تشهد الساحة السورية تصعيداً سياسياً جديداً، بعد الإعلان عن لقاء رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع بقائد “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) مظلوم عبدي في دمشق، في مساعٍ لإحياء اتفاق 10 آذار الذي ظلّ معلقاً أشهراً عدة، بسبب خلافات سياسية وأمنية معقّدة.
وتسود سوريا اليوم فورةٌ من الديناميات السياسية والميدانية التي تعكس هشاشة التوازنات بين الأطراف الفاعلة، محلية وإقليمية ودولية. فتنفيذ اتفاق 10 آذار بين الحكومة الانتقالية و”قسد” متعثر، رضوخاً لضغوط تركية قوية، ولتعقيدات داخلية تتناول مفهوم اللامركزية، وصراع على مفاهيم الدولة والسلطة في سوريا الجديدة.
بعد اجتماع ضمّ عبدي والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، بحثوا فيه سبل ضمان الاستقرار، ومنع انهيار الاتفاق، وبُعيد اشتباكات متقطعة شهدها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، تزامنت مع ضغوط تركية متزايدة لفرض أنقرة رؤيتها بشأن إدارة شمال سوريا ومستقبل “قسد”، انعقد لقاء الشرع – عبدي الذي يعدّ نقطة محورية في مسار تقييم جدية الطرفين في المضي قدماً في الاتفاق أو الاستمرار في لعبة التصعيد، ومحطة اختبار لرغبة الطرفين في التغلب على المعوقات التي تراكمت منذ توقيعه.
رغم هذا كله، يصف مراقبون اللقاء بأنه محاولة يبذلها الطرفان لإعادة الثقة بينهما، إلا أن آخرين يرون أنه لا يتجاوز حدود الشكل الديبلوماسي في ظلّ غياب ضمانات دولية، واستمرار انقسام المواقف حول مفهوم اللامركزية والاندماج العسكري، ومستقبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
العامل التركي
يردّ الدكتور عدي رمضان، الأكاديمي في العلوم السياسية والاجتماعية والعضو القيادي السابق في الحزب الشيوعي الإيطالي، تعثّر تنفيذ اتفاق 10 آذار إلى “إرادة النظام التركي بألّا يُفعّل هذا الاتفاق، فأنقرة تسيطر على المفاصل السياسية السورية في المرحلة الانتقالية، وتحديداً على إرادة رئاسة المرحلة الانتقالية، فتملي عليها القرارات والإملاءات والاتفاقات”، مضيفاً: “لا آليات واقعية تضمن التزام الطرفين بنود الاتفاق وتمنع انهياره، ما دامت تركيا تعترض منذ البداية على الاتفاق نفسه. كما لا أبرئ الولايات المتحدة ايضاً، فهي غير مهتمة بتنفيذ الاتفاق لأنها تسعى إلى أن تكون شريكاً في تقسيم الكعكة السورية”.
من ناحيته، يوافق الدكتور زارا صالح، الباحث في دراسات السلام وحلّ النزاعات، والمقيم في بريطانيا، ما يقوله رمضان في تحميل النفوذ التركي مسؤولية أولى عن تعثر تنفيذ اتفاق 10 آذار، ويقول لـ”963+”: “تركيا صاحبة النفوذ الأقوى على سلطة الأمر الواقع في سوريا، وتحاول بشتى الوسائل فرض أجندتها ورؤيتها السياسية لمسار السلام في البلاد، وتربطه بحل مسألة حزب العمال الكردستاني، أي بتسليم الأكراد سلاحهم”، مضيفاً: “تركيا تحاول فرض هذه الرؤية لأنها تعتبر ’قسد‘ أحد أذرع حزب العمال الكردستاني، وهذا غير صحيح. وهذا التوجه يناسب التوجه المركزي للسلطة التي تحاول ترسيخ الاستبداد في سوريا”.
ويلفت صالح إلى أن السبب الآخر يتعلق بهذه السلطة السورية نفسها، “فبعد توقيع اتفاق 10 آذار، صدر الإعلان الدستوري الذي ألغى عملياً العديد من بنود الاتفاق، وأصبحت الصلاحيات شبه مطلقة بيد الرئيس”، مشيراً إلى أن الآليات الواقعية لتنفيذ الاتفاق ممكنة في حالة واحدة فقط: “إذا تخلت سلطة دمشق عن نهجها الأيديولوجي الطائفي، وهذا مستبعد. لذا، الحلّ هو إرساء نظام لا مركزي أو فيدرالي، مفروض إقليمياً ودولياً، لأن هذه السلطة – منذ ولدت – رهينة تفاهمات إقليمية ودولية”.
أي دمج؟
لكن، بغض النظر عن العاملين التركي والأميركي، وعن تعثّر الاتفاق، يبقى الكلام عن دمج “الإدارة الذاتية” بالدولة السورية المحور الأساس. وفي هذا، يقول صالح إن نقاطاً في الاتفاق فُسّرت وفق رؤية الشرع، خصوصاً في ما يتعلق بحقوق الشعب الكردي، “وهذه قضية دستورية لم تُذكر في الإعلان الدستوري، ولا قضية الاندماج، حيث يفسر أصحاب السلطة هذا الاندماج بانضمام أفراد ’قسد‘ كأفراد فحسب إلى القوى الحكومية، وليس كفيلق له خصوصية”.
السؤال المطروح هنا: هل وزارة الدفاع قادرة على استيعاب “قسد” ضمن بنيتها العسكرية والأمنية؟ يُجيب رمضان “963+”: “عن أي جيش سوري نتحدث؟ عن الجيش الذي دُمّر منذ 9 كانون الأول/ديسمبر العام الفائت؟”، مذكراً بأنه “لو صحّ أن الجيش التركي هو من يدرّب ما يسمى بقوى الأمن العام، فلا مجال لاستيعاب ’قسد‘ ضمن البنية العسكرية أو الأمنية الرسمية”.
ويعقّب صالح قائلاً إن قوات وزارة الدفاع لا يمكن تسميتها جيشاً نظامياً، يقوم على أسس علمية بحسب تعريف الجيوش، “فهذه مجموعة من الفصائل بايعت هيئة تحرير الشام، وأخرى تسير وفق رؤية دينية فقهية لا تقبل الشراكة، وهي أيضاً فصائل تابعة لتركيا ومملوكة منها”.
خلاف اللامركزية!
إلى ذلك، يوضح رمضان أن الخلاف حول اللامركزية وصلاحيات الإدارة المحلية في مناطق “قسد” لا يعود إلى اللامركزية بذاتها، “بل إلى مفاهيم خاطئة لدى معظم فئات الشعب السوري، بل ولدى السلطة الانتقالية نفسها، حول مفهوم اللامركزية نفسه… فاللامركزية جزء من تسهيل المواطنة وتبسيط المعاملات، لكن كثيرين يخلطون بينها وبين الكانتونات أو نظام الأقاليم أو الكونفدرالية، وهذا خلط كبير، ليس من ناحية الفهم الخاطئ فحسب، بل من ناحية سوء الظن باللامركزية أيضاً”.
هنا، يضيف صالح لـ”963+”: “ثمة نقطة أخرى أساسية وخلافية تتعلق باللامركزية، تنفيذها يعني عملياً أن سلطة دمشق والرئيس التركي هما اللذان يعيقان تنفيذ الاتفاق”، فهذا الاتفاق مجرد مبادئ عامة، وإذا لم يتم إقرار حقوق الكرد كشعب في الدستور، فلن يُنفّذ الاتفاق أبداً. ويتابع: “قضية الإدارة الذاتية لا تتعلق بحقوق الكرد وحدهم، بل تشمل جميع المكونات في تلك المناطق. أما قضية الاندماج، فهي نقطة أساسية تتجنب السلطة الخوض فيها”، مضيفاً أن السلطة، بعد زيارة الشرع إلى نيويورك، تتظاهر بأنها تملك دعماً خارجياً يمكنها من فرض أجندتها على الداخل، كما حدث في جرائم الساحل والسويداء.
ويلفت صالح إلى أن الخلاف حول مسألة اللامركزية جوهري، “فهذه السلطة تؤسس لاستبداد ديني طائفي إقصائي. وما جرى منذ مجيئها باتفاق دولي كان لتأسيس إمارة دينية طائفية، وهذا هو جوهر الخلاف. فمفاهيم الدولة والمواطنة والديموقراطية والحقوق والشراكة كلها غائبة عن أدبيات الجماعة، وسوريا لا يمكن أن تعود دولة مركزية كما كانت”، مضيفاً: “هذه السلطة تحاول تمرير قانون الإدارة المحلية رقم 107 الذي ساد في عهد البعث، لكن ذلك مستحيل، فمناطق السويداء والقنيطرة ودرعا صارت منزوعة السلاح وتحت الحماية الإسرائيلية، وبذلك أصبحت اللامركزية أمراً واقعاً عملياً”.
ويجاهر صالح بتحميل السلطة مسؤولية انفراط عقد البلاد، “فإن لم تراجع حكومة دمشق سياساتها، فسوريا متجهة إلى التقسيم، أو إلى التنازع بين مناطق نفوذ إقليمية ودولية”.
اقرأ أيضاً: الوحدة المهددة في الشمال السوري: الاشتباكات الأخيرة بين التوازن الميداني والسياسات الإقليمية
ولاء وبراء!؟
فما الحلّ إذاً؟ بحسب رمضان، مقترح تعيين عبدي، أو أحد قادة “قسد”، في مناصب حكومية رفيعة ليس حلاً للأزمة، ولا هو ورقة ضغط، “بل استجلاب لتمرير سياسات من خلال منح عبدي مركزاً أو مكاناً لا يمكنه فيه أن يحلّ أو يربط”، مؤكداً أن النظام التركي سيُعارض تنصيب عبدي في اي منصب، والكل يدرك العداوة التي يكنّها النظام التركي للشعب الكردي، سواء في سوريا أو في العراق، وحتى في داخل النظام التركي نفسه”.
ويعقب صالح على حديث رمضان بالقول: “الكلام عن تعيين عبدي، أو أحد قادة ’قسد‘ في مناصب سيادية كوزارة الدفاع أو رئاسة الأركان… لا أهمية له. فالقضية ليست قضية مناصب بل قضية حقوق ونظام حكم في سوريا. أعود وأكرر، النظام اللامركزي هو الأساس لتوزيع السلطات بين المركز والأقاليم، وهذا ما يطالب به الأكراد و’قسد‘. لذلك، أعتقد أن عبدي لن يقبل بمنصب رمزي، والقضية أعمق من ذلك”.
لا حلول ترقيعية
يشدد صالح على أن الحلّ الذي يبحث عنه الجميع ينطلق من بنية النظام نفسه، ومن شكل الحكم والدستور، “لا من الدستور الذي أعلنت عنه الحكومة الحالية، لأن الجيش يجب أن يُبنى على أسس علمية وحيادية، فهؤلاء – أي أعضاء الحكومة الانتقالية – عقيدتهم الولاء والبراء، ولا يقبلون حتى بالجماعات المتطرفة الأخرى، فكرهم يتجاوز الحدود، ولا خصوصية وطنية له”.
ويضيف: “تبقى إمارة سنية سلفية جهادية في دمشق ومناطق سورية أخرى، وستدعم الدول الأوروبية الحل القائم على لامركزية موسعة توازي الفيدرالية في الصلاحيات، وأعتقد أن هذا المقترح يلائم تركيا، لأنها تريد دمج ’قسد‘ ضمن ما يسمى ’الجيش‘، وتوزيع مناصب شكلية من دون تأثير حقيقي”، مشيراً إلى أن “الدولة العميقة في تركيا تدرك حجم التغيرات المقبلة في المنطقة بعد هزيمة إيران وفصائلها، وتحاول إجهاض القضية الكردية بحلول ترقيعية تتعلق بملف حزب العمال وأوجلان، لكنها لن تنجح… فالقضية صارت دولية، وسيكون الأكراد جزءاً من الحل في المنطقة، وستنشأ فدراليات في سوريا، منها فدرالية كردية تمتد من عفرين حتى ديريك ودجلة، كوحدة إدارية رغم التنوع العرقي والطائفي”.
وإذ تلوّح أنقرة ودمشق بحل عسكري ضد “قسد”، يقول صالح إن هذا غير ممكن فعلياً، “فلا ضوء أخضر أميركي، ولا قدرة للسلطة في دمشق على ذلك، ولا حتى تركيا قادرة إلا على بعض المناوشات المحدودة، مثل هجمات ’الحمزات‘ و’العمشات‘ التابعة لما يسمى بالجيش الوطني السوري… لكن، لا حل عسكرياً شاملاً في شمال وشرق سوريا”.










