بعد أيام من الزيارة التي أجراها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والتي وُصفت بأنها “خطوة مفصلية” في مسار العلاقات السورية – الروسية، دخل المشهد الديبلوماسي في دمشق مرحلة من التباين والارتباك في الخطاب الرسمي. فما بدا في البداية كتحرك استراتيجي لإعادة ضبط العلاقة مع موسكو، تحوّل لاحقاً إلى سلسلة تصريحات متناقضة بين الرئيس ووزير خارجيته، كشفت عن تعدد في مراكز القرار السياسي والديبلوماسي داخل الدولة السورية الجديدة.
“سيادة اقتصادية لا معونات”
بدأت ملامح هذا التباين تظهر عندما خرج وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية أسعد الشيباني بتصريحات لافتة بعد أيام فقط من عودة الرئيس الشرع من موسكو.
الوزير شدّد على أن رفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن سوريا “ضرورة إنسانية واقتصادية”، مؤكدًا أن بلاده “تسعى لسيادة اقتصادية قائمة على الشراكة لا المعونات”. وأضاف أن دمشق ملتزمة بالاتفاقيات الدولية، وتدعو لاحترام اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، في رسالة بدت موجهة إلى الغرب وإسرائيل أكثر من كونها امتداداً لخطاب موسكو.
ورغم أن هذه التصريحات لا تتناقض صراحة مع موقف الشرع، إلا أن نبرتها المختلفة — تركيزها على السيادة والعقوبات والانفتاح — أعطت انطباعاً بأن وزارة الخارجية تتحرك وفق أجندة مختلفة عن أجندة الرئاسة.
فبينما ركّز الرئيس على “الشراكة الاستراتيجية المتوازنة” مع روسيا، بدا خطاب الشيباني أقرب إلى لغة التهدئة والانفتاح الحذر على الغرب.
واعتبر المستشار السياسي المقرب من الكرملين الدكتور مصطفى خالد المحمد، في تصريحات لـ”963+” أن زيارة الشرع “ليست شأناً سورياً خالصاً، بل لها أبعاد تركية واضحة”.
ويقول المحمد: “تركيا تحاول شراء منظومة دفاع عن الأراضي السورية، لأن إسرائيل لن تجرؤ على قصف هذه المنظومات إذا نشرتها تركيا. ونشر منظومة دفاع تركية في سوريا سيمثل خرقاً للاتفاق الإسرائيلي التركي، لذلك اتجهت تركيا لشراء منظومات دفاع روسية لتستطيع وضعها في كافة أراضي الجمهورية العربية السورية”.
ويضيف أن الهدف الأساسي من الزيارة كان “الاتفاق على منظومات الدفاع والأسلحة، ومعاملة دمشق كشريك في عملية الشراء”، مبيناً أن دمشق أرسلت وزيري الدفاع والخارجية لهذا الغرض، “وتم توقيع اتفاق، لكن هناك العديد من الأمور التقنية التي يجب الاتفاق عليها لاحقاً”.
ويؤكد على أن الزيارة تحمل رسائل سياسية لواشنطن، ومفادها أن “أي خلاف بين واشنطن ودمشق سيدفع الأخيرة نحو المحور الشرقي، أي نحو موسكو وبكين”.
اقرأ أيضاً: مسؤول روسي: موسكو تعترف بحكومة الشرع وترفض تسليم بشار الأسد – 963+
مساومات لا خلافات
في حديثه ذاته، يوضح المحمد أن الخلافات بين موسكو ودمشق ليست خلافات عميقة، بل “مساومات على النفوذ والمصالح”، ويقول: “بقاء القواعد الروسية في سوريا مسألة أساسية بالنسبة لموسكو، وهناك إصرار روسي على ذلك. أما دمشق فتحاول أن تجعل من هذه القواعد ورقة تفاوض حول الدعم الاقتصادي والسياسي”.
لكنه يشير إلى أن التباين في التصريحات بين الجانبين يعكس ارتباكاً حقيقياً: “تصريحات الشرع أظهرت تناقضاً واضحاً بين الطرفين؛ الروس قالوا إن الاتفاقيات ستبقى كما هي وسيتم تعديلها تدريجيًا، بينما قال الشيباني إنه لا توجد تفاهمات بعد، وهذا يعني أن هناك تخبطاً في التصريحات”.
كما يلفت المحمد إلى مواقف روسية بدت “محايدة جداً”، مثل إيقاف المنح الدراسية للطلبة السوريين، معتبراً أن ذلك “إشارة غير ودية” من موسكو، رغم تصريحاتها الرسمية الداعمة لدمشق.
أزمة السفير وتفاصيل غير معلنة
من بين المعلومات اللافتة التي كشفها المحمد في حديثه لـ“963+” قوله إن ملف السفير السوري في موسكو بشار الجعفري كان من أبرز القضايا المطروحة خلال الزيارة.
ويضيف: “موسكو ترفض تغيير السفير السوري بشار الجعفري رغم أنه حصل منذ أيام على صفة لاجئ سياسي، ما يزيل عنه الحصانة الدبلوماسية السورية لأنه يعتبر مضطهداً من السلطة الحالية. وبالتالي ليس هناك سفير رسمي لسوريا في موسكو حالياً”.
ويلفت إلى أن أول موضوع فُتح بين الرئيس الشرع وبوتين كان تغيير السفير، وأن هناك مقترحات بفتح قنصلية جديدة في مدينتي كراسنودار أو نالتشيك، لخدمة السوريين المقيمين هناك.
كما كشف أن أول بند تم الاتفاق عليه بين الجانبين هو سرية التعامل وعدم الإعلان عن تفاصيل الاتفاقات العسكرية، لاعتبارات تتعلق بـ”مصالح الطرفين وأمنهما”.
وفي جانب أكثر حساسية، تحدث المحمد عن ما سماه “الاختراقات الإيرانية في دوائر دمشق ووزارة الخارجية السورية”، ويقول: “حاولت فتح قنوات اتصال بعيدة عن الاختراقات الإيرانية، لكنني لم أجد تجاوباً من دوائر دمشق؛ إما خوفاً أو تهميشاً أو لأسباب أخرى. هناك تخبط وخوف من التواصل مع روسيا بشكل مباشر”.
وأشار إلى أن روسيا ترفض أن تكون علاقاتها مع دمشق عبر القنوات التركية، مضيفاً: “جهات الاتصال التي تحاول دمشق فتحها عبر الأتراك ترفضها موسكو، ولا تريد علاقات دبلوماسية مفتوحة عبر قناة بسيطة مع دولة كتركيا”.
هذه التصريحات كشفت عن صعوبات حقيقية في التنسيق الدبلوماسي السوري–الروسي، وعن شبكة علاقات متداخلة بين دمشق وطهران وأنقرة تجعل القرار السوري في الخارج موزعًا بين محاور متعددة.
اقرأ أيضاً: موسكو تكشف تفاصيل المباحثات بين بوتين والشرع – 963+
“العلاقات تمر بمرحلة اختبار”
أما الباحث السياسي بسام السليمان، المقيم في دمشق، فقد قدّم رؤية مختلفة للوضع. حيث يقول لـ”963+”: “السياسة بين الدول قائمة على المصالح، بمعنى درء المفاسد وجلب المصالح. وروسيا مهمة لخلق أو لمحاولة تخفيف حالة الفوضى”.
ويشير إلى أن “التواصل الاستراتيجي بين سوريا وإسرائيل موجود”، وأن “روسيا قادرة على التأثير إيجابًا في سوريا من خلال ملفات عدة، مثل الغذاء والقمح ومشاريع البنى التحتية والبنية العسكرية”.
ويضيف: “بكل تأكيد، فإن الزيارة تأتي في سياق دبلوماسية نشيطة متوازنة للدولة السورية الجديدة. كان هناك اجتماع طويل بين الرئيسين، وأكيد كانت هناك تفاهمات، لكن ما هي هذه التفاهمات؟ لا أحد يعرف بالضبط”.
ويتابع: “ربما يكون هناك اتفاقات تخص الجوانب العسكرية أو الأمن الغذائي، خاصة أن قمحنا يأتي من روسيا. على الصعيد الاقتصادي، هناك مشاريع بنى تحتية بتمويل روسي. لكن الأهم أن لقاء الرئيسين مؤشر على أن بوتين فعلاً يرغب في أن يكون لروسيا دور في مرحلة ما بعد الحرب السورية”.
ويتضح أن الخطاب السوري الرسمي تحوّل بعد زيارة موسكو إلى مجموعة من الرسائل المتناقضة. فالرئيس الشرع يتحدث عن شراكة متوازنة، والوزير الشيباني يركّز على السيادة ورفع العقوبات، فيما يصف المقربون من موسكو العلاقة بأنها مساومات على بقاء القواعد الروسية ومجالات النفوذ، والباحثون في دمشق يقرّون بأن لا أحد يعرف على وجه الدقة ما تم التفاهم عليه.
هذا التعدد في الخطاب، بحسب المحللين، يعكس غياب رؤية ديبلوماسية موحدة داخل النظام الانتقالي في سوريا. فالبلاد التي تحاول إعادة تموضعها بعد عقد من الحرب تواجه اليوم معضلة مزدوجة: “كيف تحافظ على تحالفها مع موسكو من دون أن تُقيّد سيادتها. وكيف تفتح نوافذ نحو الغرب دون أن تُغضب حلفاءها في الشرق”.
وبين زيارة الشرع إلى موسكو وتصريحات الشيباني في دمشق، يمكن القول إن الخطاب السوري الرسمي يعيش لحظة تخبط حقيقية.
فالتحالف مع روسيا، بحسب المحللين، لم يعد بالوضوح الذي كان عليه، والانفتاح على الغرب لا يزال محاطاً بالحذر والتردد، بينما تتوزع مراكز القرار بين الرئاسة والخارجية وربما جهات أمنية وسياسية أخرى.










