في الصباح الباكر، قبل أن يزدحم سوق الخضار في عامودا إلى الغرب من مدينة القامشلي، بالباعة والمتسوقين، تصل هناء إلى مكان عملها. ترتّب مناديلها على كتفها، ثم تبدأ برفع صناديق البطاطا والبصل بيديها المتشققتين. يعرفها الجميع اليوم باسم “هناء الحديدية”، لكن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلاً. فهذه المرأة الثلاثينية التي فقدت زوجها فجأة، وجدت نفسها أمام مسؤولية أطفال ثلاثة دون مصدر دخل أو شهادة أو سند. إلا أن ما كانت تملكه كان أعظم من كل ذلك: إرادة لا تنكسر.
تقول هناء لـ”963+”: “بعد وفاة زوجي، وجدت نفسي أمام خيارين: إما أن أستسلم للفقر، أو أن أواجه الحياة بيديّ العاريتين. اخترت الطريق الأصعب، وبدأت أعمل كعتّالة في سوق الخضار. في البداية، لم يصدق أحد أنني قادرة على حمل صناديق البطاطا والبصل. كانوا يضحكون، يتهامسون، وبعضهم كان يرفض أن يعطيني عملاً. لكنني كنت أعود كل يوم، أطلب فرصة، وأثبت نفسي. كانت آلام ظهري لا تطاق، ويدي تتشقق من كثرة الحمل، لكنني كنت أرى في عيون أطفالي ما يجعلني أستمر. اليوم، يعرفني الجميع في السوق. لم أعد “المرأة الغريبة”، بل أصبحت “هناء الحديدية”. أنا فخورة بأنني كسرت الصورة النمطية، وأثبت أن المرأة قادرة على كل شيء”.
تجربة هناء ليست حالة فردية، بل جزء من ظاهرة اشتدت خلال السنوات الأخيرة مع الأزمة الاقتصادية وتراجع مصادر الدخل. فقد دخلت نساء كثيرات إلى مجالات عمل كانت تُعد حكراً على الرجال، مثل المستودعات، ومحال مواد البناء، والعمل في العتالة، وحتى الأعمال الصناعية الثقيلة. هذا التحول يعكس ضغط الحاجة، لكنه يكشف أيضاً عن قدرة المرأة على إعادة تعريف دورها الاجتماعي حين تدفعها الحياة إلى ذلك.
وفي السياق ذاته، تحكي هنادي قصتها مع العمل في مصنع للمنظفات. تقول لـ”963+”: “كنت أعمل في مصنع تعبئة المنظفات. كنت أقضي ساعات طويلة وسط الروائح القوية والمواد الكيميائية، أرتدي كمامة وأقف لساعات دون راحة. لم يكن الأمر سهلاً، خاصة أنني كنت الوحيدة بين عشرات الرجال. واجهت صعوبات لم أكن أتوقعها. لم يكن جسدي مهيأ لهذا النوع من العمل، وبدأت أعاني من حساسية جلدية مزمنة، ثم التهابات في الجهاز التنفسي.
وتضيف: “الأطباء قالوا لي إنني بحاجة لتغيير بيئة عملي فورًا، لكنني لم أكن أملك خيارًا آخر. كنت أحتاج هذا الراتب، مهما كان صغيراً، لأدفع الإيجار وأشتري الطعام. في المصنع، لم يكن هناك من يهتم بما أشعر به. كانوا يقولون: “إذا ما بتقدري، في غيرك بيقدر”. كنت أبتلع الألم، وأعود في اليوم التالي. لكن جسدي بدأ ينهار. في أحد الأيام، فقدت الوعي أثناء العمل، وسقطت أرضًا بين الصناديق. لم يسأل أحد عني، فقط نقلوني إلى الخارج وقالوا لي: خذي إجازة، وراجعي وضعك. ما أعرفه هو أنني حاولت بكل ما أملك من قوة. لكن أحياناً، لا يكفي أن نحلم. أحيانًا، الواقع أقسى من أن يُهزم بالحلم وحده”.
وحول ذلك، تؤكد الناشطة الاجتماعية سينار عبد الباقي والمقيمة في القامشلي، أن دخول النساء هذه المهن ارتبط بشكل وثيق بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية خلال الحرب.
تقول لـ”963+”: “حضور المرأة السورية في المهن التي كانت تُصنّف سابقاً على أنها رجالية بات أكثر وضوحاً بعد الحرب. كثير من النساء بدأن يشغلن وظائف لم تكن مألوفة لهن قبل الأزمة، مثل قيادة سيارات الأجرة، خدمات التوصيل، تعليم القيادة، العمل كنادلات، وحتى قيادة الحافلات الصغيرة. كما دخلت النساء مجالات الأمن والشرطة، وصرنا نراهن في الإشارات أو في حراسة المؤسسات”.
وتضيف أن هذا التحول بدأ يلقى قبولاً تدريجياً في المجتمع، خاصة حين تفضّل بعض النساء التعامل مع سائقات نساء أو موظفات نساء لأسباب تتعلق بالراحة والأمان.
وترى عبد الباقي أن التحديات التي تواجه النساء لا تقتصر على الجهد البدني، بل تشمل ضغوطاً نفسية واجتماعية كبيرة. وتقول: “هناك نظرة مجتمعية سلبية تقول إن هذه الأعمال لا تليق بالمرأة. كثير من النساء يضطررن لإثبات أنفسهن أكثر من الرجل. كما أن كثيراً منهن لا يحصلن على الدعم من أسرهن أو محيطهن. لكن كل امرأة تخوض هذه التجربة تفتح الباب لغيرها وتغيّر المفهوم السائد بالتدريج”.
من جانب آخر، تشير الكاتبة والباحثة مايا البوطي إلى أن مشاركة المرأة في سوق العمل ليست مجرد وسيلة لكسب الدخل، بل خطوة أساسية للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
وتقول البوطي لـ”963+”: “غياب قوانين تحمي النساء من التمييز والتحرش، وعدم المساواة في الأجور وفرص الترقية، كلها عوامل تعيق مشاركة النساء. لكن وجودهن في سوق العمل يمنحهن حرية واستقلالية وقدرة على اتخاذ قرارات حياتية، كما يسهم في دعم الأسرة وتحسين وضعها الاقتصادي، ويعزز من تطور المجتمع نفسه”.
وهكذا، يتضح أن دخول المرأة إلى المهن الذكورية ليس مجرد انتقال إلى مجال عمل جديد، بل هو معركة يومية مع الجسد، والمجتمع، والظروف الاقتصادية، والحاجة. ومع كل امرأة تحمِل صندوقاً، أو تقود حافلة، أو تقف في مصنع، ينكسر جزء من الجدار القديم الذي كان يحصر دور المرأة. السؤال الذي يبقى: هل سيأتي يوم تصبح فيه هذه الأعمال مجرد “أعمال” لا تحتاج إلى توصيف جنساني؟ الوقت وحده سيجيب، لكن النساء اليوم يكتبن الإجابة الأولى بأيديهن.










