يبدو لدى العديد من السوريين أن العام الذي تلا معركة “ردع العدوان” قد تحوّل إلى اختبارٍ سياسي واجتماعي وعسكري لبنية الحكم الجديد في سوريا، وللقدرة على تحويل لحظة عسكرية كبرى إلى مسار وطني جامع. وبين ما وُعِد به السوريون من ولادة مرحلة جديدة، وبين ما تكشّف لاحقاً من تعثّر في بناء مؤسسات حوكمة قادرة على جمع الجغرافيا المتناثرة، برز سؤال محوري حول ما بقي من تلك اللحظة التي قُدّمت بوصفها تأسيسية لمسار سوريا الجديدة.
السؤال يُطرح هنا كمحاولة لقراءة حصيفة لمسار عام كامل لم تستطع خلاله السلطة الانتقالية في إنتاج مشروع سياسي قادر على بناء عقد اجتماعي واضح، أو في صياغة قواعد جامعة لإدارة البلاد. وفي الوقت نفسه، لا نستطيع نسيان أو تجاهل أن التحديات التي تواجهها سوريا اليوم هي نتاج تراكمي لسنوات من التصدّع، وهي أكبر من أن تُختزل في حكومة أو فصيل. ومع ذلك، يبقى من المشروع تماماً مساءلة أداء الحكومة الانتقالية عبر منظور مؤسسي، خصوصاً حين يتعلّق الأمر ببناء الدولة.
بعد عام على “ردع العدوان”، تظهر البنى العسكرية بوصفها أكثر الملفات حساسية، فبدل أن تتحول نتائج المعركة إلى رافعة توحّد مراكز القرار العسكري، برزت تباينات وتداخلات في الصلاحيات، وأحيانًا ازدواجية في إدارة العمليات، لا سيما في مناطق شديدة الحساسية مثل مناطق الساحل في آذار الماضي، أو محافظة السويداء في تموز الماضي.
بينما نرى في مناطق الشمال الشرقي من سوريا، أن البيئة الأمنية ما زالت تعمل ضمن تراكيب معقدة تشكّلت عبر سنوات طويلة، حيث تتداخل الهياكل المحلية مع إرثٍ مؤسسي وسياسي لم يُعاد تعريفه بعد ضمن إطار وطني شامل. هذا الواقع لا يعكس خللاً في منطقة بعينها، إنما يعكس غياب رؤية مركزية قادرة على دمج مختلف البنى ضمن منظومة أمنية موحدة. وفي الجنوب، لم تكتمل بعد عملية إعادة تنظيم المشهد بما يسمح بظهور نموذج مستقر للحكم المحلي، فيما يشهد الساحل حالة من الترقب الاجتماعي نتيجة فجوة بين التوقعات الشعبية والمتاح فعليًا على مستوى الإدارة والخدمات. ترتبط هذه التحديات جميعها بغياب صيغة وطنية تضبط العلاقة بين المناطق والسلطة الجديدة، وليس بخصوصيات كل منطقة على حدة.
هذه الظواهر تعبّر أيضاً عن واقع معقد يتجاوز حدود القوة العسكرية إلى غياب رؤية متكاملة لإعادة بناء القطاع الأمني. وهنا يكمن جوهر المسألة، حيث كان من المتوقع أن يشكل العام الأول فرصة لوضع هندسة أمنية جديدة، شفافة وقادرة على استيعاب القوى المحلية ضمن إطار وطني، إلا أن ما ظهر عملياً كان استمرار العمل وفق منطق الحلقات الضيقة، بعيداً عن إعادة هيكلة حقيقية.
على المستوى السياسي، ما تزال البلاد تدار بمنطق الإدارة المغلقة، فلم تُطلق الحكومة الانتقالية مساراً واضحاً للحكم التشاركي، ولم تطرح رؤية دستورية متكاملة تحدد موقع المجتمع والقوى المدنية داخل المشهد الجديد. ومع أن البلاد خرجت من نظام شديد المركزية، فإن غياب مركز سياسي قادر على إنتاج شرعية جديدة جعل العام الأول أقرب إلى إدارة أزمة بدل بناء مرحلة.
هذا الغياب يعكس تحدياً بنيوياً، فلا يمكن لأي سلطة انتقالية أن تستقر ما لم تضع قواعد متفقاً عليها، تحكم العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم. ولأن هذه القواعد لم تتبلور، بقيت السياسة السورية تدور في حلقة مفرغة، تُدار فيها الملفات اليومية الداخلية والخارجية دون مشروع وطني طويل الأمد.
في الشمال الشرقي، ما زالت الهياكل الإدارية والأمنية تعمل ضمن تراكمات طويلة لم يُعاد دمجها بعد في إطار وطني شامل، ليس بسبب ضعف هذه البنى أو قصور المجتمعات المحلية، وإنما نتيجة غياب تصور سياسي واضح يحدد كيفية الانتقال نحو صيغة حكم أكثر توازناً. وفي الجنوب، تظهر الحاجة إلى نماذج اقتصادية وإدارية تتيح للمجتمع المحلي استعادة دوره ضمن منظومة واضحة المعالم. أما الساحل، فتتجلى فيه رغبة متزايدة بأن تتحول وعود التغيير إلى سياسات ملموسة تُحسّن شروط الحياة اليومية.
تجمع هذه المناطق، رغم اختلاف ظروفها، مطلباً واحداً، يتمثل في رؤية سياسية جديدة تتجه نحو لامركزية مدروسة، لامركزية تُقوّي الدولة، لأنها تمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على إدارة شؤونها، وتضمن في الوقت نفسه بقاء سوريا ضمن إطار وطني موحد. إن الحاجة إلى هذا التحول لا تنبع من هشاشة المناطق، ولكن من إدراك متزايد بأن النموذج المركزي التقليدي لم يعد قادراً على استيعاب تنوع البلاد وتعقيداتها.
هناك فراغ سياسي لم تُسدّه السلطة الانتقالية بعد، والمطلوب ليس مركزاً أكثر قوة، بل دولة أكثر توازناً، تُعيد توزيع الصلاحيات بشكل مدروس، وتبني مؤسسات قادرة على تحويل التنوع السوري من مصدر توتر إلى مصدر قوة.
ما بقي بعد عام من “ردع العدوان” هو الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى تحويل تلك اللحظة من شعار إلى منهج. فالمعركة العسكرية التي وحّدت الخطاب حينها تحتاج اليوم إلى مؤسسات توحّد الفعل، وإلى رؤية سياسية تتجاوز منطق الطوارئ. بقي أيضاً حقيقة أن السوريين لا يزالون قادرين على إعادة بناء بلدهم، شرط أن تُفتح أمامهم مسارات المشاركة، وأن تُنتج الحكومة الانتقالية آليات واضحة للمحاسبة، وإعادة هيكلة الأمن، وتفعيل الإدارة المحلية اللامركزية، وصياغة مشروع وطني جامع.
العام الأول لم يشهد تأسيساً كافياً، إنما هو عام كشف ما يجب فعله، وإن كان ثمة سؤال يجب أن يُطرح اليوم فهو: هل يمكن تحويل الدرس الذي كشفته تجربة “ردع العدوان” إلى لحظة تأسيس جديدة، تقوم على التشاركية والشفافية وإعادة بناء الدولة من أسفل إلى أعلى.
هذا السؤال لا يحمّل أحداً وزراً فردياً، لكنه يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة؛ مفادها بأن لا مستقبل لسوريا بلا مشروع جامع، ولا مشروع جامع بلا دولة قادرة على تمثيل جميع أبنائها.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










