في خضم الحرب السورية التي مزّقت الجغرافيا والوجدان، برزت المرأة السورية كقوة صامتة تواجه تحديات تفوق الوصف. كثيرات وجدن أنفسهن فجأة في موقع المسؤول الأول عن الأسرة، بعد أن غيبت الحرب الأزواج وتركت فراغاً عاطفياً واقتصادياً هائلاً، فلم يكن هذا التحول خياراً، بل ضرورة فرضتها ظروف قاسية، دفعت النساء إلى خوض معركة يومية من أجل البقاء، والحفاظ على كرامة الأسرة وسط واقع معيشي بالغ الصعوبة.
وتحملت هؤلاء النساء أعباء مضاعفة: العمل خارج المنزل لتأمين لقمة العيش، إدارة شؤون الحياة اليومية، ورعاية الأبناء نفسياً وتربوياً في بيئة يغلب عليها الخوف، الفقر، وعدم الاستقرار. ومع ذلك، لم تُمنح الكثير منهن الاعتراف الكافي بدورهن الجديد، بل واجهن نظرات اجتماعية تقليدية تشكك في قدرتهن على قيادة الأسرة بمفردهن.
“معيلة رئيسية”
توضح الدكتورة أديبا حمدان، أستاذة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، أن الحرب السورية تُشكّل ضغطاً قاسياً على الأسرة، خصوصاً في ظل طبيعتها التقليدية التي تُحمّل الرجل دور المنتج والمعيل والمسؤول الأول. الحرب تُغيّر هذا الدور، وتُحوّل المرأة إلى المعيلة الرئيسية للأسرة، مما يُحدث تحولاً اجتماعياً وقيمياً عميقاً في المجتمع السوري، لا سيما أن دور المرأة قبل الحرب يقتصر على رعاية الأطفال والاهتمام بالزوج والمنزل، دون أن تتحمل مسؤولية مباشرة عن الأسرة.
وتشير إلى أن هذا الدور التقليدي يُشكّل جزءاً من شخصية المرأة السورية، مما يجعل التخلي عنه أمراً صعباً.
وتُضيف لـ”963+” أن النساء الشابات اللواتي يفقدن أزواجهن بين سن العشرين والخمسة والثلاثين يُظهرن قدرة ومرونة أكبر مقارنة بمن يفقدن أزواجهن في أعمار متقدمة. هؤلاء الشابات، رغم الصعوبات، يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن، ويواجهن تحدياً كبيراً في أداء دور مزدوج كأمهات ومعيلات ولفتت إلى أن النساء اللواتي فقدن معيلهن تعرضن إلى ضغوط كبيرة بسبب القيام بأدوار جديدة تضاف إلى أدوارهن المعتادة، مثل العمل داخل المنزل وخارجه.
وتُشير كذلك إلى التحديات الاجتماعية التي تُواجه النساء، حيث تتولى المرأة مسؤولية الحرية والكفاح والتحدي لإثبات ذاتها وإنجاح أسرتها، تعويضاً عن غياب الأب. وتُلاحظ أن المرأة السورية تتغلب على الكثير من العقبات، سواء داخل المجتمع السوري أو في المجتمعات التي تلجأ إليها. وتذكر أنها خلال زيارتها إلى ألمانيا، تُشاهد نساء شابات يُجاهدن في أداء واجباتهن الأسرية داخل مجتمع مختلف في عاداته وتقاليده.
وتُلفت النظر إلى التحديات النفسية والاقتصادية التي تُواجه النساء، خاصة في دول اللجوء. من خلال ملاحظاتها، تُبيّن أن الواقع الاقتصادي يُشكّل عبئاً إضافياً، وأن المرأة الشابة التي تفقد زوجها تُعاني من إرهاق نفسي شديد، يصعب تعويضه، خصوصاً إذا ما تُصرّ على أداء دور الأم والأب معاً، على حساب ارتباطها بشخص آخر.
ويُعد الترمل، أي فقدان أحد الزوجين، من أخطر الآثار الاجتماعية التي خلفتها الحرب في سوريا، حيث تواجه الأسر السورية تحديات إنسانية ومعيشية جسيمة نتيجة لذلك.
وكشف مسح ديمغرافي شامل أجراه المكتب المركزي للإحصاء بالتعاون مع منظمات دولية، عن وجود أكثر من 518 ألف امرأة فقدن أزواجهن خلال سنوات النزاع. في حين أفاد تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن أكثر من 145 ألف أسرة سورية لاجئة في دول مثل لبنان والأردن والعراق ومصر، بالإضافة إلى عشرات الآلاف في تركيا، تُعيلها نساء بمفردهن، يكافحن من أجل تأمين احتياجات الحياة اليومية. وتشكل هذه الأسر نحو 22% من إجمالي العائلات السورية.
تغير دور المرأة
وتؤكد وضحة فواز الأحمد، المدربة في مركز “مكاني” التابع لمنظمة شفق في خان شيخون جنوب إدلب، لـ”963+” أن الحرب تُحدث تأثيراً عميقاً على المجتمع السوري، وتُغير بشكل جذري من دور المرأة فيه. وتشير إلى أن النساء يتحولن من ربات أسر إلى معيلات، نتيجة فقدان الأزواج، ما يفرض عليهن مسؤوليات جديدة ويُعيد تشكيل العادات والتقاليد المجتمعية.
وتوضح الأحمد أن المرأة السورية، خصوصاً الأرامل والمطلقات، تواجه تحديات نفسية واجتماعية جسيمة، أبرزها نظرة المجتمع السلبية لهن، وصعوبة اندماجهن في سوق العمل.
وتلفت إلى أن هذه النظرة لا تقتصر على بيئة العمل، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية مثل التسوق، ما يفاقم من مشاعر العزلة والوحدة، ويؤدي إلى أمراض نفسية متزايدة بين النساء المتضررات.
وتُبرز الأحمد أن الحزن الناتج عن فقدان الأزواج يُعد من أبرز التحديات النفسية التي تواجه الأرامل، ويؤثر بشكل مباشر على صحتهن النفسية. ورغم ضعف إمكانيات الحكومة السورية الجديدة، إلا أنها تبادر إلى تمكين المرأة عبر تعيينها في مناصب وزارية وإدارية، وتوفير فرص عمل، إلى جانب كفالة الأيتام.
وعلى الصعيد الدولي، تواصل المنظمات الحكومية والمحلية تنفيذ مشاريع صغيرة تستهدف النساء، بهدف دعمهن اقتصادياً وتمكينهن من إعالة أسرهن. كما تُسارع المنظمات الحقوقية إلى توثيق الانتهاكات، واستخراج الوثائق، والتنسيق مع الأمم المتحدة لتوفير بيئة آمنة للمرأة وطفلها بحسب الأحمد.










