شهد ملف العلاقة بين قوات سوريا الديموقراطية وتركيا تطوراً جديداً مؤخراً، بعد تصريحات القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي، التي أشار فيها إلى وجود تواصل مباشر مع أنقرة واستعداد لرفع مستوى هذا التواصل. وفي المقابل، أبدت تركيا مواقف أكدت فيها ضرورة الانتقال من التصريحات إلى خطوات عملية، ما يعكس مرحلة جديدة من التفاعل بين الطرفين في ظل تعثر الحوار بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية.
في نهاية مايو الماضي، صرّح عبدي بأن قوات سوريا الديموقراطية باتت على اتصال مباشر مع تركيا، وأعرب عن انفتاحه على تطوير العلاقة، بما في ذلك احتمال عقد لقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وأوضح أن التواصل يتم أحياناً عبر وسطاء ويرتبط بشكل أساسي بملفات أمنية وعسكرية، مثل ضبط الحدود، وملف مقاتلي تنظيم “داعش” المحتجزين، إضافة إلى القضايا الإنسانية في مناطق الإدارة الذاتية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت لم تسفر فيه اللقاءات بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية خلال الأشهر الماضية عن تقدم ملموس بشأن مستقبل الإدارة الذاتية، ما دفع إلى البحث عن بدائل للتعثر القائم في مسار الحوار.
من الجانب التركي، صرّح الرئيس أردوغان أواخر مايو بأن قوات سوريا الديموقراطية “ما تزال تستخدم تكتيكات للمماطلة رغم اتفاقها مع دمشق على الاندماج”، مطالباً بوقف ذلك وتنفيذ التفاهمات ضمن الجدول الزمني المحدد.
كما شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في منتصف أغسطس، على أن دمج قوات سوريا الديموقراطية في مؤسسات الدولة السورية لم يعد قابلاً للتأجيل، داعياً إلى حلول عملية بعيداً عن التسويف.
وبذلك، يبدو أن التواصل المباشر بين قوات سوريا الديموقراطية وتركيا بات يرتبط باعتبارات أمنية وسياسية متزايدة، في ظل ضغوط متعددة الأطراف، مع تأكيد أنقرة على ضرورة ترجمة هذا الانفتاح بخطوات عملية مرتبطة بمستقبل وضع القوات ضمن مؤسسات الدولة السورية.
اقرأ أيضاً: ما مصير اتفاق 10 مارس بين قسد والحكومة بعد مؤتمر الحسكة؟ – 963+
الحوار بين قسد وتركيا يعزز الاستقرار ويخدم المصالح المشتركة
يؤكد الباحث والكاتب السياسي شيرزاد اليزيدي، المقيم في أربيل، لـ”963+” أن لا وجود لتضاد بين انخراط قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والإدارة الذاتية في حوارات ومفاوضات مع تركيا، وبين تحالفاتها الدولية ضمن إطار مكافحة تنظيم داعش، وسعيها للتوصل إلى تفاهمات مع الحكومة السورية.
ويعتبر أن التقدم في هذه التفاهمات مع أنقرة ينعكس إيجاباً على مسار الحوار بين الإدارة الذاتية ودمشق، ويسهم في تبديد الهواجس التركية التي يصفها بأنها “مفتعلة وغير واقعية”، وتُستخدم كذرائع لتبرير أجندة توسعية في سوريا.
ويشير اليزيدي إلى أن دعوته للحوار مع تركيا ليست وليدة ظرف اضطراري، بل تنبع من قناعة راسخة بأن المصالح المشتركة، والتاريخ، والجغرافيا تفرض هذا التوجه.
ويشدد على أن تركيا دولة مؤثرة في الملف السوري، ولا يمكن تجاهل عمقها الاستراتيجي في القضية الكردية، خاصة أن نحو 25 مليون كردي يعيشون في تركيا وسوريا، ما يخلق روابط ثقافية واقتصادية وتاريخية يصعب تجاوزها.
ويعتبر أن الحوار بين قسد وتركيا يعكس حسن النية، ويؤكد أن قسد لا تنظر إلى تركيا كعدو، بل تسعى إلى بناء علاقة إيجابية معها.
ويستشهد بهدنة سد تشرين كمثال على نتائج هذا الحوار، معرباً عن أمله في أن يرتقي إلى مستويات أعلى، وأن تنظر أنقرة إلى الأكراد في سوريا كبوابة لتعزيز مصالحها الإقليمية والاقتصادية.
اقرأ أيضاً: توماس باراك: مباحثات متواصلة بين الجنرال عبدي وهاكان فيدان ومسؤولين أتراك – 963+
الدول الغربية تشجع الحوار وتعتبره حلاً للأزمات
ويضيف اليزيدي أن واشنطن والدول الغربية الحليفة للإدارة الذاتية لا تعارض هذا الحوار، بل تدعمه باعتباره خطوة نحو حل ملف شديد الحساسية، خاصة في ظل التجارب السابقة للاحتلال التركي لمناطق مثل عفرين ورأس العين وتل أبيض، وما خلفته من أزمات إنسانية وسياسية في سوريا والمنطقة.
ويشدد على أن الحوار لا يُستخدم كورقة ضغط على موسكو أو دمشق، بل يعكس انفتاح قسد وتركيا على جميع الأطراف الفاعلة في سوريا.
ويرى أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية تتسم بتضارب الأجندات الداخلية والخارجية، ما يجعل من الحوار والتفاهم السياسي الخيار الأكثر حكمة، في ظل فشل العنف والنزاعات في تحقيق أي نتائج إيجابية، بل إنها تضر بمصالح جميع الأطراف المعنية.
سياسة تركيا ثابتة ولم تتغير
يؤكد المحلل السياسي هشام رستم، المقيم في تركيا، أن سياسة أنقرة تجاه “قسد” تبقى ثابتة ولم تشهد أي تغيير يُذكر. تركيا ترفض بشكل قاطع قيام أي كيان كردي في شمال وشرق سوريا، سواء بصيغة حكم ذاتي كما تطالب به قسد أو بأي صيغة أخرى، وتصرّ على ضرورة بقاء سوريا موحدة تحت قيادة حكومة مركزية واحدة.
ويشير رستم إلى أن موقف تركيا لا يتأثر بتعنّت حكومة دمشق أو أي عوامل داخلية أخرى، بل ينبع من رؤية استراتيجية تعتبر أن أي تقسيم محتمل لسوريا يمسّ أمنها القومي بشكل مباشر. ورغم احتمال وجود اتصالات محدودة بين أجهزة الدولة التركية مثل الاستخبارات، إلا أن رستم يستبعد حدوث أي تحول جوهري في السياسة التركية تجاه الأكراد في سوريا.
ويضيف لـ”963+” أن تركيا تتبنى موقفاً راسخاً منذ عقود برفض أي كيان كردي مستقل في المنطقة، سواء في شمال العراق أو سوريا، رغم اضطرارها للتعاون مع حكومة إقليم كردستان العراق تحت ضغط أمريكي. إلا أن هذا التعاون لا يعكس تغييراً في جوهر السياسة التركية، التي تظل معارضة لأي مشروع انفصالي كردي.
وفيما يتعلق بقسد، تعتبرها تركيا تنظيماً إرهابياً، ولا تصدر أي تصريحات رسمية تشير إلى إمكانية إعادة النظر في هذا التصنيف أو فتح قنوات حوار معها. الخطاب الرسمي التركي يركّز على منع أي وجود كردي مستقل في شمال وشرق سوريا، ويؤكد دعم أنقرة لحكومة دمشق في سعيها لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية.
ويشدد رستم على أن تركيا لا ترى في قسد طرفاً يمكن التفاوض معه، بل تعتبر نفسها دولة ذات سيادة لا تدخل في حوار مع تنظيمات، ما يجعل موقفها من هذه القضية واضحاً وحاسماً.










