“كنت أكتب مثل أي كاتب على الدفتر، وأحس أن كل كلمة أمانة، كل حرف قصة صغيرة”… بهذه الكلمات تصف نور بداياتها بحنين للكتابة التقليدية. لكن المنصات الرقمية لم تكن مجرد وسيلة نشر، بل أصبحت تجربة تفاعلية جديدة، حيث يمكنها رؤية ردود الفعل مباشرة على نصوصها، وتقييم تأثيرها الإيجابي أو السلبي على القراء.
وفي العقد الأخير، شهد المشهد الثقافي السوري تحوّلات جذرية فرضتها الثورة الرقمية، ما أعاد تعريف علاقة المثقف بالقارئ، وأعاد صياغة أساليب النشر، وفتح أبواباً جديدة للانتشار والتأثير.
وأصبح حضور المثقف في الفضاء الرقمي ليس ترفاً، بل ضرورة للبقاء ضمن السياق الثقافي، وسط جمهور يستهلك المعلومات بسرعة هائلة، ويتفاعل مع كل كلمة ونص في لحظة نشره.
في هذا السياق، تتجلى تجربة نور، الكاتبة السورية التي بدأت بكتابة النصوص الأدبية على دفاترها، قبل أن تنتقل إلى النشر الرقمي وصناعة السكربتات، وتجربة أحمد طقش الإعلامي السوري المخضرم، الذي عاش الإعلام التقليدي، وتابع التحولات الرقمية من منبر التلفزيون إلى التفاعل الفوري مع الجمهور على المنصات الرقمية. إلى جانبهم، تلعب وزارة الثقافة السورية دوراً مهماً عبر تصريح الأستاذ عبد الله سعيد، مسؤول الإعلام بالوزارة، الذي يوضح رؤية الدولة في مواجهة تحديات التحوّل الرقمي.
وتقول نور طيارة لـ”963+”: “المنصات غيّرت علاقتي بالكتابة، وأظهرت لي كيف يمكن للكلمة أن تصل فوراً إلى جمهور واسع، وهو أمر لم توفره الطبعة الورقية يوماً”.
مع ذلك، لم تتخل نور عن الكتاب الورقي، بل أصدرت روايتها الأخيرة بشكل ورقي، معتبرة أن لكل شكل من أشكال النشر هويته وأهميته. وتشير إلى أن النشر الرقمي يمثل اليوم نحو 80% من حضور الكاتب المعاصر، لكنه لا يلغي القيمة الجوهرية للكتاب المطبوع.
اقرأ أيضاً: الطربوش الشامي.. حكاية تراث سوري ما زال يقاوم الاندثار – 963+
تتحدث نور أيضاً عن الانتقال إلى كتابة السكربتات لصنّاع المحتوى، بوصفه شكلاً حديثاً من الأدب، لأنه يسمح للكاتب بالتفاعل الفوري مع الجمهور، وقياس أثر النصوص في اللحظة نفسها، ويحوّل شغف الكتابة إلى مصدر رزق، بعكس النصوص الأدبية التي قد تتطلب سنوات دون عائد مادي.
أكبر التحديات التي تواجهها نور اليوم هي تحويل النصوص الأدبية إلى نصوص مرئية، مع الحفاظ على روح النص الأدبي واللغة الشاعرية، دون التضحية بالقدرة على مخاطبة جمهور أوسع. وتؤكد: “الكتاب هو الأساس، والمنصّة صوت الكاتب وصورته… لا يمكن أن يحل أحدهما مكان الآخر”.
المثقف والإعلام بين التجربة التقليدية والرقمية
يُعد الإعلامي المخضرم أحمد طقش مثالاً حياً على صعوبة التوفيق بين القيم التقليدية للإعلام ومتطلبات العصر الرقمي. فقد عاش طقش ثلاث مراحل شكلت هويته: حلب للهوية الفيزيولوجية، ودمشق للهوية الجمالية، ودبي للهوية المهنية.
بعد تقديم أكثر من 2000 حلقة تلفزيونية وإصدار 15 كتاباً، يرى طقش أن الإعلام اليوم يواجه أزمة محتوى: “البرامج العربية ومنصات التواصل تعيش تراجعاً يومياً، معظمها يسعى وراء الإثارة بدل العمق، وهذا يفرض علينا كصحفيين ومثقفين البحث عن أصوات ناضجة، قادرة على توصيل الرسالة الثقافية دون التفريط بالقيم”.
ويضيف لـ”963+”: “الشهرة عبر المنصات لا تغني عن القيمة الفكرية، والمثقف يحتاج لأن يكون حاضراً على المنصات، لكن أساسه الكتاب والرسالة الثقافية”.
طقش يشير إلى أن دور الإعلامي في هذا العصر يجب أن يرتكز على المصداقية والهدوء والابتعاد عن الشائعات، مع مراعاة توجيه محتوى المنصات نحو تعزيز القيم الإيجابية والفضيلة.
دعم الثقافة الرقمية والمحتوى الهادف
من جانبها، تدرك وزارة الثقافة السورية، وفق تصريحات الأستاذ عبد الله سعيد، مسؤول الإعلام، أن التحول الرقمي لم يعد خياراً، بل ضرورة. وتعمل الوزارة على تعزيز حضورها الرقمي من خلال تطوير منصاتها، وإنتاج محتوى متنوع، وتنظيم فعاليات افتراضية، مع التعاون مع صنّاع المحتوى لنشر رسائل ثقافية هادفة تعكس الهوية السورية.
ويؤكد الأستاذ سعيد لـ”963+” أن الوزارة لا تنظر إلى المثقف التقليدي فقط كمراجع، بل ترحب بالمؤثرين الرقميين الذين يمتلكون وعياً ومسؤولية تجاه المجتمع، معتبرة أن المحتوى الجيد هو الذي يصنع المثقف المعاصر، سواء كان نشره عبر الورق أو المنصات.
ويضيف: “التحول الرقمي أتاح ظهور جيل جديد من المثقفين، صحيح أن هناك ضجيجاً رقمياً، لكن وسط هذا الضجيج تظهر أصوات ناضجة تستحق الدعم والاحتفاء”.
اقرأ أيضاً: الشيف رغد سليمان: من مطبخ البيت إلى قلوب الناس – 963+
وتسعى الوزارة كذلك إلى مواجهة المحتوى المضلل أو المبتذل من خلال برامج توعوية، وورش عمل، والتعاون مع الجهات الإعلامية والتربوية، بالإضافة إلى دعم المبادرات التي تروّج للمحتوى الرصين، وتشجيع النقد البناء.
كما أن الوزارة تفكر في إطلاق منصات رقمية تفاعلية لدعم الثقافة السورية، تشمل بودكاست، معارض افتراضية، ومكتبات رقمية، لتكمل التجربة الحية للعروض الثقافية.
وفيما يخص ظاهرة “الكاتب المؤثر” على المنصات، ترى الوزارة أنها فرصة لإبراز المواهب الجديدة، مع التركيز على توجيهها نحو إنتاج معرفي حقيقي يحافظ على الأصالة والهوية الثقافية.
المزج بين الأصالة والمعاصرة
تتلاقى تجارب نور طيارة وأحمد طقش مع رؤية وزارة الثقافة في نقطة واحدة: الحفاظ على أصالة الكتابة والهوية الثقافية السورية، مع مواكبة العصر الرقمي. المنصات الرقمية ليست عدواً الثقافة، بل أداة لتعزيزها، إذا ما أحسن استخدامها.
ويمكن تلخيص واقع المثقف السوري اليوم بثلاث كلمات رئيسية: التكيف مع سرعة انتشار المحتوى، والوعي بنوعية الرسالة الثقافية، والحفاظ على الأصالة في الشكل والمضمون.
المثقف السوري لم يعد يكتب فقط ليقرأه القليل، بل ليصل نصّه إلى جمهور واسع، ويتفاعل معه، ويقيس أثره، بينما تبقى الورقة والكتاب حجر الأساس لهويته ومصداقيته.
اليوم، يعيش المثقف السوري مرحلة انتقالية صعبة، لكنها غنية بالفرص. بين نصوص الورق، ورؤية الإعلاميين التقليديين، وتجربة الكتاب الرقميين، واهتمام وزارة الثقافة بالمحتوى الرقمي، يظهر أن الثقافة السورية قادرة على الصمود والانتشار، إذا ما تم توظيف أدوات العصر بحكمة.
إنها دعوة لكل المثقفين: الكتاب هو الأساس، والمنصّة هي الصوت الذي ينقل رسالتك للعالم، والمحتوى الجيد هو ما يصنع الفارق بين الضجيج والثراء الثقافي الحقيقي.
وفي ظل هذا المزيج من التجارب الفردية والرؤية الرسمية، يب قى المستقبل للمثقف السوري الذي يعرف كيف يوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين الورق والشاشة، بين العمق والسرعة، وبين الإبداع والمسؤولية المجتمعية.










