“التسعيرة مجحفة وغير منطقية مقارنة بالدخل والرواتب، وستؤدي إلى رفع الأسعار وتكاليف الإنتاج، ما يُخرج المنتجين الصغار من السوق ويزيد البطالة”. هكذا عبّر أحد السوريين عن غضبه من قرار رفع أسعار الكهرباء الذي بدأ تطبيقه في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات محلية، موجة استياء واسعة، عبّر فيها السوريون عن خشيتهم من انعكاس القرار على تكاليف المعيشة التي باتت تفوق قدرتهم على التحمل، في بلد يعاني منذ سنوات الحرب من ضعف القدرة الشرائية وتضخم متسارع.
وقال أحدهم ساخراً: “لا تصرفوا كهربا… ولا تشغّلوا إلا الضروري في البيت”.
وأضاف ثالث: “المشكلة ليست في السعر، بل في الدخل؛ فالكهرباء رخيصة نسبياً لكنها تستنزف نسبة كبيرة من دخل المواطن مقارنة بالدول المجاورة”.
وعبّر آخرون لـ”963+” عن استياء واسع من ارتفاع الفواتير، التي قد تتجاوز نصف راتب الموظف، معتبرين القرار “كارثة اقتصادية” تزيد الفقر وتضع الأسر أمام خيارات صعبة.
وقال أحدهم: “الفاتورة الجديدة قد تتجاوز نصف الراتب… كيف يعيش الموظف من بقية دخله؟”
في المقابل، أشار البعض إلى أن القرار قد يشجع استخدام الطاقة الشمسية، بينما ربط بعضهم الأمر بضرورة التزام الحكومة بزيادة الرواتب لتعويض الارتفاع، وهو ما لم يتحقق بعد.
وتعكس هذه التعليقات شعور السوريين بأن رفع الأسعار جاء في وقت لا يتحسن فيه الواقع الكهربائي، مع استمرار ساعات التقنين الطويلة واعتمادهم الكبير على مولدات “الأمبير” باهظة الكلفة لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
قرار الحكومة وتبريراته
قررت الحكومة السورية الانتقالية رفع تعرفة الكهرباء ضمن خطة “إصلاح القطاع”، معتبرة أن هذه الخطوة ضرورية لمواجهة الخسائر السنوية الكبيرة التي تُقدّر بمليار دولار، وتحسين استقرار الكهرباء وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار في القطاع.
وأكد مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد سليمان، أن القرار يشمل المؤسسات الحكومية التي تستهلك نحو 30% من الإنتاج الكهربائي لتدفع من ميزانياتها الخاصة، فيما ستُستخدم زيادة الإيرادات لتحسين شبكات النقل والتوزيع وتأمين الوقود اللازم للتوليد.
وغرد وزير الطاقة محمد البشير على منصة “إكس”: “يُعد تعديل التعرفة خطوة أولى وأساسية في مسار إصلاح منظومة الكهرباء في سوريا، لتحسين كفاءة القطاع واستدامتها”، مشيراً إلى إجراءات مستقبلية تشمل تركيب العدادات الذكية وزيادة القدرة الإنتاجية وتقليل الفاقد الفني والتجاري.
من جهته، صرّح وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار بأن الهدف من الرفع هو “تصحيح سياسات قديمة” وبناء قطاع طاقة مستدام، مؤكداً أن الدولة بدأت برفع الأجور في القطاع العام، وتعمل على زيادة رواتب القطاع الخاص لمساعدة الأسر على التكيّف مع الأسعار الجديدة.
الارتفاع الكبير في الأسعار
تُظهر المقارنة بين الأسعار القديمة والجديدة مدى القفزة الكبيرة التي شهدها القطاع الكهربائي: “قبل الحرب: سعر الكيلوواط الساعي ضمن شريحة (0–600 ك.و.س) كان 10 ليرات سورية فقط. عام 2023: ارتفع إلى 150 ليرة سورية. الآن في 20.25: بلغ السعر 600 ليرة سورية”.
أما الشريحة الثانية (601–1000 ك.و.س)، فارتفع سعر الكيلوواط من 25 ليرة قبل الحرب إلى 450 ليرة عام 2023، ثم إلى 1400 ليرة وفق التعرفة الجديدة، ما يعني تضاعف السعر في الشريحة الأولى المدعومة بنحو 60 مرة مقارنة بالسعر القديم.
وأعادت الحكومة هيكلة الشرائح لتقتصر على شريحتين أساسيتين فقط، مع بقاء دعم بنسبة 60% للاستهلاك المنزلي حتى 300 ك.و.س، فيما تتراوح أسعار الكهرباء الصناعية والتجارية بين 1700 و1800 ليرة سورية للكيلوواط الساعي.
تعرفة الكهرباء الجديدة
أعلنت وزارة الطاقة أن التعرفة الجديدة جاءت ضمن خطة “إصلاح القطاع”، وتوزعت كالآتي: “الشريحة الأولى (ذوو الدخل المحدود): أقل من 300 ك.و.س بسعر 600 ل.س للكيلوواط. الشريحة الثانية (الدخل المتوسط): بسعر 1400 ل.س للكيلوواط. الشريحة الثالثة (المؤسسات الحكومية والشركات): بسعر 1700 ل.س للكيلوواط. الشريحة الرابعة: (المعامل): بسعر 1800 ل.س للكيلوواط”.
الواقع الكهربائي بالأرقام
تقدّر حاجة سوريا من الكهرباء بنحو 7 آلاف ميغاواط، فيما يبلغ الإنتاج الفعلي نحو 2200 ميغاواط فقط بسبب نقص الوقود والغاز اللازم للتوليد. وتنتج البلاد حوالي 6 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، وهي كمية غير كافية لتشغيل المحطات بكامل طاقتها.
وتعاني المحافظات من تهالك شبكات النقل والمحولات، وتحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة. وتعمل الحكومة على مشروع تركيب 6.5 مليون عداد ذكي مسبق الدفع، وتأهيل محطات التوليد المدمرة، إضافة إلى استجرار الغاز من أذربيجان عبر تركيا ضمن منحة من صندوق قطر للتنمية.
ويقول الخبير الاقتصادي محمد العلوش لـ”963+” إن الزيادة الأخيرة أثارت مخاوف واسعة لانعكاسها على تكاليف السلع والخدمات، خصوصًا في بلد يعاني ضعف القدرة الشرائية وتضخم متسارع.
ويضيف أن الكهرباء عنصر أساسي في كل حلقات الإنتاج، وأي زيادة في سعرها تؤثر مباشرة على الأسعار النهائية للسلع. وأكد أن الاستياء الشعبي مبرر، لأن الزيادة لم تُقابل بتحسين ملموس في الخدمة، ولا تزال ساعات التغذية محدودة، كما انتقد غياب الشفافية حول حجم الدعم الحقيقي والخسائر.
ويشير العلوش إلى حلول مقترحة تشمل إعادة هيكلة التعرفة بشفافية وعدالة، دعم مباشر للأسر منخفضة الدخل، مراقبة أداء القطاع ونشر بيانات دورية، تشجيع استخدام الأجهزة الموفّرة للطاقة والطاقة المتجددة، وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.
عدالة الفاتورة وعدالة التكلفة
يرى الأكاديمي خالد البعاج في تصريحات لـ”963+” أن المعضلة تكمن في إيجاد توازن بين “عدالة الفاتورة على المواطن” و”عدالة التكلفة على الدولة”.
ويؤكد على أن الحل لا يقتصر على الجباية فقط، بل يتطلب مقاربة شاملة تشمل تحسين الخدمة وربط رفع الأسعار بخطة واضحة لزيادة ساعات التغذية تدريجياً، خفض الفاقد الفني والتجاري، وتفعيل الشفافية بنشر تقارير دورية عن الأداء والإنتاج. وأشار إلى أهمية تسهيل الاستثمار في الطاقة المتجددة للأفراد والمؤسسات لتخفيف العبء على المواطنين مستقبلاً.
ويبقى السوريون أمام مواجهة معقدة بين حقه في الكهرباء كخدمة أساسية وبين عبء الفاتورة المرتفعة التي تثقل ميزانية الأسرة.
ويرى مراقبون أن الرسالة واضحة: :”لن يقتنع السوريون بضرورة رفع الأسعار ما لم يلمسوا تحسناً حقيقياً في الخدمة، والإصلاح الحقيقي يبدأ بمعالجة جذور الأزمة: البنية التحتية، ونقص الوقود، والهدر الكبير”.
ويحتاج إصلاح قطاع الكهرباء في سوريا إلى استراتيجية طويلة الأمد تشمل الاستثمار في البنية التحتية، توفير الوقود، الحد من الهدر، وتحفيز الطاقة المتجددة، وربط الأسعار بجودة التغذية، بعيداً عن رفع الأسعار المفاجئ الذي يفاقم معاناة الأسر.










