في مشهد فني باتت تحكمه السرعة، وتفرض فيه السوشال ميديا إيقاعها القاسي على الفنانين، لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بالموهبة، بل بالقدرة على الاستمرار، وعلى الموازنة الدقيقة بين الحضور الفني الحقيقي ومتطلبات الظهور الدائم. في هذا المناخ المربك، حيث تُصنع النجومية أحياناً بضغطة زر وتُهدم بالسرعة نفسها، يختار بعض الممثلين طريقاً مختلفاً؛ طريقاً أبطأ، لكنه أكثر ثباتاً وصدقاً. من بين هؤلاء يبرز اسم درويش عبد الهادي، كممثل شاب قرر أن يراكم تجربته بهدوء، وأن يمنح كل خطوة في مسيرته وقتها المستحق، بعيداً عن اللهاث خلف الأضواء أو الاستسهال.
درويش، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، يتحدث لـ”963+” عن تعامله مع التمثيل فهو لا يراه كوسيلة للشهرة، بل كمسؤولية يومية، واختبار دائم للذات، ومهنة تتطلب وعياً نفسياً وفكرياً لا يقل أهمية عن الموهبة. منذ بداياته، بدا واضحاً ميله إلى الأدوار التي تحمل عمقاً إنسانياً، وإلى الشخصيات التي تُبنى من الداخل قبل أن تُقدَّم على الشاشة. هذا الاختيار لم يكن صدفة، بل انعكاساً لرؤية فنية تشكّلت مبكراً، وتغذّت على تجربة أكاديمية جادة، واحتكاك واعٍ بواقع المهنة وتحدياتها.
فيما يلي الحوار كاملاً:
بدايةً، إذا تحدثنا عن المعهد العالي للفنون المسرحية… ما الإصلاح أو التطوير الذي تشعر أنه يجب أن يطبق فوراً؟
بصراحة، لا أضع نفسي في موقع إصدار الأوامر أو فرض الآراء حول مؤسسة بحجم وأهمية المعهد العالي للفنون المسرحية. لكنني، كخريج لهذا المكان، أستطيع أن أتحدث من منطلق التجربة. أرى أن الاهتمام بالكادر التدريسي على مختلف الأصعدة، وفي جميع المواد، أمر بالغ الأهمية.
كما أن وجود بعثات خارجية للطلاب سيكون خطوة ممتازة، لأنها تتيح لهم الاحتكاك بثقافات متنوعة، والاطلاع على عروض مسرحية مختلفة. سابقاً، كانت تأتي عروض مسرحية تُعرض في دمشق، وهذا أمر مهم جداً، ويستحق أن يُعاد تفعيله بشكل أوسع.
أعتقد أن تفعيل مكتب العلاقات العامة في المعهد وربطه بالوسط الفني والإعلامي أمر ضروري، بحيث يصبح حلقة وصل بين الطلاب والخريجين وبين العاملين في الإعلام والميديا والتلفزيون. هذا لا يعني تأمين فرص عمل مباشرة، بل تعريف الوسط بالمواهب الجديدة، وجعلهم أقرب إلى واقع المهنة.
غالباً ما نرسم أحلامنا بصورة وردية، لكن الواقع يكون مختلفاً… هل صُدمت بواقع التمثيل؟
لا أملك هذا المصطلح في حياتي. هذه الحياة تحتمل جميع الأوجه، وفي كل المجالات يمكن أن نصطدم، إن صحّ التعبير.
عندما تكونين مختصة في مجالك، وواعية لتفاصيله من الألف إلى الياء، علمياً ونفسياً ومهنياً، تكونين على دراية بكل طقوسه. وإن صُدمتِ بشيء ما، فهذا يعني أن هناك نقصاً في التجربة أو المخزون المعرفي.
فالإنسان في حالة تطوّر دائم، ويجب أن يبقى مطّلعاً على تطورات مهنته، سواء اليوم أو بعد عشر سنوات، في أي زمان أو مكان أو ظرف.
اليوم، ما الضغوط التي يعيشها درويش عبد الهادي كممثل؟
نحن نعيش في عصر انتشار واسع، والسوشال ميديا قوية، والزمن سريع. هناك مسؤولية كبيرة لإثبات الذات بشكل أسرع وأقوى.
الفرص أصبحت أكثر، والساحة أوسع للممثلين، لكن في المقابل أصبح مطلوباً منا أن نُقدّم دائماً ما هو مميّز وأهم وأجمل، حتى نحافظ على وجودنا. الاستمرارية اليوم ليست سهلة، بل مسؤولية يومية.
الجمهور، وخاصة الفتيات، معجبون بك… هل يعيش درويش قصة حب؟ وما مواصفات فتاة أحلامه؟
المعجبون أحبّوا شخصية شاهين، وهذا طبيعي. الجمهور أحب الكاركتر، وليس بالضرورة الشخص الحقيقي. أنا وشاهين مختلفان تماماً.
أسعدني كثيراً حب الناس لهذه الشخصية التي قدّمتها بكل حب، لكنني لم ألاحظ هذا الأمر بشكل شخصي. وعن فتاة أحلامي، حتى الآن، لم تكتمل مواصفاتها.
ما الأعمال أو التحضيرات التي تعمل عليها حالياً، وخاصة لرمضان 2026؟
أعمل حالياً على مسلسل “سعادة المجنون” مع المخرج سيف سبيعي، إضافة إلى عمل تركي معرب “انت اطرق بابي”.
الأعمال المعربة جديدة كلياً، وهي مسؤولية أكبر، لكنها ممتعة جداً، وتمنحك طاقة جميلة. نتعرّف فيها على آليات تصوير وإخراج مختلفة، وعلى مجال جديد بالكامل، وهذا يضيف الكثير لتجربة الممثل.
حصلت مؤخراً على جائزة أفضل ممثل شاب… كيف عشت تلك اللحظة؟
أن يتوّج العمل الذي تحبه بتقدير معنوي أمر جميل. لكن بالنسبة لي، هذه ليست جائزة لدرويش وحده، بل لكل فريق العمل، من أبطال ومخرجة. سعيد جداً بالنتائج التي يحققها العمل، وبترشيح رشا ونشمات أيلول لجوائز أخرى. هذا دليل على أن العمل قُدّم بحب، والحمد لله.
الجائزة تعني لي الكثير، وتحمّلني مسؤولية أكبر، لأن الناس باتوا ينتظرون أعمالاً أجمل وأهم.
لو أُتيحت لك فرصة تجسيد شخصية حقيقية… من تختار؟
لم أفكر بهذا الأمر من قبل. أحياناً أختار الشخصية التي أحبها أو التي تستفزني فنياً، ولكن في مرحلة ما، راودتني فكرة تجسيد شخصية “تشي غيفارا”، لكنني لا أضع قيوداً. الفن لا يرتبط بسيرة ذاتية بعينها.
الأعمال التاريخية عمود أساسي في الدراما، لا يزول، وهي مدرسة مهمة للممثل، خاصة على صعيد اللغة العربية وبناء الشخصيات.
بعيداً عن الأدوار والكاميرات… ماذا يحلم درويش؟
أحلامي بسيطة. أتمنى أن نعيش ببساطة، وأن نعود للألفة والمحبة على الصعيد الاجتماعي. أتمنى أن أقدّم أعمالاً مهمة، وأن أبقى في حالة عطاء مستمر.
ما الذي تتمنى أن توفّره نقابة الفنانين للممثلين اليوم؟
لست نقابياً لكنني أؤمن أن النقابة هي بيت الممثل، تحميه، تؤمّن حقوقه، وتنظم الأمور. لم أجرّب هذا الشعور، لأنني أردني الجنسية، وعشت في سوريا دون انتساب للنقابة، لكنني أتمنى أن يشعر كل ممثل بأن هناك جهة تحميه.
من الفنان الذي تعتبره قدوة وتتمنى الوقوف أمامه؟
هناك فنانون تمنيت العمل معهم، مثل الراحل خالد تاجا، الذي أراه من أهم الممثلين. أتمنى تكرار التجربة مع محمد حداقي، وأحب العمل مع بسام كوسا، وتيم حسن، الذي أقدّره كثيراً كفنان وإنسان.
ما الذي تراه ناقصاً في الدراما اليوم؟
من المبكر إعطاء حكم نهائي. السنوات الماضية كانت قاسية، ومع ذلك قُدّمت أعمال جيدة. اليوم نبدأ مرحلة جديدة من التجربة والنقاش، وبعدها يمكننا تحديد ما هو ناقص فعلاً.
هل لديك خطوط حمراء على السوشال ميديا؟
لا أمانع مشاركة بعض جوانب يومي، لكن دون استعراض. حياتي الخاصة، وأهلي، خطوط حمراء، ولا أجد ضرورة بكشف تفاصيل حياتي أو أزماتي ولا أفكر بتصدر التريند بهذا الشكل.
أخيراً… ماذا عن ثنائية نورس وشاهين؟
أحببت هذه الثنائية كثيراً، والطاقة بيني وبين ملهم البشر كانت واضحة. ما زلنا على تواصل، وأتمنى أن يجمعنا عمل جديد. لست من محبّي الأجزاء، لكن كل شيء وارد.










