“الطربوش كان علامة وقار وهيبة… وكان البشوات بدمشق يحرصون عليه، ثم انتشر بين الناس، وأصبح جزءاً من صورة رجال الشام”، هكذا يفتتح الحرفي أبو سليم مظلوم حديثه لـ”963+” وهو يصف علاقة الدمشقيين بأيقونة الزي الشامي.
ويؤكد مظلوم أنّ الطربوش السوري ليس زينة فحسب، بل “جزء متجذّر من الهوية الشامية”، مضيفاً أن بقاءه حتى اليوم لم يأتِ من فراغ: “حافظ على مكانته لأن الناس أحبّوه. كان جزءاً من حياتهم اليومية، ومن هذا الحب جاءت رغبتهم بأن يبقى حياً”.
وعن الفروقات بين الطرابيش، يوضح: “الطربوش الشامي أعلى من التركي، وله حضور وهيبة. كل منطقة لها طرازها، لكن الطربوش السوري يتميز بطوله وشكله”.
ويكشف أن الصناعة اليدوية كانت تستغرق نحو 24 ساعة من العمل المتقن، وأن أصعب مرحلة هي “الكعب” التي تحتاج مهارة كبيرة، مشيراً إلى أن كثيراً من المعدات القديمة اختفت، ما جعل الصناعة تعتمد على طرق ومواد جديدة.
اقرأ أيضاً: الكاتبات السوريات.. حين تتحدى الكلمة حدود الرقابة – 963+
ويختم رسالته للشباب: “أتمنى أن نرجع نعلّم الأجيال معنى الطربوش والشملة والصدرية. التراث ليس لباسًا فقط… التراث روح”.
في قلب دمشق القديمة، وبين أزقتها الضيقة وأسواقها التي تحمل عبق التاريخ، كان الطربوش الأحمر جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي للحياة الشامية. لم يكن مجرد غطاء للرأس، بل رمزاً للهيبة والوجاهة والانتماء.
فمنذ القرن التاسع عشر، ارتبط الطربوش بالزي الرسمي للرجال، فكان البكوات والبشوات والعلماء يرتدونه باعتزاز، وتفاخر العائلات الدمشقية بطرابيشها المصنوعة بإتقان والمطرزة بخيوط حريرية أو ذهبية، حتى أصبح رمزاً اجتماعياً ومعنوياً يعكس مكانة من يرتديه وثقافة أسرته.
وانتشر الطربوش في بلاد الشام مع الحكم العثماني، وتطورت صناعته وتصميمه عبر العقود. ورغم اختلاف الروايات حول أصله ـ بين من يقول إنه نشأ في المغرب العربي ومن ينسبه للعثمانيين ـ إلا أنّ المؤكد أنه أصبح عنصراً ثابتاً من الهوية السورية، بألوانه وطرزه وطرابيشه الطويلة التي ميّزت الرجل الدمشقي.
ومع الزمن، تحول شكل الطربوش ولونه وارتفاعه، فكان السوري أطول من المغربي والتركي، ويُرتدى أحياناً بطريقة تكشف مزاج صاحبه: الخلفية للمزاج الهادئ والاتجاه الأمامي للدلالة على الغضب.
ومع تغيّر أنماط الحياة في القرن العشرين، بدأ الطربوش يفقد حضوره في الحياة اليومية، لتختفي ورش كثيرة كانت تعتمد على صناعته. لم يبقَ من الطربوش اليوم إلا ما يظهر في الدراما السورية والمناسبات التراثية، وبعض المهن التي حافظت على هويتها، مثل باعة العرقسوس.
ومع ذلك، بقيت صناعة الطربوش واحدة من أكثر الحِرف دقة، إذ تعتمد على الجوخ أو القش المغربي، وعلى القوالب الصلبة والشرابة السوداء. وكانت العملية التقليدية تستغرق ساعات طويلة من قص وتفصيل وكبس وتجفيف وتركيب.
اقرأ أيضاً: الشباب السوري والابتكار: ضرورة لا خيار – 963+
وفي محاولة لإحياء هذه الذاكرة، عادت دمشق قبل سنوات للاحتفال بـ”عيد الطربوش”، حيث يرتدي المشاركون الأزياء الدمشقية القديمة، ويستعيدون طقوس الحكواتي والإنشاد والرقصات التراثية، في مشهد يعيد للمكان شيئاً من دفئه القديم. ومع ذلك، تبقى هذه الصناعة مهددة بالاندثار، في ظل ارتفاع أسعار المواد وتراجع الطلب، ما يجعل الحفاظ عليها واجباً ثقافياً أكثر من كونه مجرد فعل صناعي.
ويؤكد الحرفي خالد مصبّاح السقّا، عضو شعبة المهن الوراثية سابقاً، لـ”963+” أنّ غرفة المهن التراثية تلعب دوراً محورياً في إنقاذ المهن التي شارفت على الاندثار، وعلى رأسها الطربوش الدمشقي. ويضيف: “لم نعد نرى الطربوش اليوم إلا في مهن قليلة مثل بائع العرقسوس، بينما كان فيما مضى جزءاً من الحياة اليومية للرجال في دمشق”.
ويشرح السقّا أن تميّز الطربوش السوري يكمن في طريقة صناعته: “خياطته تكون بالنفخ على ماكينة حرارية خاصة، وهذا ما يعطيه متانته. أما الطربوش المغربي فهو أقصر قليلاً، ومعظم الطرابيش تصنع من المخمل الخمري وقد تُطرّز بخيوط الذهب”.
ويضيف أن الطربوش القش من أغلى الأنواع وأصعبها: “يحتاج أربعة أيام كاملة لصناعته ودقة عالية، وهو من أجمل الطرابيش النفخ”.
لكن الظروف الاقتصادية أثرت بشدة على استمرار الحرفة، إذ أصبح الإقبال قليلاً جداً بسبب ارتفاع أسعار المواد. ويرى السقّا أن إعادة إحياء الطربوش تبدأ بالتوعية: “لازم نعرّف الجيل الجديد على قيمة الطربوش ومعناه. سابقاً لم يكن يلبسه إلا أصحاب المكانة العالية ـ البكوات والبشوات”.
ويختتم برسالة محبة للتراث السوري: “أصل الطربوش عثماني، لكنه اليوم جزء مكمل للزي العربي. وندعو الله أن يوفقنا جميعاً في إحياء التراث لأنه هويتنا”.










