موسم ضعيف جداً، إنتاج شبه معدوم، وأسعار تضاعفت أكثر من الضعف مقارنة بالعام الماضي. هذا حال موسم الزيتون في درعا جنوبي سوريا هذا العام، بحسب مزارعين وأصحاب معاصر ومهندسين زراعيين.
ورغم أن شجرة الزيتون كانت تُعرف في الجنوب السوري بوفرتها وصلابتها وقدرتها على مقاومة الجفاف، إلا أن هذا العام قلب الصورة رأساً على عقب، إذ شهدت محافظة درعا واحدة من أسوأ مواسم الزيتون منذ عقود، سواء من حيث الإنتاج أو نوعية الثمار أو حتى نسب استخلاص الزيت. المشهد بدا قاتماً في معظم مناطق المحافظة، حتى أن بعض المزارعين لم يقطفوا من أشجارهم حبة واحدة بعد أن اعتادوا كل عام على جني عشرات التنكات من الزيت.
يقول محمد الحريري، صاحب معصرة زيتون في ريف درعا الغربي، في حديث لـ”963+”: هذا العام اقتصر تشغيل المعصرة فقط على ساعتين مساءً. يتم تجميع الزيتون طوال النهار، ثم نبدأ العصر من الساعة الثامنة حتى العاشرة ليلاً، وبعدها ننتظر اليوم التالي لنعيد التشغيل. هذا وحده كافٍ لنعرف أنه لا يوجد موسم حقيقي هذه السنة. في الموسم الماضي كنا نعمل 12 ساعة متواصلة يومياً، ومع ذلك كنا نقول الموسم خفيف، لكن تبين لنا الآن أن الموسم الماضي كان ممتازاً مقارنة بما نحن فيه اليوم.
ويضيف الحريري: “أنا بعرف عدد من المزارعين كل سنة بيجيبو 100 طن زيتون للعصر، أما السنة هي فجابوا من المية طن تسعة أو عشرة طن بأحسن الحالات الوضع مختلف تماماً الزيتون المروي صحيح فيه إنتاج وفيه وزن لكن ما في نسبة زيت، يعني إذا كان الزيتون البعلي بيعطي لكل 60 كيلو تنكة زيت، فالمروي بده 150 أو 200 كيلو ليعطي نفس الكمية من الزيت، صراحة السنة هي ما إجا مثلها وما شفنا هيك حالة من أيام آبائنا”.
هذا الانهيار في الإنتاج انعكس بشكل مباشر على الأسر التي كانت تعتمد على الزيتون كمصدر رئيسي للمونة السنوية. جميل العمارين، من ريف درعا، يروي لـ”963+” تجربته المريرة هذا العام: أنا عندي 33 شجرة زيتون، كل سنة بيكفوني أنا وعيلتي مونة زيتون أخضر وأسود وزيت، بس السنة ما أجاني ولا حبة زيتون ولا حتى نقطة زيت. اضطريت أروح أشتري ثلاث تنكات زيت حتى يكفوني للسنة الجاية، وكل سنة كنت بعصر من شجري خمس أو ست تنكات. السنة هي ولا حتى لتر واحد.
ويتابع العمارين بانزعاج واضح من الأسعار الجديدة: رحت اشتري زيت، طلبوا حق التنكة مليون و200 ألف ليرة سورية، السعر مرتفع كثير عن السنة الماضية. السنة الماضية كانت التنكة بحدود 50 دولار، أما الآن صارت 105 دولار. صراحة وضع الزيتون السنة أبداً مو كويس مقارنة بالسنوات يلي راحت، وكنت أتوقع كل شي، بس مو لهالدرجة إنو ما يكون ولا حبة على الشجر تبعي. ولا مرة توقعت يصير هيك”.
الأسباب الزراعية وراء الكارثة
في محاولة لتفسير ما حدث تحدث المهندس الزراعي محمد خريبة لـ”963+” موضحاً الأسباب الفنية وراء هذا التراجع الكبير في المحصول حيث يقول: نحن فعلاً أمام موسم ضعيف جداً في محافظة درعا، والسبب الأساسي يعود إلى عوامل مناخية متراكمة، وأخرى تتعلق بسلوك المزارعين. أولاً، العام الماضي شهد هطولات مطرية غير منتظمة، وتأخر هطول الأمطار أدى إلى جفاف التربة في فترة الإزهار، ما أثر بشكل مباشر على عملية العقد في الزيتون، فالكثير من الأزهار سقطت قبل أن تتحول إلى ثمار.
ويضيف خريبة أن موجة الحرارة العالية في شهر أيار/ مايو الماضي كانت قاتلة: ارتفاع درجات الحرارة المفاجئ وقت الإزهار كان له تأثير سلبي كبير، إذ أجهضت الأزهار وسببت حروقاً على الأوراق. إضافة إلى ذلك، هناك مشكلة عامة في ضعف العناية بالأشجار، فالكثير من المزارعين قللوا من عمليات التقليم والتسميد بسبب ارتفاع التكاليف، وبعضهم لم يقم بالري رغم حاجة الأشجار لذلك.
ويشير المهندس إلى أن المقارنة مع المحافظات الأخرى تؤكد أن المشكلة ليست عامة بل مناطقية: في محافظات ثانية مثل طرطوس وحماة في إنتاج مقبول نوعاً ما، بينما في درعا الإنتاج شبه معدوم. أحد المزارعين في ريف نوى كان يملك عشرة تنكات زيت سنوياً، أما هذا العام فحصل على تنكة واحدة بالكاد، وهذا الفرق يعكس حجم الضرر. نحن بحاجة لخطط دعم عاجلة للمزارعين، لأن استمرار الوضع الحالي يعني تخليهم عن الخدمة، وبالتالي موت الأشجار تدريجياً.
انهيار في السوق وغياب البدائل
من الناحية الاقتصادية، يشرح تاجر الزيت نسيم الدعاس لـ”963+” كيف انعكست الكارثة الزراعية على الأسعار في الأسواق: انخفاض الإنتاج بهالكمية الكبيرة أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، لأن العرض شبه معدوم والطلب ثابت. يعني اليوم تنكة الزيت تجاوزت المليون ومئتين ألف ليرة، وفي بعض المناطق وصلت لمليون ونصف حسب النوع والمصدر. الناس مضطرة تشتري لأنها مادة أساسية، بس القدرة الشرائية صارت شبه معدومة.
ويضيف الدعاس موضحاً: من الناحية التجارية، السوق فقد توازنه. السنة الماضية كان في فائض نسبي بالسوق المحلي، وبعض التجار كانوا يبيعوا التنكة بحدود 50 دولار، واليوم وصلت لأكثر من 100 دولار. هالارتفاع مو بسبب الطمع بقدر ما هو نتيجة لانعدام الإنتاج. حتى المزارعين اللي معهم شوية زيت صايرين يحتفظوا فيه لمونة بيتهم، وما عاد حدا عم يبيع كميات كبيرة.
ويلفت الدعاس إلى أثر الوضع على التصدير: سوريا كانت تصدر كميات محدودة من زيت الزيتون، خصوصاً من المحافظات الجنوبية عبر الوسطاء، لكن هذا العام ما في أي إمكانية للتصدير. يعني عملياً السوق الداخلي ما عم يتغذى، والتصدير متوقف، وعم نحكي عن موسم تاريخي بسوءه. حتى في سنوات الحرب ما وصلنا لهالمرحلة من العجز الإنتاجي.
صدى الأزمة في المجتمعات الريفية
الأزمة لم تكن اقتصادية فقط، بل اجتماعية أيضاً، حيث يشير عدد من الأهالي إلى أن موسم الزيتون كان يشكل مناسبة سنوية للتعاون والعمل الجماعي بين العائلات، إضافة لكونه مصدر دخل ثابت للمئات من العمال الموسميين في القطاف والعصر والنقل. هذا العام، اختفى كل ذلك تقريباً.
يقول أحمد الجهماني أحد العمال في معاصر الزيتون بدرعا في حديث لـ”963+”: كنا نشتغل من الصبح لبعد نص الليل نحمّل وننظف ونساعد بالعصر، وكانت المعاصر تشتغل على مدار الساعة تقريباً. أما اليوم فما في شغل. المعاصر ما بتفتح إلا ساعتين، والناس قاعدة ببيوتها تستنى رزق ما إجا حتى اللي بيشتغلوا بالنقل أو تنظيف الزيتون ما عاد عندهم دخل لأن الموسم فعلياً منعدم.
بين البعل والمروي.. فروقات واضحة
تُعد محافظة درعا من المناطق التي تجمع بين الزراعة البعلية والمروية، لكن الموسم الحالي كشف ضعف كلا النمطين. فبحسب المهندس خريبة، الزيتون البعلي يعتمد على الأمطار، ولذلك تضرر أكثر هذا العام بسبب الجفاف، بينما الزيتون المروي أظهر ثمارًا أكبر حجمًا لكن بنسبة زيت أقل.
ويقول: في البعل كل 60 كيلو زيتون بيعطوا تنكة زيت، بينما المروي بده 150 إلى 200 كيلو ليعطي نفس النتيجة، وهذا يعني أن المزارعين اللي اشتغلوا على الري فقط خسروا من حيث الكمية والجودة.
ويضيف أن تراجع الإنتاج بهذه الحدة يهدد التنوع الزراعي في المحافظة، لأن الزيتون يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الريفي، وأي ضرر فيه ينعكس على باقي القطاعات الزراعية.
الحاجة لخطة إنقاذ زراعية
أجمع مزارعون على أن المحافظة بحاجة ماسة إلى خطة إنقاذ زراعية تشمل دعم المزارعين بالأسمدة والمياه والتشجير الجديد، إضافة إلى برامج إرشاد زراعي تركز على مقاومة الأمراض وتحسين أساليب الخدمة. كما شددوا على ضرورة أن تتحرك الجهات المحلية والمنظمات الزراعية لتقديم تعويضات ولو رمزية للمزارعين المتضررين.
يقول المهندس محمد خريبة ختاماً: الزيتون شجرة صابرة، لكنها إذا تُركت بدون عناية ما بتكمل. اليوم الوضع مو بس موسم سيئ، بل خطر مستقبلي على الإنتاج كله. إذا استمر الجفاف وغياب الدعم، بعد كم سنة ممكن نفقد نصف أشجار الزيتون في الجنوب.
ويضيف التاجر نسيم الدعاس: الزيت صار مادة كمالية عند الناس بدل ما يكون أساسية، وهاد الشي ما كان يخطر ببال حدا. إذا ما صار تدخل سريع لتأمين استقرار الأسعار ودعم الإنتاج، رح نصير نستورد زيت من محافظات ثانية بأسعار خيالية.
أما العمارين فيختم حديثه بكلمات تعبّر عن حال آلاف المزارعين في درعا: كنا نعيش على خيرات شجرنا، واليوم عم نشتري المونة بالدين. موسم الزيتون صار ذكرى، وكل أملنا إنو السنة الجاية تكون أفضل.
تهديد مباشر للأمن الغذائي
يرى خبراء اقتصاديون أن تراجع إنتاج الزيتون في درعا هذا العام لا يقتصر على الخسائر الفردية للمزارعين، بل يمتد ليشكل تهديداً فعلياً للأمن الغذائي في الجنوب السوري. فمحصول الزيتون يُعد من أهم المحاصيل الاستراتيجية التي تؤمن مورداً غذائياً وزيتياً أساسياً، وتراجع إنتاجه يعني ارتفاع أسعار المواد الغذائية المرتبطة به، من الزيت إلى المونة المنزلية.
تقديرات غير رسمية تشير إلى أن إنتاج المحافظة انخفض بنسبة تتجاوز 80% مقارنة بالعام الماضي، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 150% في بعض المناطق. ومع ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، أصبح زيت الزيتون سلعة شبه فاخرة بدل أن يكون مكوناً رئيسياً على مائدة السوريين.
كما أن توقف المعاصر عن العمل وخسارة مئات العمال الموسميين لأعمالهم ترك أثراً اجتماعياً مباشراً في الريف، وزاد من نسب البطالة والفقر. في المقابل، يحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى تراجع المساحات المزروعة بالزيتون في الأعوام المقبلة، خاصة إذا لم تقدم الجهات الرسمية والمنظمات الزراعية دعماً فعلياً للمتضررين.
في النهاية، تبدو درعا أمام مفترق طرق زراعي حقيقي: إما تدخل سريع لإنقاذ شجرة الزيتون التي شكّلت هوية الأرض الجنوبية لعقود، أو خسارة مورد استراتيجي سيصعب تعويضه لعشرات السنين القادمة.










