منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 ودخول سوريا مرحلة انتقالية تقودها سلطة انتقالية برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً)، أصبح موقع الإسلام المعتدل في قلب النقاش السياسي والاجتماعي. فبينما يقدَّم الشرع نفسه كقائد معتدل يسعى إلى تهدئة الصراعات، تظل ـ بحسب محللين ـ خلفيته السلفية الجهادية وتاريخ بلاده المثقل بالتوترات الطائفية عقبة أمام بناء نموذج إسلامي قادر على ترسيخ الاستقرار.
وعلى مدى عقود، ارتبط الإسلام المعتدل في سوريا بالنظام السياسي أكثر من كونه نتاج حركة فكرية حرة. في عهد الأسد، صُوِّر هذا الإسلام كأداة لحماية النظام ورفض العلمانية، عبر نخبة من المشايخ الموالين للسلطة. وقد حُدد الاعتدال حينها وفق مقاييس الدولة الأمنية: كل من يقبل بسلطتها معتدل، وكل معارض إسلامي متهم بالتطرف.هذا التوظيف السياسي للدين أدى إلى تحويل الإسلام إلى أداة قمع نفسي واجتماعي، خاصة مع فرض خطب موحدة وخطاب ديني مراقب من المخابرات. وبذلك تلاشى أي فضاء للحوار الديني الحر، فيما استُخدم شعار “الرئيس المؤمن” لتجميل صورة النظام وشرعنة قمعه للمعارضين.
اقرأ أيضاً: الـ “نيو-إسلام” – 963+
مرحلة ما بعد 2024: اعتدال ملتبس
مع سيطرة الشرع وتحالفه على السلطة، برز خطاب جديد حاول الجمع بين الشريعة الإسلامية والإدارة المدنية. الشرع قدّم نفسه كقائد معتدل يسعى لمرحلة انتقالية، وألقى خطابات دولية أكّد فيها على الاعتدال والسلام. غير أن خلفيته الجهادية، وتبني الشريعة كمصدر رئيس للتشريع، إضافة إلى مجازر طائفية حدثت في الساحل السوري والسويداء، وقمع للمعارضة، جعلت هذا الاعتدال عرضة للتشكيك.
وفي هذا السياق، يصرّح الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الإرهاب الدولي، شريف الدواخلي، لـ”963+” بأن الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، والمفترض أن يمتد خمس سنوات، تضمن 44 مادة نصت على بقاء الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع، وهو ما اعتبره نصاً يتنافى مع التنوع الطائفي في البلاد ويعيد إنتاج ملامح حقبة حكم الأسد. وأشار إلى أن الإعلان جاء في أعقاب صدام دموي في منطقة الساحل أسفر عن مقتل 1476 مدنياً غالبيتهم من الطائفة العلوية.
ويوضح الدواخلي أن الاعتماد على الفقه الإسلامي، الذي يعود عمره إلى 1400 سنة ويضم آلاف الاجتهادات والمذاهب، يضع سوريا أمام إشكالية كبيرة، إذ إن مفهوم الحاكم في هذا الفقه مطلق الصلاحيات ولا يُعزل، ومعارضته تُعد خروجاً على الدين، وهو ما يتناقض مع مبدأ كفالة الحريات العامة وحق المعارضة في المجتمعات الحديثة.
بدوره يؤكد الكاتب والباحث المصري، أحمد بان، لـ”963+” أن الفقه الإسلامي التقليدي وحده لا يكفي لحل التعقيدات الطائفية والسياسية في سوريا، مشدداً على أن الأمر يتطلب نظاماً سياسياً علمانياً براغماتياً يعتمد على مبدأ المواطنة ويضمن الحقوق والحريات لكل المواطنين.
ويوضح بان أن فكرة الاعتماد على الفقه الإسلامي في توفير فرص نجاح الإسلام المعتدل لتخفيف الاحتقان الطائفي والسياسي داخل المشهد السوري ليست كافية، مؤكداً أن إدارة التنوع الطائفي والسياسي ترتبط بشكل النظام السياسي وطبيعته وقيمه وتوجهاته، وليس فقط بالمظلة الدينية.
ويضيف الباحث المصري أن التحديات الأمنية والسياسية أمام تطبيق الإسلام المعتدل في المرحلة الانتقالية بسوريا لا تقتصر على وجود جماعات متشددة أو التحولات الإقليمية، بل تشمل أيضاً غياب توجيه الإسلام التقليدي للسلوك الاجتماعي لكل الأقليات والمجموعات داخل المجتمع السوري.
ويشير إلى أن محاولة فرض رؤية دينية موحدة على المجتمع السوري لن تكون كافية، مؤكداً أن شكل النظام السياسي وطبيعته هو العامل الحاسم، خاصة في ظل التدخلات الإقليمية والدولية المستمرة.
كما يلفت إلى أن الخطاب الإسلامي المعتدل قد يكون أداة مفيدة في تهدئة النزاعات والاحتقانات، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق التأثير المرجو على العلاقات السورية مع الفواعل الإقليمية والدولية، مؤكداً ضرورة اعتماد نهج سياسي واضح علماني وبراجماتي لضمان الاستقرار والتعايش في البلاد.
والسلطة السورية الانتقالية بدورها تبنت نموذج حكم تكنوقراطي، مع بعض الإصلاحات الدستورية المعلنة مثل فصل السلطات وضمان بعض الحقوق، إلا أن الممارسات الميدانية كشفت استمرار التوترات الطائفية وضغوط الجماعات السلفية المتشددة داخل التحالف.
اقرأ أيضاً: “التكفير” وتأثيره على سوريا المستقبل – 963+
الإسلام المعتدل كفرصة لتخفيف الاحتقان
رغم التعقيدات، يظل الإسلام المعتدل خياراً استراتيجياً يمكن أن يسهم في تهدئة التوترات إذا تحوّل من مجرد خطاب سياسي إلى ممارسة عملية. هذا يتطلب بحسب باحثين: “الموازنة بين التقاليد الدينية والحقوق المدنية، بما يضمن التنوع الطائفي والديني في سوريا. تجاوز استخدام الدين كأداة للسيطرة السياسية، والانتقال نحو إصلاح المؤسسات الدينية والتعليمية لتبني خطاب أكثر انفتاحاً. تمكين علماء ومصلحين مستقلين قادرين على تقديم رؤية تجديدية تنسجم مع متطلبات الاستقرار والتعايش”.
وفي هذا الإطار، يرى الدواخلي أن ما يسمى بـ”الإسلام المعتدل” يبقى في كثير من الأحيان شعاراً لتحسين الصورة دون معالجة جوهر التحدي، وهو صعوبة التوفيق بين العقيدة الإسلامية والقيم المدنية المشتركة التي تقوم عليها المجتمعات المتنوعة. وأضاف أن الإسلام بالنسبة لقطاعات واسعة يبقى تجربة فردية روحانية وزهدية لا تتلاءم بالضرورة مع المخالفين في العقيدة.
كما يؤكد الدواخلي أن الاحتياجات الإنسانية هي نقطة البداية للتعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري، داعياً المؤسسات الدينية إلى تبني خطاب يعزز الإرادة المشتركة والولاء للوطن بدلاً من الانتماءات الطائفية أو القبلية.
ويشدد على أن مواجهة خطاب الكراهية وما يرتبط به من تعصب وانتقام يجب أن تكون أولوية قصوى، بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية.
فرصة إقليمية
إعادة صياغة الإسلام المعتدل في سوريا لا تعني فقط تخفيف الاحتقان الداخلي، بل يمكن أن تقدم نموذجاً إقليمياً يقلل من حدة الاستقطاب بين التيارات الإسلامية المختلفة، وإن نجاح هذا النموذج قد يسهم في تعزيز الحوار بين الطوائف والمذاهب، ويعيد للدين مكانته كعامل وحدة بدلاً من أداة صراع.
وهنا يشير الدواخلي إلى أن الاستقطاب الديني والقومي والعرقي في سوريا يمثل جزءاً من “الاختلافات الهوياتية” العميقة، حيث تلعب المظلومية الجماعية دوراً بارزاً في تعميق الانقسام وتعزيز عقلية “نحن مقابل هم”.
وهذه الإشكالية، وفق قوله، “تزايدت منذ تولي أحمد الشرع رئاسة الدولة، وسط تدهور اقتصادي يستدعي بناء الثقة بين الحكومة والشعب ورسم خارطة طريق عملية لمواجهة الانقسام بالتوازي مع إعادة البناء الاقتصادي وتعزيز الأمن”.
واليوم، يقف الإسلام المعتدل في سوريا، بين إرث من التوظيف السلطوي القديم وتجربة انتقالية لا تزال مرتبكة. لكنه، إذا ما تمكن من تجاوز القيود الأمنية والتشدد الجهادي، يمكن أن يكون جسراً لتخفيف الاحتقان وبناء أرضية للتعايش، بما يفتح الباب أمام استقرار داخلي ومصالحة أوسع في المنطقة.
ويؤكد شريف الدواخلي أن الإسلام يقر حقوق الإنسان باعتبارها حقوقاً إلهية ملزمة، والشريعة توجب على الدولة حمايتها، لكن الأزمة تكمن في التطبيق، والحل يكمن في تجديد الخطاب الديني وتأويل النصوص بما يتناسب مع العصر، مع تبني لغة الحوار بدلاً من الإقصاء، لتحقيق التوازن بين الثوابت الدينية وحقوق الإنسان والحريات المدنية، وتطبيق المبادئ الشرعية بطرق مرنة تتوافق مع المعايير الدولية.










