في تزامنٍ لافت مع الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد الابن، تستعد سوريا للكشف عن إصدار عملة جديدة مع حذف صفرين من قيمتها، وذلك في خطوة قدّرتها الحكومة ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي. ويرى المسؤولون في الحكومة أن هذه الخطوة تهدف إلى كبح التضخم، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتعزيز الاستقرار النقدي في الأسواق.
ومن المنتظر أن تتولى روسيا عملية طباعة الإصدار الجديد، بحسب “رويترز”. ويذهب مراقبون إلى أن الإصدار الجديد يمثل دلالة رمزية على دخول البلاد مرحلة سياسية واقتصادية مختلفة، تسعى من خلالها الحكومة والإدارة الجديدة إلى استقطاب الاستثمارات الخارجية وإعادة هيكلة النظام المالي بما يتماشى مع تطلعات السوريين.
إلى ذلك، قال حاكم مصرف سوريا في تصريح لـ”الحدث” إن تغيير العملة يشكل ركيزة أساسية في مسار الإصلاح الاقتصادي، مشددًا على أن الليرة الجديدة ستكون “علامة الحرية” وستقود إلى تعزيز الاستقرار النقدي.
اقرأ أيضاً: تصفير الديون الخارجية واستقرار الليرة السورية – 963+
وأوضح أن حذف صفرين من العملة سيسهم في خدمة الاقتصاد، في حين ساعد رفع العقوبات عن القطاع المصرفي في خفض معدلات التضخم.
وأضاف أن الليرة تحسنت بنحو 35% منذ سقوط النظام، لافتًا إلى أن تصميم العملة الجديدة يتناسب مع تطلعات السوريين.
كما كشف عن مساعٍ للتعاقد مع نظام “سويفت”، وإعادة هيكلة المصارف وإصلاحها، إلى جانب منح تراخيص لعشرات البنوك المحلية والأجنبية، مؤكدًا أن القطاع المصرفي سيخدم الاستثمارات ويعيد الثقة في النظام المالي.
وفي المقابل، يذهب خبراء إلى أن جدوى هذه الخطوة تظل مرتبطة بشكل عميق بمدى قدرة الحكومة على جذب استثمارات متنوعة، وكذلك نجاحها في ضبط منسوب البيئة السياسية والأمنية لتتماهى مع فكرة جذب الاستثمارات، فضلًا عن حتمية العمل بتوازٍ نحو تعزيز الثقة في العملة المحلية.
“خطوة جوهرية”
نحو ذلك، يقول الدكتور أسامة القاضي، المستشار الأول بوزارة الاقتصاد والصناعة السورية، إن عملية استبدال العملة خطوة جوهرية نحو تعزيز الاستقرار النقدي في سوريا، خصوصًا في ظل إشكالية السيولة التي تعاني منها الأسواق اليوم.
ويتابع في حديثه لـ”963+” أن خطوة تغيير العملة المزمع تنفيذها قبل نهاية السنة، وفي ذكرى سقوط نظام الأسد الابن، ستساهم في معالجة ثلاث قضايا خطيرة: المضاربة، والتزوير، وغسيل الأموال، كما ستوفر سيولة كافية تعزز الثقة بين المصارف والمودعين، بما يمنح الجهاز المصرفي دورًا أكبر في الحياة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
ويلفت القاضي إلى أن نجاح عملية الاستبدال يعتمد على التخطيط الدقيق؛ فإذا كان الموعد المرتقب في الثامن من كانون الأول/ديسمبر المقبل، فعلينا أن نضمن وجود بنية تحتية قوية لتسهيل عملية السحب والإيداع دون اختناقات.
ويُقترح توفير جهاز سحب واحد على الأقل لكل خمسين ألف نسمة في مختلف المحافظات، لتجنب أي ازدحام أو عوائق خلال عملية الاستبدال. إلى جانب ذلك، من الضروري الإسراع في استكمال منظومة الدفع الإلكتروني عبر البطاقات المصرفية، وتوسيع انتشار نقاط البيع في جميع المحافظات السورية، بحيث تصبح العملة الجديدة قابلة للتداول الإلكتروني بسلاسة.
ويشدد القاضي، في ختام حديثه، على أن نجاح هذه المنظومة المصرفية والبنية التحتية المرتبطة بها هو الشرط الأساسي لنجاح العملة الجديدة وإكسابها الثقة والاستقرار المنشودين.
من جانبه، يرى الأكاديمي الروسي رولاند بيجاموف أن اعتماد سوريا على روسيا في طباعة عملتها يعود إلى توقف الشركة الأوروبية التي كانت تتولى هذه المهمة عن التعامل مع دمشق عقب فرض العقوبات قبل نحو عقد من الزمن، الأمر الذي دفع سوريا للاعتماد على موسكو في هذا المجال.
ويضرب بيجاموف مثالًا على ذلك بالأوراق النقدية من فئة 2000 ليرة (إصدار 2017) و5000 ليرة (إصدار 2019)، التي جرى طبعها جميعًا في روسيا، وتحديدًا داخل شركة “غوزناك” الحكومية، المحتكرة لطباعة النقود هناك، ما جعل اللجوء إليها الخيار الطبيعي أمام سوريا.
اقرأ أيضاً: الليرة السورية تسأل: هل يكفي رفع العقوبات؟ – 963+
ويشير في تصريحات لـ”963+” إلى أن خطوة حذف الأصفار تمثل إجراءً اقتصاديًا مهمًا، إذ تسعى الحكومة السورية من خلالها إلى ضبط الكتلة النقدية والسيطرة على الأسواق، خاصة في ظل تزايد الضغوط المالية. ويُتوقع أن تسهم هذه العملية، إلى جانب إجراءات أخرى، في تحسين وضع السوق.
غير أن التساؤل يظل قائمًا: هل ستنجح القيادة السورية في استعادة الثقة بالعملة الوطنية؟ يضيف بيجاموف أن الإجابة تبقى غير محسومة، مؤكدًا أن روسيا ستواصل طباعة الأوراق النقدية السورية باعتبارها مساهمة في دعم الحكومة، خصوصًا في إطار العلاقات البراغماتية المتنامية بين الطرفين.
آثار تضخمية كبيرة
بدوره يلفت الخبير الاقتصادي سمير طويل في تصريحات لـ”963+” إلى أن موضوع حذف صفرين من العملة السورية ليس جديدًا، بل سبق أن اتخذته عدة دول، مشيرًا إلى أن التجارب القريبة مثل تركيا وإيران تؤكد أن هذا الخيار له تداعيات مختلفة.
ويشير طويل إلى أنه، بالنسبة للتجربة السورية، لا يميل إلى تأييد خطوة حذف الأصفار، مبينًا أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى آثار تضخمية كبيرة أو غير مسيطر عليها من قبل الحكومة أو المصرف المركزي، خاصة وأن الأخير يعيش حالة إنهاك، شأنه شأن الاقتصاد السوري الذي تضرر جراء حرب استمرت أكثر من 14 عامًا ضد الشعب السوري.
ويوضح أن موضوع حذف الأصفار يتطلب دراسة معمّقة لمعرفة حجم الآثار التضخمية والفوائد المحتملة منه، داعيًا المصرف المركزي السوري إلى توضيح أهدافه للرأي العام والمهتمين بالشأن الاقتصادي قبل المضي في هذا الخيار.
وفي المقابل، يضيف طويل أن هناك حلولًا أخرى قد تكون أسهل من حذف الأصفار، مستشهدًا بالتجربة اللبنانية التي لجأت إلى اعتماد الدولار أو التسعير به، وهو ما ساعد في ضبط نسبي للتضخم، لكنه في الوقت ذاته مكلف، نظرًا لصعوبة سحب العملة القديمة وإصدار عملة جديدة وما يرافق ذلك من أعباء على البنك المركزي والتعاقد مع شركات الطباعة.
اقرأ أيضاً: العملة السورية… بين استبدال صور عائلة الأسد وإزالة الأصفار – 963+
ويشدد على أن المصرف المركزي السوري مطالب بدراسة دقيقة لحجم التضخم والآثار المترتبة على أي قرار في هذا الاتجاه، خاصة وأن الاقتصاد السوري يعاني اليوم من تضخم على مستويين: محلي وعالمي. وأضاف أن معدلات التضخم مرتفعة بالفعل رغم تراجع بعض الأسعار، لافتًا إلى أن سعر الدولار وصل إلى 20,000 ثم 40,000 ليرة مع نهاية عام 2024، لكنه تحسن بعد سقوط النظام ليصل إلى ما بين 8,000 و10,000 ليرة مقابل الدولار الواحد.
ويبيّن طويل أن المطلوب ليس فقط التفكير في حذف الأصفار، بل وضع حزمة أوسع من الإجراءات لمكافحة التضخم، حتى لا تنعكس القرارات سلبًا على الأسعار في الأسواق، خصوصًا مع ضعف الرواتب واتساع الفجوة التضخمية.
أما بخصوص طبيعة اختيار الشركات التي تتولى عملية الطباعة، فأوضح طويل أنها تعود إلى التعاقد الذي يبرمه المصرف المركزي مع شركات محددة، وربما يكون هناك عقد لفترة زمنية معينة، كما حدث مع طباعة العملة السورية في روسيا. وهذا الأمر يُترك للمصرف المركزي أو للحكومة.
ويؤكد أن مسألة الطباعة بحد ذاتها، وفي أي مكان تتم، لا علاقة لها بالإجراءات والآثار الاقتصادية وانعكاسها على الاقتصاد السوري، فهي أمر ثانوي وغير مهم، بينما الأهم هو دراسة القرار نفسه.
ويختم الخبير الاقتصادي السوري بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تستدعي دراسة القرار بشكل معمّق قبل تنفيذه، حتى لا يترك آثارًا تضخمية كبيرة على الاقتصاد السوري ومعيشة المواطن.










