مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الأولى منذ وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السلطة عقب سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، أثار قرار اللجنة العليا للانتخابات بتأجيل الاقتراع في ثلاث محافظات سورية أساسية جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والشعبية.
الرقة والحسكة شمالاً، والسويداء جنوباً، حُرِمت من الانتخابات بعد أن بررت اللجنة خطوتها بدواعٍ أمنية، لكنها طرحت في الوقت ذاته ثلاثة خيارات للتعامل مع هذه المناطق، وهي: السماح لسكانها بالتصويت خارج محافظاتهم، أو تعيين ممثلين عنهم بقرار رئاسي، أو إبقاء المقاعد شاغرة حتى إشعار آخر.
هذه البدائل لم تُقنع كثيرين ممن رأوا أن القرار يعيد إنتاج عقلية الإقصاء السياسي ويُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها.
وأكدت اللجنة العليا للانتخابات في تصريحات صحفية أن التأجيل لم يكن خياراً سهلاً، لكنه جاء نتيجة اعتبارات أمنية ولوجستية “لا يمكن تجاهلها”، على حد قولها.
واعتبرت أن إجراء انتخابات في مناطق تخضع لسلطات عسكرية “غير نظامية” سيقوض مصداقية العملية برمتها، مؤكدةً أن الاستحقاق الانتخابي شأن سيادي لا يجوز العبث به.
إلا أن هذه المبررات اصطدمت برفض واضح من جانب الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، التي رأت أن القرار ليس إلا محاولة سياسية لإقصاء المكونات الكردية والعربية في المنطقة من المشهد الوطني.
اقرأ أيضاً: اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تحدد عدد الدوائر الانتخابية وتطلب محامين لمراقبتها – 963+
رسالة خطيرة
السياسي الكردي عبد الكريم الشيخ حسن يقول لـ”963+”: “استبعاد الحسكة والرقة يوجّه رسالة خطيرة إلى سكان المنطقة، مفادها أنهم مجرد رعايا لا مواطنين كاملي الحقوق”.
ويضيف أن أي مشاركة فعلية لهذه المناطق كان من شأنها أن تفتح الباب أمام تمثيل مختلف قائم على الديموقراطية واللامركزية، وهو ما لا ترغب دمشق في حدوثه، معتبراً أن هذه السياسة ستدفع الناس أكثر نحو فقدان الثقة بمؤسسات الدولة، وربما البحث عن بدائل سياسية خارجها.
ويشير إلى أن المحافظات الثلاث تمثل نحو عشرة في المئة من مقاعد البرلمان الجديد، وهو رقم له دلالته في ظل القانون الانتخابي المؤقت الذي رفع عدد مقاعد مجلس الشعب من 150 إلى 210، منها 70 يعيّنها الرئيس مباشرة.
الرقة تضم نحو 816 ألف نسمة وفق إحصائيات محلية غير رسمية، فيما يعيش في الحسكة نحو 422 ألفاً داخل المدينة ويصل العدد مع ضواحيها إلى مليون وثلاثمائة ألف نسمة، في حين يبلغ عدد سكان السويداء حوالي 322 ألفاً معظمهم من الدروز.
الرقة والحسكة تخضعان لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، في حين تعيش السويداء حالة من التمرد الأهلي والاحتجاجات المستمرة ضد السلطة المركزية، رافقها في بعض الأحيان مواجهات مسلحة وتوترات أمنية.
من جهته، يقول الباحث والصحفي طارق عبد الستار لـ”963+” إن قرار التأجيل “مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر”، موضحاً أن استبعاد هذه الكتلة السكانية الكبيرة يترك فراغاً سياسياً خطيراً، خاصة وأن هذه المحافظات تضم مكونات أساسية من عرب وأكراد ومسيحيين ودروز.
ويضيف أن غياب هذه الأصوات عن البرلمان سيزيد من هشاشة العملية السياسية ويضعف شرعيتها على المستويين الداخلي والخارجي.
اقرأ أيضاً: الإدارة الذاتية ترفض انتخابات مجلس الشعب: شكلية لا تستجيب لمتطلبات الحل – 963+
“بين المنطقي والعبثي”
في الشارع السوري، تتباين المواقف؛ حيث يرى بعض السوريين أن التأجيل منطقي وضروري، وهو ما يؤكده الموظف معتز خضير لـ”963+”، إذ يقول إن السماح بالانتخابات في مناطق خارج سلطة الدولة يعني اعترافاً بشرعيتها ولذلك فإن التريث حتى بسط الأمن الكامل هو الخيار الأسلم.
وفي المقابل، تعبّر الناشطة المدنية ليلى عثمان وهي من سكان محافظة الحسكة عن استيائها من هذه القرارات التي وصفتها بـ”العبثية”، إذ إن سكان المنطقة يُعاملون كمواطنين من درجة ثانية، ويُطلب منهم أداء الواجبات لكن حقوقهم السياسية تُؤجَّل كل مرة بحجة الظروف الأمنية.
أما في السويداء، فيعتبر المدرّس المتقاعد فؤاد نصر ــ اسم مستعار ــ أن القرار يعيد إنتاج عقلية النظام السابق، حيث يقرّر الرئيس من يدخل البرلمان ومن يُستبعد، دون أي اعتبار لإرادة الناس.
خيارات اللجنة العليا لمعالجة هذا الملف لم تلقَ قبولاً واسعاً؛ فالتصويت خارج المحافظات يواجه عقبات لوجستية وسيحرم الكثيرين من حقهم بسبب صعوبة التنقل.
أما تعيين نواب بقرار رئاسي فيُنظر إليه على أنه تقويض للتمثيل الشعبي وتحويل البرلمان إلى غرفة تعيينات، بينما إبقاء المقاعد شاغرة إلى حين إشعار آخر يضعف العملية الانتخابية برمتها ويهمّش مناطق بأكملها، بحسب ما قاله سكان وأهالٍ لـ “963+”.
الباحث في الشؤون السياسية غزوان الفهد يرى في تصريحات لـ”963+” أن الحل يكمن في تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة و”قسد” والسويداء، إلى جانب منظمات حقوقية، لوضع جدول زمني واضح للانتخابات بما يضمن مشاركة جميع السوريين.
ويشير إلى أن دمشق تخشى من نتائج غير متوقعة إذا جرت الانتخابات في هذه المحافظات، خصوصاً أن التوازنات السكانية قد تسمح بدخول أصوات مختلفة إلى البرلمان.
اقرأ أيضاً: القامشلي.. آراء ناشطين حول انتخابات مجلس الشعب – 963+
ويرى آخرون أن تأكيد سيطرة الدولة ورمزيتها كان الدافع الأساسي للتأجيل، لكن الأكاديمي التربوي يونس الحاج علي من القامشلي يؤكد لـ”963+” أن الوضع الأمني في الرقة والحسكة أفضل من بعض المناطق الأخرى التي ستُجرى فيها الانتخابات، معتبراً أن استخدام الأمن كذريعة يضعف ثقة الناس بالحكومة ويؤكد أن العملية برمتها موجّهة ومسيّسة ولا تتمتع بالنزاهة والشفافية.
ومنذ وصوله إلى الحكم، اتخذ الشرع سلسلة خطوات قيل إنها تمهّد لإصلاح سياسي، منها حل البرلمان السابق، وإصدار إعلان دستوري مؤقت لخمس سنوات، وزيادة عدد مقاعد مجلس الشعب.
لكن حتى الآن لا يلمس الشارع تغييراً جوهرياً في قواعد اللعبة السياسية، بحسب ما أوضحه أستاذ العلوم السياسية أيمن يونس محمد، الذي يرى أن الانتخابات المقبلة تبدو أقرب إلى عملية شكلية من كونها خطوة إصلاحية حقيقية، معتبراً أن قرار التأجيل في ثلاث محافظات يعكس غياب الرغبة في إشراك الجميع في المرحلة الانتقالية.
وبحسب ناشطين وحقوقيين، فإن استبعاد ما يقارب مليوني مواطن من العملية الانتخابية يضع البرلمان المقبل أمام تحدي الشرعية داخلياً ودولياً، ويثير المخاوف من أن تتحول هذه الانتخابات من فرصة لمصالحة وطنية إلى محطة جديدة من الانقسام السياسي والمجتمعي.
ويبقى السؤال المطروح أمام السوريين اليوم: هل جاء قرار التأجيل لحماية نزاهة الانتخابات وضمان شفافيتها، أم أنه أداة للإقصاء السياسي ووسيلة لإعادة إنتاج الماضي بوسائل جديدة؟










