية: الاندماج التدريجي وفق اتفاق 10 آذار، والاندماج الشكلي مع بقاء البنية الفعلية لقسد، واستمرار الجمود وإدارة الوضع الراهن، أو الذهاب نحو الحسم العسكري الجزئي أو الشامل.
في هذا السياق، يقول الصحفي عبد الحليم سليمان من القامشلي لـ”963+”: “إن الاتفاقية السورية القائمة تواجه صعوبات جدية في التطبيق، نتيجة تعقيد الملفات المطروحة، والضغوط الخارجية، واستمرار الخلافات حول شكل الدولة السورية ومستقبلها السياسي”.
ويضيف سليمان: “الخلاف لا يزال قائماً حول كيفية دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن جيش سوري موحّد، إذ تتمسّك قسد برؤية تقوم على الاندماج كقوة منظمة ضمن جيش مُعاد تشكيله، في مقابل إصرار حكومي على تسليم السلاح والانضمام كأفراد”.
ويتابع: “الصدام العسكري سيؤدي إلى خلط الأوراق وإفشال العملية السياسية برمتها، ونتائجه ستكون كارثية على مستقبل سوريا”.
الأبعاد الاجتماعية والعملية الميدانية
لا ينحصر ملف الدمج في مستواه السياسي والعسكري، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية معقدة تتعلق بدمج عشرات الآلاف من المقاتلين، ومعالجة ملفات الرتب والرواتب، والانتهاكات السابقة، وبناء الثقة بين المجتمعات المحلية العربية والكردية.
في هذا السياق، يقول عباس: “أهم مرحلة في عملية الدمج هي بناء الثقة والإيمان المتبادل بمشروع وطني جامع”، لافتاً إلى أن “إعادة تصنيف الرتب والقيادات أمر طبيعي، وقد يتولى ضباط من قسد مناصب عليا في وزارتي الدفاع أو الداخلية”.
ويضيف: “إعادة إعمار الإنسان السوري وترميم القيم والانتماء الوطني يجب أن تسبق إعادة إعمار البنى التحتية، باعتبارها الأساس لأي استقرار طويل الأمد في سوريا”.










