“الجرأة لا تأتي وحدها، بل مرتبطة بالرسالة والفكرة.. في الكتابة تأتي الرسالة أولاً، والجرأة وسيلة، وليست هدفاً”، بهذه العبارة تختصر الكاتبة والإعلامية ميشلين وهبي معادلة دقيقة يعيشها كثير من الكاتبات السوريات اليوم: كيف يكتبن بجرأة دون أن يفقدن البوصلة الأخلاقية أو الجمالية؟ وكيف يحافظن على صدق التجربة وسط رقابة تتبدل أشكالها بتبدّل الزمن؟
فلم تعد الكاتبة السورية مجرّد ظلّ لصوتٍ ذكوري أو تابع لمدرسة فكرية تقليدية، بل باتت تكتب عن الحرب والحبّ، عن الغربة والذاكرة، عن البيوت التي خلت من أصحابها، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد سواها. تكتب بشغفٍ وخوفٍ في آنٍ واحد، لكنها تكتب دائمًا بصدق.
وكان لـ”963+” سلسلة لقاءات مع عدد من الكاتبات والكتّاب السوريين، للحديث بصراحة عن مفهوم الجرأة في الكتابة، وحدود الرقابة، والفروق بين صوت المرأة والرجل في الأدب، وكيف أصبحت الكاتبة السورية اليوم جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي الذي يعكس نبض المجتمع وتحولاته.
اقرأ أيضاً: من الزيوت العطرية إلى لغة الإشارة.. مشروع الأم والابنة لشفاء وتعليم الأطفال – 963+
الكتابة بين التجربة والجرأة
تؤمن ميشلين وهبي أن لكل كاتبة تجربتها الخاصة التي تشكّل ملامح نصّها، وتقول لـ”963+”: “كل كاتبة هي حالة مستقلة تعكس ظروفها وحياتها الخاصة. السفر والاغتراب تجربة شاقة، لكنها تُغني الكاتب وتفتح أمامه آفاقاً جديدة. وأعتقد أن تجارب الهجرة التي عاشتها الكاتبات السوريات مؤخراً أضافت تنوّعاً وغنى للنتاج الأدبي السوري”.
لكن وهبي ترفض أن تكون “الجرأة” معياراً للجودة الأدبية: “الجرأة ليست هدفاً بحدّ ذاتها، بل وسيلة لخدمة الفكرة. الكتابة أدب، والأدب يهذّب ويعبّر، لا يصدم”.
من جانبه، يرى الكاتب قاسم الويس في تصريحات لـ”963+” أن دافع الكاتبة لطرق موضوع حساس لا يرتبط دائماً بتجربة شخصية، بل أحياناً يكون ردّ فعل على الواقع الاجتماعي أو محاولة لفهمه: “نكتب لتسليط الضوء، لا لمجرد البوح. المهم أن يكون في النص هدف وعبرة، وأن يفتح للقراء نافذة نحو وعيٍ أوسع”.
اقرأ أيضاً: الصحافة النسائية في سوريا: رحلة من صالونات الأدب إلى ميادين الإعلام – 963+
الرقابة… بين الماضي والحاضر
وحول سؤال: هل ما زالت الرقابة عائقاً أمام الكاتبة السورية؟.. لا ترى وهبي ذلك: “لسنا في زمن تحكمه الرقابة كما في الماضي. بعض الضوابط ضرورية وتحمي الذوق العام. الكاتب الذكي قادر على تمرير فكرته بذكاء كما فعل الأدباء عبر العصور”.
أما الويس فيؤكد أن التقييم يجب أن يكون للنص لا لصاحبه: “الرقابة القديمة كانت صارمة وتضع خطوطاً حمراء كثيرة، أما اليوم فالعمل يُحاكم على فكرته لا على هوية الكاتب أو الكاتبة”.
الجرأة… بين الحرية والمسؤولية
الجرأة في الكتابة ليست انكشافاً فحسب، بل مسؤولية أيضاً. إذ يقول الويس: “الجرأة لا ينبغي أن تتحول إلى استفزاز أو صدمة. يجب أن تخدم الفكرة وتبقى ضمن ضوابط تحترم تنوع المجتمع”.
وتوافقه وهبي الرأي، مضيفة أن على الكاتب أن يكون شجاعاً في طرحه دون أن يسقط في فخ “الترند”.
أما الممثلة ميريانا معلولي فترى في تصريحات لـ”963+” أن الجرأة في الفن ضرورة: “الجرأة تمنحنا شجاعة النظر إلى مشاكلنا كما هي. لكنها تحتاج إلى وعيٍ واحترام، لأن المجتمع لا يفرّق دائماً بين الجرأة والوقاحة”.
المرأة والكتابة… اختلاف لا تفاضل
هل يختلف قلم المرأة عن الرجل؟ يجيب الويس: “العمل الأدبي يُقيَّم بفكرته ورسائله، لا بجنس صاحبه. لكن لا شك أن الكتابة النسائية اليوم تقدم أعمالاً أكثر قرباً من الحس الإنساني والعاطفة”.
وترى وهبي أن لكلٍّ من الرجل والمرأة بصمته الخاصة: “المرأة أكثر قرباً من التفاصيل والمشاعر، والرجل أكثر حدّة وصرامة. كلاهما ضروري ليكتمل المشهد الإبداعي”.
وتضيف معلولي أن الجمع بين الحسّين، العاطفة والصرامة، يخلق توازناً جميلاً في النصوص الدرامية والأدبية.
اقرأ أيضاً: امرأة لسوريا وامرأة للعائلة: صدام هويات في زمن التغيير – 963+
من الكلمة إلى التغيير
يؤمن الويس بأن الطريق نحو التغيير الاجتماعي لا يزال طويلاً، لكنه يبدأ من الكلمة: “على الكاتب والكاتبة أن يعززا قيم التفاهم والاحترام. الوعي لا يُفرض، بل يُبنى بالحوار والصدق”.
وترى وهبي أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الكاتبات فرصة أوسع للظهور، لكنها حمّلتهنّ مسؤولية أكبر أمام الجمهور، وتختم برسالة للجيل الجديد: “الأصالة هي الفارق الحقيقي. الجرأة من أجل الشهرة لا تصمد طويلاً، أما الكتابة الصادقة فهي التي تبقى”.
وتؤكد ميريانا معلولي أن الكلمة الجريئة يجب أن تكون أداة للتغيير لا للإثارة: “مجتمعنا غنيّ بالقصص التي تستحق أن تُروى. علينا أن نمنحها الضوء لتُحدث فرقاً في وعي الناس وسلوكهم”.
وبين كاتبة تخوض معركتها مع الكلمة، وممثلة تمنحها صوتاً على الشاشة، وكاتبٍ يرى في الجرأة مسؤولية قبل أن تكون حرية، تتشكّل ملامح مشهدٍ إبداعيٍّ سوريٍّ جديد.
مشهدٌ تكتب فيه النساء واقعاً يعاد تعريفه من جديد، وتصبح فيه الكلمة الصادقة.. أصدق أفعال الشجاعة.










