في قلب الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، تتقاطع مشاريع الحكم وتتصارع الرؤى حول دور الإسلام في الدولة الحديثة. وسوريا، التي أنهكتها الحروب والانقسامات، تجد نفسها اليوم أمام محاولة فريدة لإعادة تعريف هويتها السياسية عبر نموذج إسلامي ناشئ، يقوده أحمد الشرع في المرحلة الانتقالية، في ظل مراقبة إقليمية ودولية حثيثة.
وهذا النموذج يثير أسئلة كبرى: هل يمكن للإسلام السياسي أن يتحول من مشروع ثوري متشظٍ إلى صيغة دولة مدنية جامعة؟ وهل تستطيع التجربة السورية أن تقدم بديلاً مختلفاً عن صيغ الحكم الإسلامي التي عرفناها في السعودية وتركيا، حيث يتجلى التباين بين إسلام منفتح يبتعد تدريجياً عن الوصاية الدينية، وإسلام سياسي يوظَّف كأداة نفوذ إقليمي؟
ويرى الصحفي السوري المقيم في فرنسا حازم الأطرش، في تصريحات لـ”963+” أن “أحمد الشرع يطرح نموذجاً سياسياً إسلامياً يتجاوز الانقسامات الطائفية التي غذّاها النظام السابق عبر نشر الفتنة منذ أكثر من 14 عاماً.
ويؤكد الأطرش أن “الشراكة الوطنية يجب أن تشمل جميع السوريين لضمان الاستقرار”، مشدداً على أن الحكومة الانتقالية الحالية تحاول التعامل مع المواطنين كمكوّن واحد تحت سقف القانون، بعيدًا عن المحسوبيات والرشاوى التي سادت في عهد الأسد.
ويعتبر الأطرش أن “مشروع الشرع يقوم على الموازنة بين الهوية الإسلامية الجامعة وحقوق المكوّنات المتنوعة، بما يمنحه فرصة ليكون جسرًا نحو استقرار داخلي وإقليمي. لكنه يواجه تحديات كبيرة في إعادة بناء مؤسسات الدولة بشكل متوازن، ودمج الفصائل المسلحة ضمن جيش وطني، وإطلاق مصالحة تطمئن الأقليات، إضافة إلى ملف إعادة الإعمار الذي يتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً.
ويلفت الأطرش إلى أن الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني يحظيان بترحيب دولي واسع، وأن “الإقبال الدولي على لقاءاتهما يتلقى ردود فعل إيجابية”، معتبراً أن بناء الدولة “لا يمكن أن يقوم على شخص واحد، بل على مشاركة جماعية تشمل كل الطوائف”.
اقرأ أيضاً: هل من ضرورة لعلمنة الدولة في سوريا؟ – 963+
بين الإسلام السياسي والعلمانية المعتدلة
أما الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية د. مروان شحادة، فيرى أن “الشرع يقدّم نموذجاً مختلفاً عن التجارب الإسلامية السابقة، لأنه “استفاد من أخطاء الحركات الجهادية والإسلام السياسي في انتقالها من الثورة والعمل السري إلى الدولة”.
ويشير شحادة في تصريحات لـ”963+” إلى أن تجربة الشرع في قيادة فصائل متعددة مثل “هيئة تحرير الشام” و”جيش الفتح” أكسبته “خبرة عملية في إدارة الشأن المدني والعسكري، تجعل انتقاله إلى نموذج الدولة أكثر سلاسة”.
ويضيف أن “الدولة في المفهوم الإسلامي دولة مدنية بفصل سلطات، لكنها تخضع لتوجه فكري يحافظ على هوية الدولة”.
ويرى أن التجربة السورية لا تذهب نحو دولة دينية بحتة ولا نحو علمانية كاملة، بل تقارب “هوية دينية معتدلة مع مساحة واسعة للمفاهيم المدنية المعاصرة”.
ويعتبر شحادة أن هذا النموذج “قد يشكل إلهاماً للحركات الإسلامية الأخرى إذا نجح، لكنه سيواجه معارضة من التيارات الأكثر تشدداً.
ويحذر من “مطالب الفدرالية الغربية التي قد تهدد وحدة سوريا، مشيراً إلى أن المقارنة مع السعودية مهمة، إذ أن المملكة انتقلت مؤخراً إلى “فصل نسبي بين السلطة السياسية والسلطة الدينية” تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، ما جعلها أكثر معاصرة وانفتاحًا مقارنة بنموذجها التقليدي السابق.
اقرأ أيضاً: سوريا.. إسلام الاعتدال وتخفيف الاحتقان – 963+
التنافس السعودي – التركي وانعكاساته على سوريا
المحلل السياسي كاميران دلو يلفت إلى أن “النموذج الإسلامي” في الحكم يختلف بحسب التجارب، موضحاً أن تركيا والسعودية تقدمان صورتين متناقضتين. فتركيا تبقى دولة علمانية دستورياً، لكن حزب العدالة والتنمية يوظف خطاب “الإسلام المعتدل” لتعزيز نفوذ الرئيس رجب طيب أردوغان، خصوصاً في الملف السوري حيث تسعى أنقرة لفرض هيمنتها على القرار.
أما السعودية، فيرى دلو في تصريحات لـ”963+” أنها “شهدت تحولاً جوهرياً منذ صعود محمد بن سلمان، إذ تم تهميش النفوذ الوهابي لصالح صياغة نموذج إسلامي “معتدل” أقرب إلى التجربة الإماراتية، في محاولة لتجنب تداعيات الربيع العربي وتقديم صورة أكثر انفتاحاً واستقراراً”.
ويعتبر دلو أن هذا التباين بين أنقرة والرياض تحوّل إلى “تنافس مباشر على قيادة العالم الإسلامي ينعكس بوضوح في الملف السوري. فالسعودية تدعم الحكومة المؤقتة في دمشق لكبح النفوذ الإيراني، لكنها قد تغيّر موقفها إذا بقي القرار السوري مرهونًا بتركيا”.
ويحذر دلو من أن تبنّي نموذج إسلامي قريب من الإخوان أو السلفية الجهادية في سوريا “سيقود إلى الفشل، كما حدث في مصر وتونس”.
ويرى أن النجاح يمر عبر “نموذج مدني ديمقراطي ليبرالي يحظى بشرعية داخلية عبر حوار وطني شامل وإعادة بناء مؤسسات الدولة”، مشدداً على أن “استمرار النفوذ التركي سيُبقي سوريا في دائرة الانقسام”.
ويجمع محللون على أنه “بينما يحاول الشرع رسم معالم نموذج إسلامي وطني يتجاوز الانقسامات ويوازن بين الهوية الدينية والهوية المدنية، تظل التجربتان السعودية والتركية ماثلتين أمامه كنموذجين متباينين: الأول اتجه إلى إسلام معتدل منفتح يفكك ارتباط السلطة بالدين، والثاني يوظف الإسلام السياسي لتعزيز النفوذ الإقليمي”.
وبين هذين النموذجين، يبقى مستقبل سوريا رهن قدرتها على التحرر من الوصايات الخارجية، وبناء عقد اجتماعي يضع مصلحة السوريين أولاً، ويمنح المرحلة الانتقالية شرعية داخلية تعصمها من الانقسام والفشل.










