في صباح شتوي بارد في ريف دمشق، كانت المسنة علياء علي، توقد موقدها الصغير وتراقب بخار الأعشاب المتصاعد من إبريق قديم. ابنها الأصغر يسعل منذ الليل، ولا دواء في البيت سوى ما ورثته عن جدتها: زعتر ويانسون وبابونج وزيت زيتون. تهمس لنفسها بأن هذه الأعشاب هي صيدليتها الوحيدة، وتسكب المغلي لطفلها على أمل أن يخف السعال قبل أن يشتد النهار. منذ سنوات الحرب، صارت الصيدليات بعيدة كالحلم، وصارت فاتورة الدواء أثقل من قدرة أسرة تكافح يومها بيومه. ومع كل كأس عشبيّ، تستعيد أم محمد حكايات الجدات عن الشفاء والصبر.
قصة علياء ليست استثناءً، بل صورة مكثفة لواقع آلاف النساء السوريات اللواتي وجدن أنفسهن أمام خيارين قاسيين: طب حديث باهظ وبعيد، أو طب شعبي متاح وموروث. هنا، تتحول المرأة من ربة بيت إلى حارسة معرفة، تجمع أعشاب الطبيعة وتعيد تركيب وصفات عمرها قرون.
لطالما ارتبط الطب الشعبي او ما يعرف باسم “الطب العربي” بحياة المجتمعات، حيث شكّل وسيلة أساسية للحفاظ على الصحة قبل ظهور الطب الحديث وانتشاره. وفي قلب هذا التراث الطبي الشعبي، لعبت المرأة دورًا محوريًا في جمع المعرفة، وتطوير الوصفات، ونقلها عبر الأجيال. فقد كانت النساء في البيوت والقرى بمثابة “حافظات الحكمة”، يستخدمن الأعشاب الطبية والعلاجات الطبيعية لعلاج الأمراض الشائعة، وتخفيف الآلام، والاعتناء بالأطفال وكبار السن.
هذا الدور لم يكن مجرد ممارسة علاجية، بل كان أيضًا فعلًا ثقافيًا واجتماعيًا يعكس مكانة المرأة في المجتمع كحاملة للمعرفة ووسيط بين الماضي والحاضر. ومن خلال خبراتهن وتجاربهن المتوارثة، ساهمن في بناء رصيد غني من الوصفات الشعبية التي ما زالت تُستخدم حتى اليوم، سواء في الريف أو المدن، كجزء من العودة المتزايدة إلى الطبيعة والطب البديل.
اقرأ أيضاً: المرأة في الريف مقابل المدن: الفروقات في الأدوار والفرص المتاحة – 963+
بدائل الحياة عند غياب الرعاية الصحية
في إحدى قرى ريف دمشق، تعيش أم محمد، امرأة خمسينية تحمل على كتفيها عبء أسرة كبيرة وسط ظروف اقتصادية صعبة. منذ سنوات الحرب، ارتفعت أسعار الأدوية بشكل جنوني، وأصبح الوصول إلى المستشفيات أو شراء العلاج الحديث رفاهية لا تستطيع معظم العائلات تحمّلها. أمام هذا الواقع، وجدت أم محمد نفسها مضطرة للعودة إلى ما ورثته من جدتها: الطب الشعبي والأعشاب الطبية.
تعيش زينب الحسن، امرأة في منتصف الأربعينيات بريف القامشلي شمال شرق سوريا اعتادت أن تكون المرجع الأول لعائلتها حين يطرق المرض أبوابهم. لم يكن في قريتها مركز صحي مجهّز، والمسافة إلى المدينة طويلة ومكلفة، لذلك وجدت نفسها مضطرة للاعتماد على الطب الشعبي والوصفات التي ورثتها عن والدتها وجدتها.
كانت زينب تحتفظ في بيتها بجرار صغيرة مليئة بالأعشاب: الكركديه، الحلبة، البابونج، والكمون. تقول لـ”+963″: “هذه الأعشاب هي دواؤنا، نلجأ إليها حين لا نجد الطبيب ولا الدواء.” وكانت تعالج آلام المعدة بمغلي الكمون، وتستخدم الحلبة لتقوية الدم، بينما تلجأ إلى الكركديه لتخفيف ضغط الدم عند زوجها.
لكن أكثر ما اشتهرت به بين نساء القرية هو استخدامها مزيج زيت السمسم مع الحبة السوداء لعلاج آلام المفاصل والظهر. كانت النساء يأتين إليها طلبًا للنصيحة، وهي بدورها تشرح لهن طريقة التحضير وكأنها خبيرة.
وتضيف زينب أن هذه الممارسات لم تكن دائمًا آمنة. فقد أصيبت ابنتي الكبرى ذات يوم بآلام شديدة في البطن، وظننت أنها مجرد “برد في المعدة”، فعالجتها بمغلي الأعشاب. لكن الألم استمر حتى اضطرت العائلة لنقلها إلى مستشفى في القامشلي، حيث تبيّن أنها تعاني من التهاب الزائدة الدودية وتحتاج إلى عملية جراحية عاجلة. عندها أدركت أن الأعشاب قد تخفف الأعراض، لكنها لا تستطيع مواجهة الأمراض الخطيرة.
وتكمل حديثها قائلةً بعد تلك التجربة: “الأعشاب جزء من حياتنا، لكنها ليست الحل لكل شيء. نحن نستخدمها لأننا لا نملك غيرها، لكن حين يشتد المرض، لا بد من الطبيب.”
ورغم توفر الطبّ الحديث، ما تزال كثير من النساء في الأرياف يلجأن إلى الطبّ الشعبيّ لعلاج أمراضهنّ. هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في غياب الخدمات الطبية فقط، بل ترتبط بجذور ثقافية واجتماعية واقتصادية وتعليميّة ممتدّة عبر أجيال، تعكس طبيعة المجتمعات الريفية ومحدوديّة وعيها الصحيّ.
اقرأ أيضاً: المرأة في المهن الذكورية: بين الرفض والمقاومة – 963+
المرأة أثبتت وجودها بالشكل المطلوب في كافة المناحي والاتجاهات
وفي هذا السياق، تقول الدكتورة تمارا حداد، الكاتبة والمختصة في الاقتصاد السياسي والمقيمة في رام الله – فلسطين إن المرأة أثبتت وجودها بالشكل المطلوب في كافة المناحي والاتجاهات، داخل أسرتها ومجتمعها ودولتها، واستطاعت أن تنخرط حتى في أحلك الظروف والحروب، متحديةً الصعاب والمعوقات أمام قلة المال والموارد.
في سوريا، لعبت النساء دوراً مركزياً في الحفاظ على التراث الطبي الشعبي ونقله عبر الأجيال. فالمرأة، خاصة في البيئات الريفية، كانت تُعتبر مخزن خبرة للأعشاب ووصفات العلاج، إذ تتعلمها من الأمهات والجدات. تنتقل هذه الخبرات شفهياً عبر جلسات الطبخ والعناية بالأطفال وفترات المرض، مما ساعد في استدامة هذا الإرث الطبي، وساهمت الروايات المتوالية في ترسيخ أهمية الطب العربي وفوائده.
وتضيف حداد لـ”963+” أن الكثير من النساء امتهنّ القبالة التقليدية، مما منحهن معرفة واسعة بالأعشاب التي تُستخدم في تسكين الآلام، وتنشيط أو إيقاف النزيف، وتسهيل الولادة أو التعامل مع مضاعفاتها، وحتى معالجة آلام الدورة الشهرية باستخدام الأعشاب الطبيعية. وكان الطب الشعبي بالنسبة للنساء نوعاً من العلاج الاجتماعي الذي يجمع بين الدعم النفسي والروحي، حيث يختلط الطب بالأمثال والمعتقدات الشعبية مثل الرقية والحجامة. المرأة كانت مسؤولة عن صحة الأسرة، خصوصاً الأطفال، لذلك لجأت إلى الحلول المنزلية السريعة قبل الطبيب.
عوامل اجتماعية واقتصادية
وتشير حداد إلى أن هناك عوامل دفعت النساء في المدن والأرياف إلى الاعتماد على الطب الشعبي بدلاً من الطب الحديث، منها العوامل الاجتماعية والاقتصادية كارتفاع تكاليف العلاج والدواء وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق، خصوصاً الأرياف والمناطق المتضررة من الحرب. كما أن هناك عوامل ثقافية تتمثل في رسوخ الموروث الثقافي وثقة النساء بما تعلمنه من الأمهات والجدات، والاعتقاد بأن الأعشاب طبيعية وآمنة مقارنة بالأدوية الكيميائية. وهناك أيضاً عوامل نفسية، مثل شعور المرأة بأنها أكثر سيطرة على العلاج الشعبي لأنها هي من تقوم بتحضيره، إضافة إلى رغبة كثير من النساء في تجنب المستشفيات بسبب تجارب سلبية سابقة أو نقص الخصوصية.
أما الطب الحديث نفسه، فقد واجه تحديات مثل ازدحام المراكز الصحية وضعف الخدمات في بعض المناطق، ونقص الكوادر الطبية أو عدم كفاية الوقت الذي يمنحه الطبيب للمريضة
وللحد من الاعتماد المفرط على الطب الشعبي وتعزيز التوجه نحو الطب الحديث، ترى حداد أنه من المهم إطلاق برامج توعية مخصصة للنساء لشرح مخاطر سوء استخدام الأعشاب، وتوضيح متى يمكن اللجوء للعلاج الشعبي ومتى يصبح خطيراً، مع التأكيد على أهمية المتابعة الطبية العلمية. كما يجب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر محتوى توعوي بلغات محلية وبأسلوب بسيط بحسب حداد
كذلك، من الضروري تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية عبر توفير مراكز صحية نسائية قريبة من التجمعات السكنية، ودعم تكلفة العلاج للنساء في المناطق الفقيرة، وتوفير عيادات متنقلة للأرياف والقرى. ومن المهم دمج الطب التقليدي مع الحديث وتشجيع الأبحاث الأكاديمية حول الأعشاب المحلية لتقييم فعاليتها علمياً، وتدريب الأطباء على كيفية التعامل مع المرضى الذين يستخدمون الطب الشعبي دون رفض قاطع، بل بتوجيه علمي.
وفي ختام حديثها تقول تمارا حداد إن بناء الثقة بين المرأة والنظام الصحي أمر أساسي، يجب أن يقترن بتحسين مستوى الرعاية والخصوصية في المستشفيات، وتخصيص كادر نسائي في بعض العيادات لتعزيز الراحة النفسية للمرأة، وتدريب الكوادر على التواصل الجيد مع المرضى. كما أن ضبط سوق الأعشاب والرقابة على محال بيعها أمر لا يقل أهمية، وذلك عبر منع تداول الخلطات مجهولة المصدر أو تلك التي تُروج كعلاج شامل لكل الأمراض”.










