في شوارع دمشق المكتظة، يطفو على السطح صراع جديد بين وسيلتين للنقل: سيارات الأجرة التقليدية التي رافقت حياة أهالي دمشق لعقود طويلة، وتطبيقات النقل الحديثة، وعلى رأسها شركة “يلا غو” التي دخلت السوق السورية قبل سنوات قليلة.
هذا الصراع بات حديث الشارع وموضوع نقاش دائم بين الركاب والسائقين. فبينما يراه البعض خطوة نحو التحديث والراحة، يعتبره آخرون تهديداً مباشراً لمصدر رزق آلاف السائقين.
معاناة سائقي التاكسي
يقول محمود الحسن، سائق تاكسي منذ 25 عاماً، وهو يجلس خلف مقود سيارته القديمة في ساحة الأمويين لـ”963+”: “العداد ما عاد موجود أصلاً. الزبون صار يفضل التطبيق، حتى لو دفع زيادة، لأنه بيحس براحة والسيارة جديدة. نحنا إذا مشينا عالعداد ما بتكفي بنزين، وإذا طلبنا زيادة بيفكرونا عم نسرق”.
ويرى محمود أن دخول “يلا غو” غيّر شكل المنافسة بالكامل، إذ بات الراكب يواجه سيارات حديثة نسبياً، بتسعيرة محسوبة مسبقاً عبر التطبيق، وخدمة متاحة على مدار الساعة. وهو ما جعل التاكسي التقليدي خياراً أخيراً للركاب، إلا في حالات الضرورة أو غياب الإنترنت.
رؤية سائقي “يلا غو”
على الجهة المقابلة، يروي رامي صالح، شاب يعمل مع “يلا غو” منذ عامين، تجربته لـ”963+” بالقول: “أنا درست بالجامعة سنتين واضطريت أترك. لما سجلت بالتطبيق، حسيت الفرق. الأجرة واضحة، ما في جدال، والراكب بيرتاح لأنه بيطلب من مكانو وبيشوف وين السيارة وصلت”.
ويؤكد رامي أن دخله تحسّن مقارنة بالتاكسي، رغم أنه غير ثابت. بالنسبة له، تطبيقات النقل توفر الأمان والشفافية لأنها تلغي النقاش على الأجرة، وتمنح الراكب راحة أكبر، كما أنها تفتح مجالاً لدخل إضافي للسائقين الشباب. لكنه يعترف بوجود احتكاكات مع السائقين التقليديين: “أحياناً بنحس نظرات عدائية. بس يا أخي، السوق بيتسع للكل”.
خلفية الأزمة
يعاني قطاع النقل في دمشق منذ سنوات من مشاكل متراكمة. عدد كبير من سيارات التاكسي خرج من الخدمة بسبب الأعطال وارتفاع تكاليف الصيانة، فيما يرهق الغلاء السائقين الذين يجدون صعوبة في تغطية مصاريفهم اليومية. كما أدى غياب الرقابة الفعلية على العدادات إلى فقدان الثقة بين السائق والراكب، وهو ما فتح الباب أمام المساومة المستمرة على الأجرة.
ومع دخول “يلا غو”، برزت هذه التناقضات بوضوح أكبر. فبينما يحاول التطبيق فرض نظام جديد قائم على التقنية والشفافية، يشعر سائقو التاكسي أنهم الحلقة الأضعف في مواجهة تنظيم رقمي لم يتهيؤوا له.
الركاب بين خيارين
المواطن الدمشقي يجد نفسه اليوم في موقف حائر بين وسيلتين مختلفتين. مع التاكسي التقليدي، يبقى هاجس المساومة على الأجرة حاضراً، لكن أحياناً يكون الخيار الأسرع والأرخص إذا قبل السائق تشغيل العداد. أما مع “يلا غو”، فالخدمة أكثر وضوحاً وتنظيماً، لكن الكلفة غالباً ما تكون أعلى.
تقول نور الصالح، موظفة في شركة خاصة لـ”963+”: “ما عاد عندي طاقة أتخانق مع سائق تكسي. مع يلا غو بضغطة زر بخلص، حتى لو دفعت أكتر شوي”.
وعلى الجانب الآخر، يرى سامر عز الدين، متقاعد في الستينيات، أن “التطبيقات ما بتناسب الناس البسطاء. المشوار بيكلف ضعف التاكسي”.
غياب التحكيم القانوني
المفارقة أن هذه المواجهة تجري دون إطار قانوني واضح. فوزارة النقل لم تصدر بعد قوانين تنظم العلاقة بين التاكسي والتطبيقات، كما لا يوجد سقف محدد لتسعيرة الخدمات عبر التطبيقات. في المقابل، يطالب السائقون التقليديون بحماية حقوقهم، بينما تستند الشركات إلى مبدأ “حرية السوق”.
يقول محمود بمرارة: “مو ضد التطور، بس عطونا فرصة نعيش. ليش ما بيعملوا تطبيق رسمي للتاكسيات؟” بينما يرى رامي أن “التنظيم ممكن يحل المشاكل. إذا في قانون واضح، الكل بيرتاح”.
أبعاد اقتصادية واجتماعية
البطالة والرزق يشكلان جوهر هذه الأزمة، إذ يعتمد آلاف السائقين على التاكسي كمصدر دخل وحيد، ويشعرون أن دخول التطبيقات يهدد استقرارهم. في المقابل، يمثل “يلا غو” نموذجاً جديداً يعكس التطور التكنولوجي وقد يشجع على استثمارات جديدة في قطاع النقل.
التوتر بين السائقين التقليديين وسائقي التطبيقات يعكس أيضاً أزمة ثقة أوسع في الخدمات العامة، فيما أصبح النقاش حول “الأجرة” و”العدالة” جزءاً من أحاديث الناس اليومية، ما يضفي على القضية أبعاداً اجتماعية تتجاوز النقل إلى معيشة المواطن.
المستقبل: نحو حل أم مواجهة؟
في ظل غياب تنظيم حقيقي، يبدو أن المواجهة ستبقى مفتوحة. بعض الخبراء يرون أن الحل يكمن في دمج سيارات التاكسي التقليدية ضمن التطبيقات، بما يمنح السائقين فرصة للعمل عبر المنصات مع الحفاظ على سياراتهم. آخرون يقترحون إطلاق تطبيق حكومي خاص بسيارات التاكسي، يضمن التسعيرة الرسمية ويعيد الثقة بين الراكب والسائق.
لكن حتى يتحقق ذلك، ستستمر قصة محمود ورامي، وقصص آلاف غيرهم، في رسم ملامح صراع بين القديم والجديد، بين التقاليد والرقمنة، في شوارع دمشق التي لم تعد كما كانت.










