ظهر تحول واضح في الدراما السورية خلال السنوات الماضية متجهة نحو الجماليات البصرية المبالغ فيها، بحيث أصبحت الملابس، المكياج، وحتى التسريحات تشغل حيزاً كبيراً من المشهد، أحياناً على حساب عمق النص وتطور الشخصيات. وعلى الرغم من أن هذا التحول لم يصل بعد إلى مستوى “عرض الأزياء” الكامل، إلا أن تأثيره أصبح ملموساً، خصوصاً في الأعمال المعاصرة التي تولي اهتماماً كبيراً بالمظهر الخارجي للشخصيات.
ويرى الناقد الفني عامر فؤاد عامر أن هذا التحول لم يحدث بشكل شامل، لكنه أصبح بارزاً في عدد ملحوظ من الأعمال.
ويقول لـ “963+”، “ظهرت في الدراما السورية نزعة مبالغَة في العناية بالإطلالات، فرأينا أزياء مصممة بدقة تفوق طبيعة الشخصية، ومكياج ثابت بلا تغيّر حتى في المشاهد الصعبة، وحضور بعض العلامات التجارية والستايلات التي لا تنتمي إلى بيئة القصة، وشخصيات من طبقة متوسطة تظهر وكأنها في جلسة تصوير فاشن”.
ويضيف أن هذه الظاهرة لا تشمل كل الإنتاجات، فهناك أعمال متوازنة تحافظ على المصداقية البصرية وتستخدم الملابس كأداة درامية، لا كاستعراض.
ويؤكد عامر أن هوس الصورة أثر بشكل واضح على العمق الدرامي: “تراجع العُمق لصالح اللقطة البصرية، تعطيل تطور الشخصيات بسبب الإطلالة الثابتة، بناء عالم غير واقعي، واختصار اللغة البصرية في الإبهار فقط، وتهميش النص للتعويض عن ضعف المحتوى، وتحول المشهد من أداة سردية إلى محتوى قابل للانتشار”.
اقرأ أيضاً: ميريانا معلولي لـ 963+: الفنّ قوة والزواج أعاد ترتيب أولويّاتي – 963+
ويشير إلى أن المسؤولية ليست في طرف واحد، بل في تفاعل معقد بين القرارات الإنتاجية وذائقة الجمهور: “الإنتاج يحدد شكل العمل قبل أن يبدأ، وفريق الإنتاج يختار طبيعة الإطلالات وأسلوب التصوير وطبيعة الديكور، وكل ذلك للوصول لهدف التسويق الأسهل.
أما الذائقة فقد تغيرت تحت تأثير السوشيال ميديا، فأصبح الجمهور معتاداً على الفيديوهات القصيرة، اللقطات اللامعة، والانفعالات السريعة، بالتالي وصلنا لتقبّل دراما تشبه الستوري والريل”.
والواقعية التي شكلت هوية الدراما السورية لسنوات طويلة، تراجعت أيضاً لصالح الجماليات المصقولة بحسب عامر.
وفي السنوات الأخيرة، صار الواقعي موجوداً فقط في مشاهد محددة أو خطوط ثانوية، بينما الخطوط الأساسية أصبحت مصقولة بشكل مبالغ فيه”. هذا التحول انعكس بشكل مباشر على مصداقية الشخصيات، حيث يوضح عامر: “الشخصية التي تظهر بمكياج ثابت وملابس مختارة بعناية في لحظات الانهيار تفقد قدرتها على إقناع المشاهد بأنها تعيش فعلاً ما تقول. كلما زاد التجميل، قل الانفعال الحقيقي”.
بدورها، تقول الستايلست غادة فاضل في تصريحات لـ “963+”، إن المخرج هو المسؤول الأول عن تحديد شكل الشخصية، بينما دور الفنان والممثل يأتي في المرتبة الثانية.
وتوضح، “أحياناً يدخل رأي المخرج في تعديل بعض الأمور، وأحياناً يتدخل الممثل، لكننا نصل في النهاية إلى نتيجة مرضية نوعاً ما. نحرص على أن تعكس الملابس ما تمر به الشخصية، فتتسخ وتتعب مع تطور الأحداث، ونضع بدلات احتياطية للمشاهد التي تتطلب تغييرات سريعة”.
وتؤكد الصحفية الفنية آمنة ملحم، أن بعض الفنانات يحرصن على الظهور بشكل مثالي نتيجة ضغط السوشيال ميديا: “هناك هاجس كبير لدى بعض الممثلات للظهور بصورة مثالية دائماً، حتى لو تعارض ذلك مع منطق الدور. الفلاتر المبالغ بها وصور الذكاء الاصطناعي جعلت الصورة أولوية على حساب مصداقية وعفوية الشخصية”. وتشير إلى أن المنافسة على الإطلالة الأجمل خلقت ضغطاً مستمراً، مما جعل النجمات أسيرات للفلتر المستمر.
اقرأ أيضاً: من الحلم إلى مسرح “ذا فويس”: جودي شاهين تحكي حكايتها – 963+
وتضيف لـ “963+”، “المكياج الثقيل والمبالغة في الإطلالة يضعف مصداقية الشخصية، ويقلل قدرة الفنانة على الإقناع، وأحياناً يخرج الشخصية من إطار الحكاية كلها، حيث يركز الجمهور فقط على الإطلالة وينتقدها”.
وتتابع: “الجمهور جزء من الضغط، فالتعليقات القاسية والسريعة جعلت كثيرات يفضّلن المبالغة في التحضير على أن يتعرضن للنقد أو التنمّر، ويجب أن نلاحظ في الصحافة الفنية أن هذه الظاهرة خلل مهني يؤثر على جودة العمل ولا يمكن قبولها كموضة”.
فيما يوضح أسامة سلوم مصمم الشعر لفنانات الساحة السورية لـ “963+”، أن طريقة تنفيذ التسريحات تعتمد على طبيعة الدور والمشهد، معلقاً: “أكيد، بدنا نمشي حسب حالة الممثلة. لما يكون الدور بيستاهل الشعر أوفر، نطبقه. طبعاً حسب رغبة المخرج أو المخرجة والنص المكتوب. وعند مشاهد معينة، مثل العروس أو مشهد يتطلب شعر أوفر، نأسس التسريحة بحيث نتمكن من العودة للركور البسيط عند الحاجة”.










