ينص 55 دستوراً في الدول الإسلامية من أصل الدول 57 المسجلة رسمياً في منظمة التعاون الإسلامي الدولية على أن دين الدولة أو رئيس الدولة هو الإسلام، كما تنص هذه الدساتير أن الفقه الإسلامي مرجع رئيسي للتشريع في الدولة.
والنص على المرجعية الدينية للدولة ليست شأنا خاصاً بالدول الإسلامية، بل تشير الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة أن هناك 106 دول من أصل الدول ال 194 المسجلة في الأمم المتحدة تشير بصيغة تفضيل ما إلى دين من الأديان في الدولة، ومن هذه الدول دول عريقة في الديموقراطية إلى الغاية ومنها كندا وبريطانيا وأستراليا والدول الاسكندنافية.
ولكن المرجعية الدينية في المسيحية أو البوذية أو الهندوسية لا تشكل تحديا للحراك الديموقراطي فقد اختارت هذه الديانات منذ عدة قرون الانسحاب من الحقل التشريعي وأعلنت أن الله ينصح ولا يأمر، وأن ما يقوله الكهنة لا يشكل بحال من الأحوال فرضاً ملزماً للدولة أو للناس، وهذا التطور بالطبع لم يكن متصوراً في عصر الإيمان في أوربا الذي استمر ألف عام وقامت الكنيسة فيه بفرض رؤية قمعية مدججة بالمحارق ومحاكم التفتيش، والأمر نفسه في الدول البوذية الصين وكمبوديا والهند وتايلاند التي شهدت في تاريخها أيضاً مراحل قمع ديني كان الكهنة فيها يأمرون بسلطان الله ويعاقبون بسيفه
ولكن الأمر في فقه الإسلام السياسي لا يزال مختلفاً في الجوهر فالخطاب الإسلامي عموماً لا يتقبل فكرة أعطوا ما لله لله وما لقيصـر لقيصـر، ولا يزال خطاب رجال الدين يناشد الدولة تطبيق أحكام العقوبات في الشريعة من قطع وجلد ورجم، ولا تزال منابر كثيرة تعتبر ان سقوطنا الحضاري وهواننا على الناس سببه التقاعس في تطبيق الحدود الشرعية، ويصر التيار الإسلامي بمعظم تلوناته أن الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، ودعوة وجهاد، وأن أولئك الذين لا يتقبلون الهدي الرباني مدعوون للاحتكام إلى السيف فقد أمرنا أن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأنهم بذلك فقط يعصمون دماءهم وأموالهم!!!
ولكن مع ذلك فإن هذه الرؤية القروسطية التي لا تزال خطاب المنبر التقليدي، ليست كذلك في الدولة الوطنية التي تنص على مرجعية الإسلام، حيث تصدر التشريعات بشكل طبيعي في الدول الإسلامية منسجمة في الغالب مع القانون الدولي، خاصة في قوانين العقاب والقوانين المدنية وقوانين أصول المحاكمات وكذلك في مبادئ المساواة والحقوق الوطنية، والأهم من ذلك أن الدول الإسلامية كلها دون استثناء وقعت على الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع التعذيب ومنع الاتجار بالبشر وهي قوانين محادة تماماً لمنطق الفقهاء التقليديين في العقاب القائم على البتر والجلد والرجم والتعذيب، وكذلك السبي والاسترقاق، وقد باتت هذه الممارسات محرمة ومجرمة وممنوعة في كل الدول الإسلامية رغم أنها لا تزال خطاب المنبر حين تغفل الدولة عن مسؤولياتها وواجباتها.
لقد تم حسم هذا الأمر تاريخياً عبر تقسيم الفقه الإسلامي إلى مدرستين صارمتين: العقل والنقل، أو الرأي والاجتهاد، أو الفقه والنص، وهكذا فقد تمت القسمة بشكل تلقائي بين الفريق الفقهي العامل في الشأن العام قضاء وشورى وممارسة، وبين الواعظين ورجال الدين الذين تخصصوا في الوعظ والإرشاد، فقد توقف رجال الدين عند دليل النص وآثار السلف، فيما اختار الفقهاء مصادر عقلية مهمة في مواجهة النص كالاستحسان والاستصلاح والعرف والذرائع.
وفي قراءة أعمق لغور الاختلاف إن بإمكاننا القول إن المدرستين اختارتا ضفتين أصوليتين متقابلتين، فقد مضى التيار السلفي القائم على رجال الدين إلى حصر المرجعية الفقهية بالنص والقياس عليه، فيما اختارت الدول الإسلامية عموماً مرجعية الاجتهاد، ومنحت الفقيه المجتهد حق الاقتباس من الشريعة ومن القانون الدولي واعتماد المصادر الأصولية العقلية لإنتاج قوانين حديثة، وخلال التاريخ الإسلامي قامت الدول الإسلامية عموماً باستدعاء فريق من الفقهاء الواقعيين والبراغماتيين ليكتبوا تشريعات واقعية قابلة للتطبيق، فيما توقف التيار السلفي عند أدلة النص وهي الكتاب والسنة، وتم تحديد التفسير للنص على وفق تيار السلف تحديداً فلا كرامة لتفسير يتجاوز موقف السلف، مهما كانت هذه المواقف محادة ومعاندة للقانون الدولي ولشرعة حقوق الإنسان.
يشارك الإسلاميون اليوم في البرلمانات التي تأذن بالحياة السياسية، ويمكن القول أن هناك حزباً إسلامياً أو أكثر موجود في برلمانات أربعين دولة إسلامية من أندنوسيا إلى موريتانيا، وهي ترفع شعارات الحاكمية والعودة إلى قيم الدين الحق، ويمكن القول دون أدنى مبالغة أن أكثر من ألف برلماني إسلامي موجودون باستمرار في هذه الهيئات، ولكن لم يسجل عن أي شخص منهم باستثناء (إيران وأفغانستان) أنه خلال السنوات العشـر الماضية تقدم بطلب برلماني لإعادة تطبيق قطع اليد او جلد الظهر أو الرجم أو الاسترقاق أو السبي، وتقتصـر مطالباتهم في العادة على حماية الفضيلة ومنع نشـر الفحشاء، وهو هدف أساسي لكثير من الأحزاب المحافظة إسلامية أو علمانية أو حتى شيوعية.
حتى في الدول التي لا تمارس التداول الديموقراطي كدول الخليج مثلاً التي أسست مجالس شورى يتحدث فيها النواب بوصفهم ممثلين للمجتمع المسلم بقيمه وعقائده وأخلاقه، فإنه أيضاً لم تسجل أي مطالبة لحياء قانون العقوبات أو السبي أو أحكام الجهاد السلفية التقليدية، ومن المعلوم أن هذه الدول الملتزمة إسلامية باتت أشد الدول صرامة في منع التفكير الجهادي السلفي.
وهكذا فإنه يجب فهم الواقع التشـريعي في البلاد الإسلامية، فالهيئات التشريعية والفقهية والحقوقية في واد ورجال الدين في واد آخر، ويمكن متابعة الدور الحضاري الذي يقوم به الفقهاء الراسخون من حملة الدكتوراه في الشـريعة الإسلامية ومن أصحاب الخبرة الأكاديمية العالية في الفقه والقانون، الذين يعملون في إصدار التشـريعات الوطنية، ويجدون في مصادر الفقه الإسلامي المتنورة ما يكفيهم لإنتاج أحكام قانونية حديثة تنبثق من روح الشـريعة لا من نصوصها وإن كانت لا تلتزم خيارات السلف، فيما يبقى رجل الدين (والمقصود هنا الواعظ والخطيب المشغول بإمامة الصلاة وقيادة أفواج الحج) خارج المعادلة التشـريعية، وسيبقى دوره كريماً ومحترماً حين يفتي في شأن الدين من صلاة وصوم وأخلاق وتزكية، ولكنه لن يقدم راياً مسموعاً في الهيئة التشريعية التي تقوم على شعار رفعه النبي محمد بوضوح حين قال: أنتم أعلم مني بأمور دنياكم.










