مع بدء مرحلة سياسية جديدة في سوريا، دخلت البلاد مرحلة معقدة من إعادة ترتيب السلطة والوعي الجمعي، نتيجة الحرب الطويلة، الهجرة الواسعة، والتغيرات الديموغرافية العميقة. هذه التحولات أفرزت بيئة جديدة للسياسة والمجتمع، حيث أصبح السؤال عن الرقابة والمساءلة أكثر إلحاحاً، وأصبحت الثقافة السياسية تتجه نحو الشفافية والمشاركة العامة بدل الطاعة القسرية.
وخلال عهد نظام بشار الأسد المخلوع، سادت في سوريا منظومة رقابية حكومية محكمة، اعتمدت على مركزية الدولة وسيطرتها المطلقة على الإعلام والمؤسسات والنشاط الثقافي. كانت الرقابة أداة لضبط المجتمع والحفاظ على الاستقرار شكليًا، لكنها قلّلت من حرية التعبير وأضعفت قدرة المجتمع على ممارسة أي رقابة مضادة. لم يكن للمواطن أي دور فعلي في مراقبة الحكومة، وكانت المعلومات الرسمية خاضعة لشبكة صارمة من الرقابة والتحكم، ما جعل الخطاب العام محدوداً للغاية.
وفي مرحلة ما بعد السقوط، بدأ التحول التدريجي من الرقابة الحكومية التقليدية إلى الرقابة الشعبية الجديدة، حيث أصبح للمجتمعات المحلية والإعلام المستقل ومنصات التواصل الاجتماعي دور محوري في كشف الفساد ومراقبة الأداء العام. هذا التحول يمثل بداية بيئة جديدة يمكن أن تسمح بانتقال تدريجي من رقابة الحكومة على الشعب إلى رقابة الشعب على الحكومة، وهو تحول لم يكن ممكنًا في عهد النظام السابق.
ومع ذلك، تواجه الرقابة الشعبية تحديات كبيرة، أبرزها غياب مؤسسات مستقلة وقوية، تعقيد البنية الاجتماعية والسياسية، وصعوبة تحقيق الاستقرار الأمني في ظل مرحلة انتقالية لا تزال تتشكل. رغم هذه التحديات، تبرز فرص حقيقية لتعزيز الرقابة الشعبية، حيث يمكن أن تتحول إلى عنصر بنائي في الدولة الجديدة، من خلال توسع دور المجتمع المدني، ظهور مبادرات إعلامية أكثر حرية، وزيادة وعي المواطنين بأهمية المشاركة العامة. في هذه البيئة الجديدة، يصبح المواطن شريكًا في إدارة الشأن العام، ويُبنى علاقة جديدة بين المجتمع والسلطة، قوامها المساءلة والمحاسبة، بدل الطاعة القسرية التي ميزت حقبة ما قبل سقوط النظام.
آليات الرقابة والمرحلة الانتقالية في سوريا
يؤكد المحامي المختص في القانون الدولي مجيد بودان لـ”963+” أن الرقابة على الحكومة والسلطة التنفيذية، بما في ذلك رئيس الدولة والوزراء ورئيس الحكومة، تقع ضمن صميم المبادئ الدستورية.
لكنه يحذر من أن النصوص الدستورية قد تتحول إلى شعارات فارغة إذا لم تُدعّم بآليات عملية تضمن استقلالية وحياد الأجهزة الرقابية.
ويضيف بودان أن المرحلة الانتقالية الحالية في سوريا تتطلب خطة واضحة بأهداف زمنية محددة لتأسيس دولة القانون.
ويشير بودان إلى أن الرقابة الشعبية، عبر المجتمع المدني، يمكن أن تكون أداة فعالة، شرط أن تكون الجمعيات المستقلة عن الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية ورجال الأعمال واللوبيات الفكرية أو الدينية، وأن تتسم بالشفافية الكاملة، مع منح المواطنين دوراً مباشراً في المتابعة والمساءلة. هذا يسمح لكشف أسباب الطعون والتظلمات بشكل شفاف، ويحول دون استغلال الجمعيات لأغراض حزبية أو فئوية.
ويستعرض بودان أيضاً نموذج الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن للمواطنين التظلم أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد أي تجاوز صادر عن السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية.
ويقترح الاستفادة من هذا النموذج عبر إنشاء محكمة متوسطية لحقوق الإنسان، لتكون مرجعاً للمواطنين في الدول المطلة على البحر المتوسط، بما فيها الدول العربية، بما يرسخ دولة القانون ويعزز حماية الحقوق بشكل تاريخي، وهو ما قد يمثل خطوة حضارية جديدة لسوريا والمنطقة.
المشاركة الشعبية حصانة ضد إعادة إنتاج الاستبداد
يؤكد الأكاديمي عصمت العبسي لـ”963+” أن المشاركة الشعبية في مرحلة ما بعد النزاع تشكل رافعة شرعية وحصانة ضد عودة الاستبداد، حتى في ظل بيئة هشّة ومشحونة سياسياً وأمنياً.
ويشير إلى أن أدوات المشاركة يجب أن تكون بسيطة وفعالة، مثل منصات الشكاوى الرقمية، المجالس المحلية المنتخبة ذات المهام الرقابية، الشفافية المالية والتدقيق التشاركي، ومؤشرات الأداء.
وتهدف الرقابة المجتمعية في بيئات ما بعد النزاع إلى تفكيك شبكات الفساد المتجذرة، بناء الثقة، وضبط عمليات إعادة الإعمار. لكنها تواجه تحديات، أبرزها هشاشة المؤسسات، ضعف الثقة المجتمعية، والانقسامات الداخلية. لذلك، يجب تصميم أدوات مرنة وواقعية تعتمد على الإعلام المستقل، المنصات الرقمية، والمساءلة المحلية لتكون فعالة ومستدامة، وفق العبسي.
من الشكلية إلى الفاعلية: البرلمان كصوت رقابي للشعب
يشدد العبسي على أن البرلمان يمكن أن يتحول إلى صوت رقابي فعلي للشعب من خلال بناء منظومة رقابة برلمانية عملية تشمل: إنشاء لجان دائمة متخصصة (مالية، أمنية، خدمات) بصلاحيات الوصول إلى المعلومات. عقد جلسات علنية ومغلقة لمناقشة أداء الحكومة ومراجعة سياساتها. إصدار تقارير ملزمة بخطط تصحيحية ومتابعة تنفيذها. ممارسة رقابة على الموازنة والإنفاق العام. تعزيز التمثيل والشفافية التشغيلية وتقليص التعيينات التنفيذية. إرساء اتصال دوري مع المواطنين لتعزيز المساءلة العملية”.
ويشدد على أنه إذا ترافقت هذه الصلاحيات التشريعية مع منظومة رقابية مؤسسية وشفافية تشغيلية، يمكن للبرلمان أن يخضع الحكومة للمساءلة العملية لا الخطابية، ويصبح أداة فعّالة لتحويل الرقابة الشعبية إلى عنصر بنائي مستدام في الدولة السورية الجديدة، بما يضمن عدم عودة الرقابة الأحادية التي ميزت مرحلة ما قبل السقوط.










