يمثّل ملف المقاتلين الأجانب في سوريا أحد أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيدًا في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد الابن، لما يحمله من تناقضات أيديولوجية وسياسية واجتماعية تتجاوز حدود الجغرافيا السورية، وتتقاطع مع مصالح دولية وإقليمية متشابكة.
ويُعدّ وجود آلاف المقاتلين الأجانب وعائلاتهم داخل المخيمات عبئًا ثقيلًا ومركّبًا على المجتمع السوري وبنية الدولة؛ إذ يشكّل من جهة تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار، ومن جهة أخرى يطرح تعقيدات سياسية تتعلق بآليات إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وعليه، تتعدد القراءات والتقديرات حول مستقبل المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، وحول تصوّر دورهم في الأفق المنظور، خاصة في ظل تمثلهم جدارية صلبة أمام أي محاولة لإعادة بناء سياسي أو اجتماعي متوازن في سوريا الجديدة.
ولا ريب أن المقاتلين الأجانب لا يؤمنون بمفهوم الدولة الوطنية ولا يعترفون بحدودها، بل يتحركون على تخوم مسار أممي ذي طابع عقائدي متشدد، ما يجعل اندماجهم في أي منظومة وطنية أمرًا شبه مستحيل، ويحول دون تحقيق الاستقرار المنشود في البلاد.
هذا، ويُعدّ مخيم “الفرنسيين” في محافظة إدلب السورية، والمعروف أيضاً باسم مخيم “الغرباء”، أحد أبرز معاقل المقاتلين الأجانب الذين وفدوا إلى سوريا منذ عام 2013.
وأسسه الفرنسي ذو الأصول السنغالية عمر ديابي المعروف بـ”عمر أومسن”، الذي قاد عملية تجنيد واسعة استهدفت فرنسيين وأفارقة قدموا للقتال في صفوف فصيله القريب من “جبهة النصرة” آنذاك.
يقع المخيم في منطقة حارم قرب الحدود السورية التركية، وكان على مدى سنوات مركزاً لتجمع العائلات الفرنسية والمقاتلين الفرنكفونيين الذين عاشوا في عزلة عن محيطهم. ومع مرور الوقت، تحول المخيم إلى بؤرة توتر بين قادته و”هيئة تحرير الشام”، ثم لاحقاً مع الحكومة السورية الجديدة.
اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب في سوريا.. ترحيل أو إعادة تأهيل؟ – 963+
الأجانب وفكر الدولة
وفي هذا السياق، يقول الخبير العسكري أحمد رحال لـ “963+” إنّ المقاتلين الأجانب في الأساس لا يؤمنون بفكرة الدولة، ولا بمفهومها أو حدودها. فهؤلاء أشخاص تركوا أوطانهم وهاجروا بدافع مشروع عقائدي جهادي يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية، ويسعى إلى إقامة كيان أممي يجعل من العالم بأسره دولةً إسلامية تخضع لمشيئتهم وفكرهم المتشدد.
ويضيف رحال أنّه من الطبيعي أن يشكّل هؤلاء عائقًا أمام الاستقرار والأمن، مشيرًا إلى أنّ مواقفهم السابقة تؤكد ذلك، إذ عارضوا خطوات الرئيس الشرع منذ اللحظة الأولى. فعندما عقد مؤتمر الحوار الوطني، سارعوا إلى انتقاده، وعندما أصدر إعلانًا دستوريًا وصفوه بأنه عودة إلى الأمور الدنيوية على حساب العقيدة، وحتى عندما طُرح موضوع مجلس الشعب، اعتبروه مخالفًا للشرع الإسلامي، بل إنّ بعضهم وصل إلى حدّ تكفير الرئيس الشرع نفسه.
ويتابع رحال: “من الواضح أن هؤلاء لن يكونوا عامل استقرار أو أمن في سوريا. أمّا إشراكهم في مؤسسات الدولة كوزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، فذلك لا يخدم مصلحة البلد، ولا أعتقد أنّ الشعب السوري سيقبل به”.
وفي معرض حديثه عن المخيمات والمعسكرات وأماكن تمركز الأجانب، وخصوصًا المقاتلين الأجانب، أكد رحال أنّهم يشكّلون عائقًا خطيرًا أمام الدولة والمجتمع، مستشهدًا بما جرى في الساحل والسويداء، حين وصفت وسائل إعلام الدولة الأحداث بأنها أعمال لعناصر وفصائل منفلتة، ليتبيّن لاحقًا أنّ معظمهم من المقاتلين الأجانب.
ويوضح أنّ هؤلاء يمتلكون فكرًا خاصًا لا يعترف بالطوائف أو الأديان، ويرون أنّ على الجميع الخضوع لهم ودفع الجزية، معتبرًا أنّ هذه الأفكار تشكل مشكلة داخلية حقيقية تهدد النسيج السوري.
ويشير رحال إلى أنّ خطورتهم لا تتوقف عند البعد الداخلي فحسب، بل تمتدّ إلى البعد الإقليمي والدولي، إذ إنّ جميع هؤلاء مصنَّفون على قوائم الإرهاب، ولا يمكن لسوريا أن تكون ملاذًا للإرهابيين، لأنّ في ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ومكانتها الدولية.
ويتابع قائلاً: “إذا ما فكرنا بمصلحة بلدنا، نجد أنّنا في الداخل بحاجة إلى عناصر تؤمن بالتنوع والتعددية التي تميز سوريا. وإقليميًا، لا نريد أن نكون خطرًا على أي دولة عربية، بل نسعى إلى بناء جسور التعاون معها. أما دوليًا، فنحن نرزح تحت وطأة العقوبات، والشرط الأساسي للتخفيف منها هو التخلّص من المقاتلين الأجانب. لذلك، لا يمكن تجاوز هذه المعضلة – داخليًا أو عربيًا أو دوليًا – إلا عبر إيجاد حلول تبعد هؤلاء عن مفاصل الدولة، وتحول دون تهديدهم للأمن والاستقرار”.
وفيما يتعلق بالأحداث التي جرت في مخيم الفرنسيين أو مخيم الفردان أو مخيم عمر، يرجّح رحال أن تكون تلك التحركات بمثابة “اختبار ضغط”، موضحًا أنّ الرئيس الشرع اتخذ القرار المناسب لكنه لا يزال يشعر بالقلق، وهو ما وصفه رحال بأنه “مخاوف مبررة”.
ويبيّن أنّ الخطر لا يأتي فقط من المقاتلين الأجانب، بل من طرفين آخرين أيضًا: أولهما المتشددون السوريون المنضوون سابقًا في هيئة تحرير الشام، والذين يؤيدون المقاتلين الأجانب ويدافعون عن فكرهم. وقال أحدهم في منشور له: نحن لسنا سوريين، نحن مسلمون، في إشارة واضحة إلى رفضه الانتماء الوطني، وهو ما اعتبره رحال “أمرًا بالغ الخطورة”.
أما الطرف الثالث، “فهو تنظيم داعش، الذي يحاول استقطاب هؤلاء بخطابه الإعلامي الموجه، مدّعيًا أنّ الرئيس الشرع تخلى عن الأصدقاء والجهاد، واصفًا تقاربه مع الروس والأميركيين والغربيين بأنه تحالف مع الكفار والملحدين”.
ويرى رحال أنّ هذه الأطراف الثلاثة قد تشكل قوة تهدد استقرار البلاد، وتجعل من حسم ملف المقاتلين الأجانب مسألة معقدة للغاية، محذرًا من أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى تفجيرات واغتيالات وانقلابات وصراعات جديدة.
ويؤكد أنّ الشعب السوري يعتبر أن إسقاط الأسد يجب أن يكون آخر المعارك، لأن المرحلة القادمة تتطلب التركيز على إعادة اللاجئين والمهجرين والنازحين داخليًا وخارجيًا، تليها مرحلة إعادة الإعمار، ثم استعادة سوريا لمكانتها الطبيعية كـ دولة مدنية ديموقراطية.
ويخلص بقوله: إن “وجود هؤلاء المقاتلين، وخطر التحالفات الداخلية أو التنسيق مع تنظيم داعش، قد يعقد مسارات تحقيق الأمن والاستقرار”.
اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب.. “حرب الغرباء” في سوريا – 963+
عائق قانوني
من جانبه، يرى الكاتب السوري فراس علاوي أنّ هويات المقاتلين الأجانب تشكّل عائقاً قانونياً بالدرجة الأولى، لافتاً إلى أن تأثيرها الأمني ما زال محدوداً حتى اللحظة، على الأقل في سوريا.
ويوضح أن الحديث عن المقاتلين الأجانب في شمال سوريا يكشف أن العبء الأمني والاجتماعي ليس كبيراً حالياً، بينما يبقى الإشكال القانوني هو الأبرز والأكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل الطلبات الغربية المتزايدة للتعامل مع هؤلاء الأشخاص.
ويبيّن علاوي أن هؤلاء المقاتلين مندمجون جزئياً في المجتمع المحلي، ولا يشكّلون خطراً أمنياً مباشراً على الحكومة السورية حتى الآن، إلا أن المشكلة القانونية ما تزال قائمة في كيفية التعامل معهم، متسائلاً: هل سيتم دمجهم في المجتمع؟ أم تجنيسهم مستقبلاً؟ ويرى أن الإشكالية دستورية وقانونية أكثر منها أمنية أو اجتماعية.
وفي السياق ذاته، يقدر علاوي أن السيطرة الحقيقية على هذا الملف ستتمثل لاحقاً عند إحكام السيطرة على البؤر الأكبر. فهناك بؤر ما زالت أكثر حساسية من تلك التي تضم المقاتلين الأجانب حالياً. وربما نشهد الآن مرحلة انتظار أو تجنّب للاصطدام المباشر بين مقاتلي الفصائل وبين الحكومة السورية.
ويشير إلى أنه عند انتهاء بؤر الصراع الكبرى في البلاد، سيُحلّ ملف المقاتلين الأجانب بشكل أكثر سلاسة وتنظيماً.
كما يلفت علاوي إلى أن وجود عائلات المقاتلين الأجانب يشكّل بدوره إشكالية في التعامل مع دول المنبع، أي الدول التي جاء منها هؤلاء المقاتلون، محذّراً من أن الحكومة السورية قد تواجه تعقيدات ديبلوماسية إذا لم تُحسن إدارة هذا الملف.
غير أنه استدرك قائلاً إن التوصّل إلى اتفاقات ثنائية أو متعددة قد يحوّل هذا الملف إلى ورقة ضغط أو مكسب سياسي بيد الحكومة السورية.
ويخلص علاوي إلى أنه في حال نجحت دمشق في إغلاق ملف المقاتلين التركستان بما يتوافق مع المصلحة الصينية ومصلحتها الوطنية، فإن ذلك سيكون عاملاً مهماً يعزز العلاقات السورية–الصينية ويفتح الباب أمام تفاهمات استراتيجية أوسع مستقبلاً.
إلى ذلك، تقول الباحثة منيرة حويجة لـ”963+” إنَّ عدم الاستقرار في سوريا يعود إلى تعذّر تشكيل جيش سوري وجهاز أمن وطني بعيدين عن الفصائلية.
وتشير إلى أنَّه عند إضافة وجود فصائل جهادية أجنبية إلى المشهد، نكون أمام كارثة على المستويين الأمني والاجتماعي، موضحةً أنَّ ما حدث في الساحل والسويداء دليل واضح على ذلك.
وتضيف حويجة أنَّه حتى بعض الفصائل الجهادية ذات الهوية السورية تساهم بدورها في تعميق حالة عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي.
وتستدرك بالقول: “من الغريب أن نسبةً من هذه العوائل تعود في هويتها إلى دول أوروبية لا ترغب بعودتهم، وهو ما يجعلهم ملفاً تفاوضياً مهمّاً يغفل عنه المجتمعان الدولي والإقليمي، ويترك سوريا تدفع مزيداً من أثمان التوتر”.
وتختم الباحثة السورية حديثها بالإشارة إلى أنَّ ما حدث في مخيم الفرنسيين يؤكد أن سحب السلاح من الفصائل أكثر تعقيداً مما يُعتقد، مضيفةً أنَّ السلطة في دمشق لا تملك القدرة – وربما لا تملك الرغبة – في تشكيل جيش احترافي لا يشبه الحالة الفصائلية القائمة، فضلًا عن عدم تمكنها من إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يضمن حماية المدنيين والسلم الأهلي.
بدوره، يشير عمر الرداد، خبير الأمن الاستراتيجي، إلى أن تعدد هويات المقاتلين الأجانب الذين التحقوا بتنظيم داعش في سوريا يشكّل عبئًا أمنيًا خطيرًا ينعكس بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي السوري.
ويوضح الرداد أن هؤلاء المقاتلين جاؤوا من ثقافات متعددة وخلفيات متباينة، يجمع بينهم فقط الانتماء إلى أيديولوجيا متطرفة وفكرة رومانسية زائفة حول ما يُسمّى بـ دولة الخلافة المزعومة.
ويبيّن العميد ركن متقاعد بالمخابرات الأردنية، أن وجودهم في سوريا لسنوات طويلة لم يؤدِّ إلى اندماجهم في المجتمع المحلي، لأسباب تتجاوز مجرد الاختلافات الهوياتية، إذ ينظر كثير منهم إلى المجتمعات المحيطة على أنها مجموعات كافرة أو جاهلة لا تستحق التواصل أو الاندماج.
ويلفت الرداد إلى أن أزمة المقاتلين الأجانب، سيّما أولئك الحاملين للجنسيات الغربية، وخاصة الأوروبية، ما زالت تتفاقم في ظل غياب توافق دولي حول آليات التعامل معهم.
ويضيف أن من أسباب تعقّد الأزمة أن هؤلاء المقاتلين أنشأوا مجتمعات صغيرة داخل المخيمات وأنجبوا أطفالًا أصبحوا اليوم شبابًا يافعين، ما يجعل من القضية قنبلة اجتماعية وأمنية موقوتة.
ويشير الرداد إلى أن أزمة مخيمات مقاتلي داعش في سوريا باتت إحدى القضايا الأكثر حساسية وخطورة، وقد تنفجر في أي لحظة، خاصة في ظل تردد الدول الأوروبية في إعادة مواطنيها من تلك المخيمات.
ويشدد على أن الاستثمار السياسي لهذه القضية من قبل بعض الأطراف الإقليمية قد يؤدي إلى تصعيد الأوضاع في المنطقة.
ويخلص الرداد إلى أن رفض العديد من الدول الأوروبية تسليم إدارة هذه المخيمات إلى السلطات السورية الجديدة يعود إلى خشيتها من أن تحول دمشق هذه الورقة إلى أداة سياسية يمكن أن تُستثمر من قبل تركيا للضغط على أوروبا، خاصة في ظل العلاقات الوثيقة المتنامية بين دمشق وأنقرة.










