في سوريا التي يعيش فيها أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، وتواجه تدهوراً غير مسبوق في الخدمات العامة، اتخذت الحكومة الانتقالية نهجاً اقتصادياً مثيراً للجدل، يتمثل في تخفيضات ضريبية سخية للقطاعات الرابحة مثل التعليم الخاص والرعاية الصحية، وإعفاءات للأفراد ذوي الدخل المرتفع، تحت شعار “الانتقال من الجباية إلى التنمية”. على السطح، تبدو الإصلاحات تهدف إلى تحفيز الاقتصاد وجذب الاستثمار، إلا أن تحليل النصوص القانونية يثير تساؤلات جدية حول المستفيد الحقيقي من هذه التخفيضات الضريبية، خاصة في ظل احتمال تحميل الطبقات المتوسطة والفقيرة العبء الأكبر عبر الضرائب غير المباشرة، ما يطرح علامات استفهام حول العدالة الاجتماعية وقدرة المواطنين على تحمل فاتورة “الهدايا الضريبية” للأثرياء.
وأطلقت وزارة المالية السورية حزمة من الإصلاحات الضريبية تحت شعار براق: “الانتقال من الجباية إلى التنمية”، على السطح، تبدو هذه الإصلاحات تهدف إلى تحفيز الاقتصاد المتضرر وجذب الاستثمارات، لكن، يثير الغوص في تفاصيل النصوص القانونية الجديدة تساؤلات جدية حول المستفيد الحقيقي من هذه التخفيضات الضريبية الجريئة، فبينما يتم الحديث عن خفض كبير في معدلات الضرائب المباشرة على الشركات والأفراد ذوي الدخل المرتفع، ومنح إعفاءات “سخية” لقطاعات استثمارية محددة، يتخوف مراقبون من أن يؤدي هذا التغيير إلى تفاقم التفاوت الاقتصادي وتحميل الطبقات الأقل دخلاً العبء الأكبر عبر ضرائب غير مباشرة، وتحت مظلة الانتقال من الجباية إلى التنمية، تشرع وزارة المالية في مغامرة ضريبية قد تعيد صياغة شكل العدالة الاجتماعية في البلاد.
لكن وراء شعارات التحفيز الاقتصادي، تكشف تفاصيل الإصلاحات عن تحول صريح في عبء التمويل، تخفيف الأثقال عن كاهل الشركات الكبرى والأفراد ذوي الدخل المرتفع، مقابل تحميل الكلفة للطبقات المتوسطة والفقيرة عبر زيادة مرتقبة في الضرائب غير المباشرة، فمن هو المستفيد الحقيقي من هذه “التنمية”؟ وهل تستطيع جيوب المواطنين المنهكة تحمل فاتورة هذه الهدية الضريبية للأثرياء؟ وفي ظل تدهور قيمة العملة، هل يعتبر خفض الضرائب على الدخل المرتفع أولوية، أم أن الأولوية يجب أن تكون رفع حد الإعفاء الضريبي على الدخول المتدنية؟ ويبقى السؤال الذي يطرحه السوريون قبل الاقتصاديين: من سيستفيد حقاً من هذه التنمية؟ ومن سيدفع ثمنها؟
اقرأ أيضاً: سوريا.. العلاقات الاقتصادية الدولية بين التحول والتعقيد – 963+
ملامح “الإصلاح” المعلن:
تتضمن أبرز بنود المشروع الضريبي الجديد: خفض ضريبة الدخل على الشركات من نحو 28% إلى 18% في بعض القطاعات، وإعفاءات ضريبية طويلة الأمد (حتى 10 سنوات) للمستثمرين في مجالات التعليم الخاص، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا، وتوسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة (VAT) لتشمل سلعاً وخدمات جديدة، ما يعني أن المستهلكين هم من يتحملون العبء النهائي.
تقول الوزارة إن هذه الخطوات “تشجع رأس المال الوطني وتخلق فرص عمل مستدامة”، لكن الاقتصاديين الذين تحدثنا إليهم يرون أن “التحفيز” الحقيقي ذهب إلى قطاعات أصلاً رابحة أو محمية، بينما ظلت القطاعات الصغيرة خارج دائرة الاهتمام، حيث تُركت الأنشطة الصغيرة والمتوسطة في مواجهة الضرائب غير المباشرة والرسوم الإدارية، فالخطاب الرسمي يتحدث عن تنمية، لكن البنية القانونية لا تزال تميّز بين المستثمر القادر على الحصول على إعفاء، وصاحب المشروع الذي بالكاد ينجو من التفتيش الضريبي.
الإصلاح الضريبي وزيادة أرباح الشركات:
حول تحليل الإصلاحات الضريبية تحدث الخبير الاقتصادي باسم الحمصي لـ”963+” بأن الإصلاحات كانت يجب أن تركز على مكافحة التهرب الضريبي وتحسين كفاءة التحصيل بدلاً من خفض المعدلات، لأن خفض معدلات الضرائب المباشرة على الشركات الكبرى والأفراد ذوي الدخول المرتفعة يخفف العبء الضريبي عن أصحاب المؤسسات والأثرياء، ما قد يؤدي إلى تعزيز تراكم الثروات بدلاً من إعادة توزيعها، والإعفاءات الكبيرة على قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية والتكنولوجيا تبدو إيجابية من حيث دعم القطاعات الحيوية الجديدة، لكنها في ظل تركيبة الاقتصاد السوري الحالي تتركز غالباً في يد شركات خاصة أو كيانات ربحية قد تستفيد بشكل كبير من هذه التسهيلات، وعدم زيادة الضرائب على الشرائح الأقل دخلاً يطرح علامات استفهام عن العدالة الضريبية والقدرة على تمويل البرامج الاجتماعية ودعم الفئات الضعيفة.
ويرى الحمصي أن المستفيدين الحقيقيين هم كبار المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال مع تخفيف العبء الضريبي عليهم بشكل مباشر، وكذلك الشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا والتعليم والرعاية الصحية الخاصة التي تحصل على إعفاءات ودعم ضريبي، وأيضاً الفئات ذات الدخل المرتفع ستشهد انخفاضاً في معدلات الضريبة المباشرة.
ويحذر الحمصي من التداعيات المحتملة على الاقتصاد السوري من حيث زيادة فجوة التوزيع الطبقي بسبب تراكم الثروات في أيدي الأقلية الغنية دون تعزيز العدالة الاجتماعية، وضعف القدرة التمويلية للحكومة في دعم الخدمات العامة والبرامج التنموية التي تستهدف الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتحفيز القطاعات الربحية الكبرى على النمو على حساب القطاعات الصغيرة والمتوسطة التي قد لا تستفيد من الإعفاءات، وأن خفض ضرائب الشركات لا يترجم دائماً إلى استثمارات جديدة أو زيادة في أجور الموظفين، بل غالباً ما يذهب لـزيادة أرباح المساهمين وأصحاب رأس المال وفي بيئة استثمارية غير مستقرة مثل سوريا، قد يُستخدم هذا الفائض لتمويل استثمارات غير منتجة أو لـتضخيم الثروات الشخصية بدلاً من المساهمة في البنية التحتية والتشغيل.
هذا وطرح الخبير الاقتصادي باسم الحمصي عدة تساؤلات موجهة لوزارة المالية تركزت هذه الأسئلة على الشفافية، والمنهجية والأثر المالي المتوقع للإصلاحات الضريبية فعن التبرير المالي، تساءل: ما هي الدراسات الاقتصادية أو النماذج الرياضية التي اعتمدت عليها الوزارة لتحديد معدلات التخفيض الجديدة؟ وهل يمكن نشر هذه الدراسات للجمهور لضمان الشفافية؟ وما هو العجز المالي المتوقع في الموازنة العامة نتيجة خفض الضرائب المباشرة على الشركات والأفراد ذوي الدخل المرتفع؟ وكيف سيتم تعويض هذا العجز؟
وعن “التنمية” مقابل “الجباية” تساءل الحمصي: ما هي الآلية الرقابية التي ستضمن أن خفض الضرائب سيُترجم فعلاً إلى استثمارات جديدة وزيادة في فرص العمل، بدلاً من أن يتحول فقط إلى زيادة في أرباح المساهمين؟ وهل تم تحديد مؤشرات أداء (KPIs) لقياس نجاح هذه الإصلاحات بعد عامين أو ثلاثة؟ وما هي هذه المؤشرات؟ وعن الإعفاءات القطاعية تساءل قائلاً: ما هو المبرر الدقيق لمنح إعفاءات “سخية” لقطاعات التعليم والرعاية الصحية الخاصة، في حين أن هذه القطاعات تحقق بالفعل هوامش ربح عالية نتيجة تدهور الخدمات العامة؟ وكيف ستمنع هذه الإعفاءات من تحولها إلى تشجيع للاحتكار أو للمضاربة في هذه القطاعات الحيوية؟
اقرأ أيضاً: سوريا والمعادلة الذهبية.. لا استقرار لا استثمار لا نمو اقتصادي! – 963+
من “الجباية إلى التنمية” أم من العدالة إلى الامتياز؟
الأكاديمي محمد العمر يقول لـ”963+” إن الإصلاحات المعلنة تركز على نقطتين رئيسيتين: الأولى هي خفض ضرائب الشركات (المباشرة) حيث كانت السياسة القديمة (بنظرة سريعة) كانت معدلات الضرائب على الأرباح التجارية والصناعية مرتفعة نسبياً وتتسم بالتصاعدية، أما الإصلاح الجديد، فتم اقتراح خفض كبير وموحد (أو شبه موحد) لضريبة الدخل على الشركات والمستفيد الفعلي من هذا التخفيض بشكل أساسي الشركات الكبرى التي تحقق أرباحاً ضخمة، ويمنحها هامش ربح أكبر، علماً أن هذا الخفض قد لا ينعكس بالضرورة على “التنمية” بل قد يتحول إلى زيادة في أرباح المساهمين والمالكين فقط، دون تحسن ملموس في الأجور أو التشغيل.
النقطة الثانية هي خفض ضريبة الدخل على الأفراد ذوي الدخل المرتفع، فالإصلاح الجديد يهدف إلى تبسيط الشرائح الضريبية وتقليل الحد الأقصى للضريبة المفروضة على الدخول الشخصية العالية (الأجور والمكافآت) وهنا المستفيد الفعلي هم الأفراد الذين يتقاضون أجوراً عالية جداً أو من لديهم مصادر دخل متعددة (مدراء تنفيذيون، مستشارون، مستثمرون)، ما يعزز ثرواتهم على حساب الموازنة العامة.
ويرى العمر أن الإعفاءات “السخية” جاءت للقطاعات الرابحة؟ فقائمة الإعفاءات الضريبية الممنوحة لقطاعات معينة تعتبر “ملاذاً آمناً” للرأسمال الخاص في سوريا وهي التعليم الخاص والرعاية الصحية الخاصة، حيث تم منح إعفاءات أو تخفيضات كبيرة للمدارس والجامعات والمستشفيات الخاصة، والتساؤل المنطقي أن هذه القطاعات تحقق أرباحاً هائلة في ظل تدهور الخدمات العامة، فهل تهدف الإعفاءات لتحسين جودة الخدمات أم لتشجيع الاستثمار الربحي لأصحاب رؤوس الأموال؟ غالباً ما يكون المستفيدون شركات مملوكة لرجال أعمال متنفذين، وشملت قطاع التكنولوجيا والاتصالات منح إعفاءات لمشاريع “التكنولوجيا الحديثة”،
وهذا القطاع يسيطر عليه عدد محدود من الشركات الكبيرة، والإعفاءات قد تخدم احتكارات قائمة بدلاً من تحفيز المنافسة والابتكار من قبل الشركات الناشئة الصغيرة، ومن الواضح أن الهدف هو استقطاب الرأسمال السوري المتواجد في الخارج، أو مكافأة الرأسمال المحلي المتنفذ في هذه القطاعات.
ويحذر العمر من أن تعويض النقص المتوقع في إيرادات الضرائب المباشرة (على الأرباح والدخل العالي)، يُتوقع أن تعتمد الحكومة على مصادر أخرى، كزيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة أو الرسوم الجمركية والرسوم على الخدمات الأساسية، وسيكون تأثيرها على المواطن العادي، فالضرائب غير المباشرة هي بطبيعتها تراجعية، أي أنها لا تميز بين دخل المواطن الغني والفقير، فعندما ترتفع ضريبة المبيعات على السلع الأساسية، فإن المواطن ذو الدخل المحدود يتأثر بها بشكل أكبر بكثير من المواطن الثري، بالمحصلة قد تنجح السياسة الجديدة في تخفيف العبء عن كاهل الشركات والأغنياء، لكنها ستؤدي في المقابل إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، مما يضع ضغطاً إضافياً على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وينسف شعار “التنمية العادلة”.
وأخيراً يدعو العمر وزارة المالية إلى الشفافية وتجنب التفاوت لإن الإصلاح الضريبي خطوة ضرورية، لكن يجب أن تكون أدواته موجهة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية أولاً، وتحفيز الاستثمار المنتج ثانياً، والتحليل الأولي للإصلاحات المقترحة يشير إلى أن المستفيد الحقيقي قد يكونوا هم أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والشركات الرابحة في قطاعات الخدمات الخاصة.
اقرأ أيضاً: البنك الدولي يبحث تطوير النقل البري والبنية التحتية في سوريا – 963+
دروس من التاريخ الاقتصادي: شبح التفاوت الطبقي
بالمقابل ترى الدكتورة نادية مصطفى في تصريحات لـ”963+” أن سوريا تحاول إعادة تجربة أميركية سابقة بخصوص خفض الضرائب المباشرة على الشركات والأفراد ذوي الدخل العالي، مقابل زيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وهي استراتيجية طبقت في عدد من الدول، ولم تحقق دائماً الأهداف المعلنة منها، خاصة على صعيد العدالة والتنمية المستدامة، فتجربة قانون ضريبة الإنعاش الاقتصادي الأمريكي (ERTA 1981) مثال على ذلك فقد شهدت الولايات المتحدة في الثمانينات خفضاً كبيراً في معدلات الضرائب، على غرار ما يُقترح الآن في سوريا، وكان الهدف المعلن هو تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، وعلى الرغم من أن بعض المؤيدين أشاروا إلى تحسن في النمو، إلا أن المنتقدين أكدوا أن هذه التخفيضات أفادت الأثرياء والشركات الكبرى بشكل غير متناسب على حساب الطبقة الوسطى، مما أدى إلى تفاقم العجز في الميزانية وزيادة في التفاوت الاقتصادي، هذا التخوف هو نفسه الذي يواجهه الإصلاح السوري حالياً.
وللمقارنة، طبّقت الأردن ومصر إصلاحات ضريبية مشابهة خلال السنوات الماضية، لكنها رافقتها بسياسات حماية اجتماعية: دعم مباشر للأسر محدودة الدخل، وإعفاءات ضريبية للمشروعات الصغيرة.
أما في سوريا، فلا توجد حتى الآن آليات تعويض واضحة، مما يجعل الإصلاح الجديد أقرب إلى إعادة توزيع العبء لا إلى تشجيع التنمية.
وفي نهاية المطاف ترى الدكتورة نادية، أن نجاعة أي سياسة ضريبية لا تقاس بحجم الأموال التي توفرها للشركات، بل بمدى مساهمتها في تحقيق العدالة الاجتماعية، والتحليل التفصيلي لـ ‘إصلاحات الجباية إلى التنمية’ يحمل تحذيراً واضحاً: ما لم يتم تدارك الأمر بآليات رقابية شفافة تضمن توجيه التخفيضات للاستثمار المنتج، ووقف زحف الضرائب التراجعية على جيوب الفقراء، فإن هذه الإصلاحات ستكون بمثابة توسيع للفجوة الاقتصادية في مجتمع لا يزال يتعافى من صدمات الحرب، وستبقى مجرد ‘تنمية’ موجهة لفئة واحدة على حساب الكثرة، فالمشكلة ليست في مبدأ الإصلاح، بل في وجهته الاجتماعية.










