لم تكن رغد سليمان مجرّد امرأة دخلت عالم الطبخ من باب الصدفة، ولا أمّاً تبحث عن مساحة ترفيهية بين مسؤوليات البيت، بل تجربة حيّة لامرأة آمنت بأن الشغف يستطيع أن يتحوّل إلى مشروع حقيقي، مهما كانت الظروف المحيطة معاكسة.
وخلال حوار لـ”963+” معها كانت ملامح الشيف رغد تشع بالطمأنينة. ابتسامة ثابتة، حركة يدين تشبه حميمية الأمّ وهي توضّب مائدة، ونبرة هادئة توحي بأن صاحبتها اعتادت أن تحوّل الفوضى اليومية إلى طعام يلمّ شمل العائلة.
وبدأت الحديث معنا بجملة تصف نفسها: “أنا أمّ طموحة، رغم الظروف والمسؤوليات، استطعت أن أخلق من مطبخي محتوى يصل إلى قلوب الناس.” هكذا ببساطة، تختصر رغد رحلتها بكلمات قليلة، لكنها تحمل الكثير ممّا جرى خلف الكواليس.
رغد التي درست الأدب الفرنسي، لم تكن تتوقع أن ينتهي بها المطاف خلف الكاميرا، ممسكة بمضرب، أو تقطع الخضار على لوح خشبي صغير.
تسألها عن اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء، فتتنهد وكأنها تستعيد مشهداً لا يُنسى: “حين وجدت نفسي أستمتع بما أقوم به… تلك المتعة العميقة التي تشعرين معها أن الأمر ليس هواية، بل مشروع عمر. المتعة الأكبر كانت حين اكتشفت أن ما أصنعه بحب يصل للناس بنفس الشعور”.
كانت تلك الجملة كافية لتفهم أنك أمام شخص لم يبحث عن الشهرة، بل جاءت إليه لأنها كانت نتيجة طبيعية للصدق.
اليوم، منصّات الطبخ تعجّ بالأسماء، كل يوم يولد صانع محتوى جديد، وكل وصفة لها ألف نسخة. تبتسم رغد حين تسألها عن بصمتها الخاصة، وتقول: “الوصفة التي تصنع الفرق ليست مكتوبة، بل تُشعر. أسلوبي وطريقة تقديمي هما ما يجعل أي وصفة—even لو قام بها الكثيرون—تنتمي إليّ”. فإنها تؤمن أنّ الطبخ ليس نقل خطوات، بل نقل روح.
وتُعرف رغد بعفويتها، فهي ليست من صنّاع المحتوى الذين يلمّعون كل تفصيل. لا مثالية في إطلالاتها، ولا مشاهد مصطنعة. ورغم ذلك، يبقى محتواها مهنياً وجذاباً.
تشرح ذلك: “أحاول قدر المستطاع أن أكون أنا… بلا تصنّع ولا مثالية، لكن مع المحافظة على جودة المحتوى. التوازن ليس سهلاً، لكنني أعتبره جزءاً من هويتي”.
وكان لافتاً حديثها عن الأمومة، ذلك الهاجس الأول لدى أي امرأة عاملة. تقول بثقة: “الأمومة مليئة بالتحديات والتنازلات… لكن بالنسبة إليّ، أولادي كانوا الدافع الأول وليس العائق. هم السبب الذي جعلني أكمل بشغف”.
عندما تسألها: ماذا تريدين أن يتذكر أطفالك حين يكبرون؟ تجيب بلا تردد: “أريدهم أن يكونوا فخورين بي… ألا يتذكروا أنني طبخت فقط، بل أنني صنعت عالماً من لا شيء، وقدمت شيئاً يترك أثراً”.
بالحديث عن الأعمال، تستعيد رغد أصعب يوم مرّ عليها خلال خمس سنوات من الاستمرارية. لم تذكر يوماً محدداً، بل حالة عامة تتكرّر: “كلنا نمرّ بلحظات نقول فيها: خلاص.. بدي وقف. خاصة حين تكونين أمّاً، تتضاعف المسؤوليات. لكن الذي كان يوقفني هو أنني أحب ما أقدمه.. محتواي كان استراحتي من ضغوطات الحياة”.
وعن انطلاقتها عبر فيسبوك، تتحدث: “على فيسبوك أشعر أنني في بيتي، بين أهلي وناسي… أمي وجدّتي والستات الكبار بجانبي. يتعاطفون وينتقدون بحب وخوف عليّ”.
أما إنستغرام فهو الجمهور الذي يهتم بالتفاصيل الجمالية، بينما يوتيوب يضمّ الباحثين عن الفائدة والتجربة الحقيقية.
وحين يُقال إن صناع المحتوى يربحون بسرعة، تضحك رغد وتردّ: “الربح كان متأخراً جداً بالنسبة إليّ… بعد سنوات طويلة من التعب والتكاليف. لا شيء يأتي بلا جهد”.
ثم تضيف: “الربح الحقيقي ليس المال، بل أن تشعري أن تعبك وصل… وأن الناس تثق بك”.
ولكل مشروع لحظة مكافأة معنوية، لحظة تقول فيها: “نجحت”. بالنسبة لرغد، كانت تلك اللحظة في أوّل وصفة صوّرتها: “حين رأيت التفاعل، وكيف جرب جمهوري الوصفة وأحبوها.. عرفت أنني على الطريق الصحيح”.
وحين تنتقل للحديث عن رسالتها، يتضح أن الطهي لديها ليس وصفات فقط: “أحب أن أوصل فكرة أن الطبخ والأمومة ليسا ضغطاً أو واجباً أو مثالية… يمكنهما أن يكونا وقتاً جميلاً وطريقة للتعبير عن الحب. رسالتي ببساطة: نعيش ضمن قدراتنا، بالطريقة التي نجدها مناسبة ومريحة”.
وعن المضايقات أو الحروب بين صنّاع المحتوى، تقول: “لا أرى أنني تعرضت لمحاربة… لكن المضايقات موجودة على السوشال ميديا. أحاول الاستفادة من أي شيء سلبي لتطوير نفسي”.
أما عن سبب عدم عرض حياتها الشخصية، فتجيب: “هناك جانب أحب أن يبقى خاصّاً… يمثل مساحتي الشخصية وراحتي”.
وتؤكد رغد احترامها لصنّاع المحتوى السوريين، وتقول إنها منفتحة على التعاون: “أحب أن أتعاون مع أولاد بلدي ونقدم شيئاً جميلاً مع بعضنا البعض”.
وتعود إلى البدايات، إلى اللحظة التي خطرت فيها فكرة صناعة المحتوى: “كنت خائفة ألا يتقبلني الناس… وأن أدواتي البسيطة لا تكفي. الخوف كان حقيقياً، لكنه لم يمنعني”.
وعن تقليد صانعات المحتوى بعضهنّ، تجيب: “التقليد موجود… لكن مهما كثرت النسخ، يظل أسلوب كل شخص وطريقته هما ما يجذب الجمهور”.
وتروي بحنين الطبخة التي ترى فيها حكايتها الشخصية: “الكيك المحشي… حضّرته بعمر ١٥. نجاحه أعطاني ثقة كبيرة”.
وعن مدى معرفة الجمهور لها، تقول: “يعرفون جانباً كبيراً من شخصيتي… لكن يبقى جزء خاص أحب أن يظل بعيداً”.
أما أكثر جملة أزعجتها فهي المقارنة: “أكثر شيء يضايقني حين تتم مقارنتي بغيري… لأن لكل شخص طريقه”.
وحول الضغط بأن تكون مثالية، تعترف: “نعم، هناك ضغط… لكن أحاول أن أواجهه بأن أكون على طبيعتي، حتى لو أخطأت”.
وعن نظرة المجتمع لنجاح المرأة، خاصة الأم، تشرح: “ما زال هناك نقد… خصوصاً حين تكون الأم تعمل. يتهمونها بأنها تأخذ من وقت أطفالها. لكن دعم العائلة والزوج يصنع فرقاً هائلاً”.
أما عن إدارة وقتها بين مطبخ وبيت وتصوير وتربية، فتقول: “التنظيم مهم جداً… لكن يجب التخلي عن السعي للكمال لأنه مرهق جداً”.
ولا تخفي لحظات التعب: “حين أتعب… أتوقف قليلاً. أقضي وقتاً مع عائلتي. كلنا نحتاج فاصل لنعود بطاقة أقوى”.
وحين تسألها عن مستقبلها، هل تفتح مطعماً أو تصدر كتاب وصفات؟ تبتسم: “أحب الفكرة… وإن شاء الله الله يختار لنا الخير”.
وتكشف عن خططها القادمة: “أعمل على محتوى بصري أقوى وأكثر احترافية… من دون التخلي عن العفوية التي يعرفني بها الناس”.
وخلال الحوار، شاركتنا رغد تعليقاً أثّر بها، ألا وهو: “إنتِ بتذكّريني بأمي وقت تطبخ”، ووصفته بأنه حقيقي وعميق، لافتة إلى أن أكثر تعليق جرحها جعلها أقوى، وكل كلمة قاسية وجهت لها من الجمهور جعلتها تراجع نفسها وتثبت أكثر.
وعن لحظات فقدان الحماس، تقول: “كل مرة كنت أفكر أوقف… يجي تعليق بسيط أو تجربة من متابع يعيد لي الشغف”.
ولو عاد بها الزمن، هل تختار الطريق ذاته؟ تجيب بحزم: “أكيد… بل سأدخله بحماس أكبر. هذا الطريق جعلني أعرف نفسي”.
وتختم حديثها بنصيحة لكل فتاة خائفة من كلام الناس ونظرتهم: “ابدئي… ودعي عملك ونجاحك يردّ عنك”.
أما عن أكبر أخطاء صنّاع المحتوى اليوم، فتقول: “التقليد… والمبالغة. الناس تريد الحقيقة والبساطة، لا التصنّع”.










