يشهد ريف القنيطرة الأوسط جنوبي سوريا، كارثة إنسانية جديدة تطال أهالي قرية الحميدية، الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا منازل ولا أراضٍ، بعد أن أُجبروا على ترك بيوتهم بالقوة، وتحويل قريتهم إلى قاعدة عسكرية مغلقة. هذه الخطوة حرمتهم من أبسط حقوقهم الطبيعية: السكن والاستقرار والعيش بكرامة فوق أرضهم وبين ممتلكاتهم التي ورثوها جيلاً بعد جيل.
حرمان الأهالي من السكن والأرض
أكّد أهالي القرية لـ”963+” أنّ “القوات الإسرائيلي نفّذت عمليات عسكرية متكرّرة خلال الفترة الماضية، أدّت إلى تهجير السكان قسراً، ومنعتهم من العودة حتى لترميم منازلهم أو استصلاح أراضيهم الزراعية التي كانت مصدر رزقهم الوحيد”.
فقد كانت الحقول والبساتين العمود الفقري للحياة في الحميدية، ومع أي محاولة للاقتراب من القرية، كان الردّ العسكري الإسرائيلي حاضراً بالأسلحة والدوريات، ما فاقم معاناتهم وشتّت العائلات بين القرى والبلدات المجاورة، دون أن يحصلوا على مأوى بديل.
النازحون أوضحوا أنّ المأساة لم تقف عند حدود فقدان البيت، بل امتدّت لتشمل خسائر اقتصادية كبرى، إذ شكّلت الأراضي الزراعية مصدر دخلهم اليومي. ومع فقدانها، خسروا الزراعة والإنتاج والمواسم، وضاعت حياتهم بأكملها.
كما عبّروا عن خشيتهم من أن تتحوّل المنطقة إلى ثكنة عسكرية دائمة تمنع أي أمل بالعودة مستقبلاً، بما يعني ترسيخ سياسة تغيير ديمغرافي واضحة في ريف القنيطرة.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يستجوب عدداً من سكان القنيطرة جنوب غربي سوريا – 963+
وعود الأندوف بلا تنفيذ
زار وفد من قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف) المنطقة، وجمع استبيانات من العائلات المتضررة، ووعد بدراسة أوضاعهم وإمكانية تقديم تعويضات أو مساعدات إنسانية عاجلة.
لكن الأهالي عبّروا عن خشيتهم من أن تبقى هذه الوعود حبراً على ورق، مؤكدين أن معاناتهم اليومية لا تحتمل الانتظار، فهم يعيشون بلا مأوى، ولا أرض، ولا مورد رزق.
ووجّه الأهالي مناشدات متكررة للمنظمات الحقوقية والإنسانية، مطالبين بالتدخل العاجل لوقف ما وصفوه بـ”الانتهاك الممنهج ضد المدنيين”، والعمل على إعادتهم إلى بيوتهم. وأكّدوا أن معاناتهم ستتضاعف مع قدوم الشتاء في ظل غياب أي مساعدات أو حلول بديلة.
وقالوا إن ما يحدث في الحميدية يمثّل دليلاً جديداً على حجم المأساة التي يعيشها المدنيون في المنطقة الحدودية، حيث يطغى المشهد العسكري على حياتهم اليومية، ويدفع الأبرياء الثمن غالياً.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يتوغل في ريفي دمشق والقنيطرة – 963+
عيد أبو أشرف، أحد المتضررين، يقول لـ”963+”: “في ليلة سقوط النظام، سمعنا أصوات الدبابات الإسرائيلية بكثافة، ومع حلول الثانية ليلاً دخلت القوات الإسرائيلية القرية وأنذرت السكان بإخلاء منازلهم فوراً لإعلانها منطقة عسكرية. خرجت العائلات بملابسها فقط دون أن تحمل شيئاً. وبعد أشهر، دخلت الجرافات الإسرائيلية من معبر الحميدية وهدمت جميع المنازل الخمسة عشر المحيطة بالقاعدة العسكرية، بما فيها ممتلكاتنا وأثاثنا، دون أن تسمح لنا بإخراج أي شيء”.
ويضيف أنّه لجأ مع عائلته إلى بيت متضرر جزئياً وقام بترميمه بمساعدة أقارب من الخارج، لكنه مهدّد اليوم بالتشرّد مجدداً مع عودة شقيقة زوجته من ألمانيا التي أعانته سابقاً.
أبو إبراهيم، من سكان الحميدية، يقول لـ”963+”: “في صباح الثامن من كانون الأول 2024، دخلت الدبابات الإسرائيلية القرية وأجبرت الأهالي على الخروج بملابسهم فقط. بعضهم توجه إلى دمشق أو خان أرنبة أو القرى المجاورة. أما أنا فبقيت مع عائلتي في منزل مهدّم جزئياً. خسرت أكثر من خمسين ألف دولار، وهو ما جمعته بعد سنوات عمل في لبنان، لأشتري أرضاً وأبني منزلاً سرعان ما دمّره الاحتلال”.
ويوضح أنّ “وفد الأندوف وعدهم بالتعويض عن المنازل والأراضي المدمّرة، لكن شيئاً لم يتحقق حتى اليوم، بينما تعيش عائلته في غرفتين ضيقتين بوضع مأساوي”.
الدكتور المهندس عرسان عرسان، من أبناء القنيطرة، الذي يساعد الأهالي في نقل شكاواهم، يقول لـ”963+”: “الأهالي توقفوا عن أي محاولة لإعادة إعمار منازلهم أو بناء مساكن جديدة، لأنهم يدركون أن الاحتلال سيهدمها مجدداً. المعاناة لا تقتصر على فقدان المساكن، بل إنهم يعيشون عبئاً مادياً يفوق طاقتهم، حيث يُجبرون على دفع إيجارات مرتفعة، وقد حُرموا من أراضيهم الزراعية التي كانت مصدر رزقهم الوحيد. كل ما يملكونه الآن هو الوعود، بينما لا يوجد أي إجراء عملي على الأرض”.
ويؤكد أن أسماء جميع المتضررين ووثائق ملكياتهم رُفعت إلى الأندوف، كما قدّم الأهالي شكاوى رسمية لدى النائب العام في القنيطرة، إلا أن الوضع ما يزال معقّداً، في ظل التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية.










