يتمثّل هدف التربية الحديثة في تعزيز بناء الإنسان بوصفه وحدةً متكاملة تتضمن قيم الجمال والأخلاق، بعيداً عن التلقين أو حشو المعارف في ذهن الطلاب. ومن هنا، تبرز أهمية العملية التعليمية في كونها ديناميّة تتفاعل مع منظومة القيم الإيجابية التي يتبناها الإنسان تجاه الآخرين، مهما اختلفت ألوانهم ومذاهبهم أو تباينت أوطانهم ومعتقداتهم.
قد يبدو تحقيق هذا الهدف سهلاً إذا أدركت المؤسسات التربوية حقيقة دورها المهم في تنشئة المواطنين، من خلال تنمية الحواس الإبداعية، وتعزيز التفكير النقدي، وغرس القيم الإنسانية والذوق الفني، وتطوير القدرات البدنية والاجتماعية للطفل. وتكتسب هذه المهمة أهميةً بالغة في كل المجتمعات بلا تمييز، إذ يُعد الالتزام بهذه الأهداف ضرورةً لتحقيق السلامة المجتمعية وتعظيم قيم التوافق بين مكوّناته.
بعد سنوات الأزمة والحرب، سقط نظام الأسد، مما أتاح للجميع التفكير في ملامح سوريا الجديدة؛ سوريا التي ينبغي أن ينطلق أبناؤها في المؤسسات التربوية والتعليمية نحو قيم الحق والخير والجمال، لتوفير المساحات المثلى للتعايش المشترك. ومن هذا المنطلق، يمكن لمناهج التعليم وبيئة المدارس أن تشكّلا حاضنةً قوية لبنيةٍ مجتمعيةٍ موحّدة، يقبل فيها الفرد الآخر بالمحبّة والاحترام.
ويقول الأستاذ الدكتور ريمون معلولي، أستاذ أصول التربية بجامعة دمشق سابقاً، في حديثه لـ”963+“، إن التربية وفق نظرية الشخصية الإنسانية تعمل على بناء الفرد بوصفه منظومةً متكاملة الأبعاد: عقلية، وانفعالية، واجتماعية، وجمالية، وبدنية.
ويؤكد أن التربية العقلية تتجلّى في المقررات الدراسية كالرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا، موضحًا أنه إذا قُدِّمت هذه المواد بطريقة علمية ونقدية، فإنها تُنمّي القدرات العقلية للمتعلّم وتفتح أمامه آفاق التفكير.
اقرأ أيضاً: أسلمة المدارس في سوريا: استسلام المجتمع أم صراع على الهوية؟ – 963+
ويشير إلى أن للشخصية بُعداً عاطفياً وانفعالياً لا يقل أهمية عن الجانب العقلي، إذ تسهم التربية في غرس قيم الانتماء والمسؤولية والمحبة، من خلال مواد مختلفة وطرائق تدريس تركّز على القيم.
أمّا البعد الجمالي، فوصفه معلولي بـ “بيت القصيد”، موضحاً أن تنمية الرهافة والذوق الفني تتم عبر الموسيقى والرسم والأشغال اليدوية.
ويرى أن غياب هذه المواد يجعل المناهج ناقصة وغير متوازنة، لأن الفنون تُعلّم القيم الجمالية وتُثري علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالبيئة. وشبّه الفنون بالملح في الطعام قائلاً: “لا يمكن للإنسان أن يكتمل إنسانيًا من دونها”.
وفي ما يتعلّق بالبعد الديني والأخلاقي، يبيّن أن التربية الدينية يمكن أن تُقدَّم في المدارس تحت إشراف متخصصين، شرط أن تكون مادةً موحّدة تركز على الأخلاق العامة وتاريخ الأديان، بعيدًا عن الانقسامات المذهبية والإيديولوجية التي قد تزرع التفرقة.
ويضيف: “ما نراه أحياناً من عنفٍ موجّه ضد الفنون والموسيقى دليلٌ على غياب التربية المتكاملة، فالإنسان المتوازن هو من يتذوّق الجمال ويعيش كل أبعاد شخصيته بتناغم”.
ويختم الأكاديمي السوري بالقول إن “الغاية من التربية هي إعداد شخصيةٍ متوازنةٍ متعددة الأبعاد: عقلية، وعاطفية، واجتماعية، وفنية، وبدنية”. مؤكداً أن هذه الوحدة المتكاملة هي ما يجعل الإنسان سويًّا، قادرًا على الفهم والإبداع، والعيش بانسجام مع نفسه ومع الآخرين.
من جانبها، ترى الباحثة سوسن زكزك، أن الواقع التربوي والتعليمي في سوريا يواجه اليوم تحدياتٍ كبيرة ومعقّدة.
وتوضح في حديثها لـ”963+” أن أبرز هذه التحديات يكمن في طبيعة محتوى المناهج المدرسية، حيث تدور حوله ما وصفته بـ “المعركة”، إذ يلوّح أحد الأطراف باستخدام القوة لفرض رؤيته حتى في مواجهة وزير التربية نفسه.
وتشير زكزك إلى أن هذا الطرف يسعى لفرض توجّهٍ يُحرّم تدريس الفن والموسيقى، مستنداً إلى تفسيراتٍ خاصةٍ به للدين الإسلامي، رغم أن تاريخ الإسلام الطويل شهد حضوراً بارزاً للغناء والموسيقى في معظم عصوره.
أما التحدي الثاني، فهو غياب أي تعديلٍ في المناهج الجديدة لتعزيز قيم السلم الأهلي بعد سنواتٍ من النزاع الذي عمّق الانقسام بين السوريين.
وتشدّد الباحثة السورية على أنه كان من واجب وزارة التربية تشكيل لجنةٍ متخصصة لإدراج مواد تُعلّم الطلاب مبادئ السلم الأهلي وحقوق الإنسان، بما يساهم في إعادة بناء النسيج الاجتماعي.
اقرأ أيضاً: ما التعليم الذي يجب أن يتلقاه أبناؤنا في المدارس؟ – 963+
وتضيف زكزك أن هناك تحدياً آخر لا يقل خطورة، يتمثل في إجبار بعض المدارس التلاميذ والطلاب على ترديد شعاراتٍ دينية، الأمر الذي يزرع في نفوسهم نزعةً طائفية ويغذّي أفكاراً جهادية تعمّق الكراهية تجاه المختلف السوري وتهدّد مستقبل الاستقرار والسلم الأهلي.
وتختم الباحثة بالتأكيد على أن مواجهة هذه التحديات ما تزال ممكنة، شرط اتخاذ قراراتٍ حاسمة بمحاسبة المخالفين، إلى جانب مراجعةٍ شاملة للمناهج المدرسية وتطويرها بما يرسّخ قيم السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ويعزّز مبادئ حقوق الإنسان، وعلى رأسها المساواة بين النساء والرجال، ومحاربة خطاب الكراهية.
بدوره، يلفت الباحث السوري حسام حسّون، في حديثه إلى “963+“، إلى أن التربية ليست حدثاً عابراً، بل هي عملية مستمرة تواكب نمو الطفل وتكمله، عبر الدعم والتنظيم الأخلاقي والسلوكي في مختلف مراحل نموه. فالأهل والمسؤولون عن رعاية الطفل يسعون إلى تنمية توجهاته الفكرية والحركية والاجتماعية وغيرها، ضمن البيئة التي يعيش فيها. وهنا، تتأثر شخصية الطفل بكمّ المثيرات وتنوعها في محيطه، بما يساعده على الوعي والتجريب، ومن ثم على بناء قدراتٍ نوعية في مواجهة التحديات والتواصل مع الآخرين.
ويُشدّد حسّون على أن البيئة المحيطة بالطفل – بعد الأسرة – تمثل العنصر الأكثر تأثيراً، وخاصة المدرسة والحيّ والأقارب والأصدقاء، فهي التي تسهم في تكوين توجهات الطفل وتثبيت الطقوس والسلوكيات الاجتماعية التي يتبناها لاحقاً ويدافع عنها.
ويبيّن أن كل هذه المؤثرات تصبح أكثر فاعلية بحسب طريقة ممارستها وتبنّيها والتعامل معها داخل الأسرة والمجتمع. فالمدرسة، بما تحمله من مناهج وأساليب تربوية، تُرسّخ وتُعمّق ما تقدّمه الأسرة بشكل مباشر أو غير مباشر، لتُسهم إمّا في تبنّي مواقف مرنة قابلة للنقاش، أو في تكوين مواقف جامدة تُطرح كمسلّمات يصعب مناقشتها – مثل مفهومي “العدو” و”الصديق”.
ويوضح حسّون أن خطورة هذه المسألة تتجلّى أكثر في البيئات المغلقة التي لا تدعم تعليم الفتاة، وتفرض المحرّمات، وتقيّد تفكير الطفل ضمن قوالب أخلاقية أو دينية صارمة تحارب كل ما يُعتبر تهديداً لها.
ومن هنا جاءت مساعي الدول عبر الاتفاقيات الدولية إلى ضبط المصطلحات في المناهج الدراسية، إدراكاً لما لها من دورٍ عميق في صياغة شخصية الطفل ومجتمعه مستقبلاً. غير أن بعض المجتمعات – كما يلفت – باتت تحارب كل مخالفٍ لتوجهاتها ومقدساتها الدينية بالاستناد إلى فتاوى لا تمتلك مرجعًا علميًا متينًا، الأمر الذي يُفاقم الإشكالية ويُعقّد سبل معالجتها. ومثال ذلك تحريم الاختلاط في المدارس أو منع حصص الرياضة والموسيقى.
ويُشدّد حسّون، المختصّ النفسي، على أن الطفل في مراحله النمائية الأولى يحتاج إلى مساحةٍ واسعة للعب والترفيه والتعلم من الأخطاء، مع إدخال القيم الأخلاقية بصورة مبسّطة بعيدة عن الضغط والإكراه. وإلّا، فإننا سنواجه أجيالًا ذات فكرٍ محدود تفتقد المرونة وترفض أيّ تغييرٍ يطرأ على الفرد أو المجتمع.
ويتابع المصدر ذاته حديثه مشدّداً على أن المدرسة ليست مؤسسةً للتعليم فحسب، بل هي بالدرجة الأولى مؤسسةٌ للتربية ثم للتعليم. ومن هنا، لا بد من مراعاة مختلف جوانب النمو عند الطفل، مع الانتباه إلى كيفية اختيار القيم وطريقة تقديمها بما يتناسب مع مرحلته العمرية. وهو ما يجعل من الضروري القيام بمراجعةٍ مستمرة للمناهج وطرائق تقديمها وتقويمها لتحسين جودتها وتعظيم أثرها.
ويُبرز الباحث السوري أهمية حصص التربية الرياضية والموسيقى والرسم، باعتبارها قادرةً على كسر جمود المواد الأكاديمية، ومنح الطفل فرصةً لتنمية مواهبه وصقل قدراته. فهي ليست ترفاً، بل وسيلةً للتواصل والتفاعل والمنافسة فيما يحبّ الطفل ويستمتع به، كما أنها تُعدّ طريقةً مثالية للتفريغ والتعبير عن الذات وممارسة الهوايات بعيداً عن ضغوط الأسرة والمدرسة. ومن خلالها تُبنى الصداقات وتُطوّر التحالفات، وتتنامى قيم الجمال والذوق الفني عبر الممارسة والتعبير اللفظي والسلوكي.
يرى الباحث حسّون أن الأنشطة الفنية والرياضية ليست ترفاً، بل تشكّل ركيزة أساسية في تنمية شخصية الطفل أخلاقياً وسلوكياً، إذ تمنحه مساحة للتعبير الحر والتواصل الإيجابي وتعزز لديه قيم القبول والمسامحة واحترام الاختلاف.
ويؤكد أن غيابها يحوّل المدرسة إلى بيئة جامدة تُكرّس التلقين والأفكار المغلقة، في حين أدركت الدول المتقدمة أهمية إدماج اللعب والتعلم الذاتي في مناهجها، لتنشئة أطفال منفتحين على التفكير الحر والتجريب والمعرفة بأسلوب ممتع وتفاعلي.










