في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة السورية إلى تحسين صورتها الخارجية، عبر استعادة العلاقات الديبلوماسية والمشاركة في المحافل الدولية، تتصاعد في الداخل مؤشرات على حالة من التخبط والارتباك في إدارة أبرز الملفات المحلية الحساسة. ففي الجنوب، شهدت محافظة السويداء، اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية من جهة، ومقاتلي من عشائر البدو من جهة أخرى أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى. وفي الشمال الشرقي، يستمر الجمود في ملف “قسد”، وسط غياب أي رؤية واضحة أو مبادرة فعالة لحل الملفات القائمة.
فهل يعكس هذا الأداء ضعفاً في مؤسسات الدولة؟ أم أن هناك أولويات سياسية تضع الداخل في مرتبة ثانية بعد الملفات الخارجية؟ وهل يمكن اعتبار هذا التخبط مؤشراً على أزمة أعمق في بنية القرار السياسي؟ أم أنه مجرد تعثر مؤقت في ظل تعقيدات المشهد السوري؟
يؤكد الصحفي والمحلل السياسي عبد الحليم سليمان، المقيم في مدينة القامشلي، أن الحكومة السورية تعيش حالة مستمرة من التخبط في إدارة القضايا الوطنية، خاصة في ظل إعلانها عن مجموعة من الخطوات التي تحمل عناوين عملية انتقالية، وتبعث نوعاً من الأمل لدى السوريين، لكنها في الوقت ذاته تثير الحذر والانتظار.
اقرأ أيضاً: بحضور أميركي وفرنسي.. وفد من “الإدارة الذاتية” يلتقي مسؤولين بالحكومة السورية – 963+
لا حلول جذرية
ويشير إلى أن الحكومة تقوم بخطوات مثل الحصول على “الشرعية الثورية” وتنظيم مؤتمر الحوار الوطني، وهي خطوات يُفترض أن تؤسس لعملية انتقالية، لكنها تُنفّذ بشكل أحادي وتقصي باقي القوى الفاعلة في البلاد، سواء كانت سياسية أو مدنية أو حتى عسكرية.
ويضيف سليمان لـ”963+” أن “الحكومة لا تراعي بشكل حقيقي المكونات المجتمعية المختلفة، مثل الأكراد أو الإدارة الذاتية، أو حتى المكونات ذات الطابع الديني، ما يجعل تلك الخطوات تؤسس عملياً لسلطة أحادية تُفرض على الناس، وتثير الريبة والشك منذ الأيام الأولى. ويلاحظ أن هذه الريبة تتصاعد مع استمرار دمشق في محاولة فرض سيطرتها بأساليب تعتمد على العنف، وهو ما يؤدي إلى تفجر العديد من الأزمات داخل البلاد”.
ويرى سليمان أن الحكومة تسعى لتحسين صورتها في الخارج، وتعمل ضمن إطار صفقات دولية تهدف إلى تعزيز موقعها كسلطة بديلة لنظام بشار الأسد، وتقديم تطمينات خارجية، لكنها في المقابل لا تقدم حلولاً جذرية وشاملة. ويشير إلى أن جميع الخطوات التي تتخذها الحكومة تهدف إلى بسط سلطتها على الداخل السوري، وليس إلى معالجة القضايا بشكل فعلي، مما يخلق المزيد من التعقيدات والمشاكل والاعتراضات، ويؤدي إلى أخطاء كبيرة، مثل ما حدث في السويداء، حيث تواجه السلطة مكوناً أصيلاً في البلاد باستخدام العنف والترهيب، فقط من أجل فرض السيطرة على منطقة خارجة عن نفوذها.
ويشدد سليمان على أن المشكلة لا تكمن فقط في التنفيذ، بل في التخطيط والفكرة نفسها، حيث أن جميع الخطوات التي يُفترض أن تؤسس لمصالحة وطنية لا تُؤخذ بعين الاعتبار، وتُنفّذ بطريقة إقصائية لجميع القوى الفاعلة، مما يجعل الفكرة من أساسها خاطئة.
ويلاحظ أن الحكومة تحاول إعطاء نوع من التطمين عبر خطاب سلس ومريح، سواء من خلال تصريحات رئيس الحكومة أو البيانات الرسمية، لكن التنفيذ العملي يأتي مخالفاً لتلك التصريحات، ويُنفّذ بشكل موارب لا يتماشى مع الوعود، خاصة تلك المتعلقة بتحسين مستوى المعيشة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، مما يؤدي إلى أزمة ثقة عميقة بين المواطن والسلطة، التي لم تُحدث أي فارق مقارنة بالنظام السابق.
أما فيما يتعلق بالأزمة داخل بنية الدولة، فيقسمها سليمان إلى عدة مستويات، أبرزها المستوى الأحادي والإقصائي، حيث تسعى السلطة إلى تشكيل فريق صغير منسجم يتحكم بمفاصل الحكم، وهو ما أشار إليه الرئيس السوري سابقاً.
كما يلفت إلى وجود نوع من عدم الانسجام بين القوى المسيطرة على الأرض، بالإضافة إلى تباين فكري بين تيارات مختلفة داخل السلطة، منها تيارات متشددة، وأخرى براغماتية، وأخرى غير راضية عن أداء السلطة، وتعتبر أن هناك تنازلاً عن الثوابت الدينية.
ويخلص سليمان إلى أن التحديات داخل بنية الحكم الجديد تتفاقم، في ظل تجاهل ملفات تتعلق بالتكوين المجتمعي للدولة، من حيث القوميات والأعراق والديانات والطوائف، مما يخلق أزمة بنيوية ناتجة عن عدم إشراك هذه المكونات في العملية السياسية، ويعيق بناء دولة جامعة تقوم على التعددية والمشاركة الحقيقية.
اقرأ أيضاً: مؤتمر “وحدة الموقف” بالحسكة يدعو لدستور ديموقراطي وإطلاق مسار العدالة الانتقالية – 963+
تحديات داخلية معقدة
يرى المحلل السياسي سامر خليوي، المقيم في لندن، أن الحكومة السورية لا تتردد في التعامل مع القضايا الداخلية، بل تواجه ملفات شائكة ومعقدة تتطلب وقتاً لمعالجتها. ويؤكد أن هذه التحديات لا تتعارض مع النشاط الخارجي للدولة، بل تسير بالتوازي معه، مشيراً إلى أن التدخلات الخارجية في الشأن السوري تساهم في تعقيد الوضع الداخلي.
ويشير خليوي إلى أن الحكومة السورية تواصل التقدم في ملفات الاقتصاد وضبط الأمن، رغم أن السيطرة الكاملة على الأراضي السورية لم تتحقق بعد.
ويضيف أن بعض عناصر النظام السابق لا تزال تشكل عبئاً على الدولة، وتحاول عرقلة جهودها في إعادة بناء سوريا.
وفيما يتعلق بتطابق خطاب الدولة مع ممارساتها على الأرض، يوضح خليوي أن الملفات الداخلية تتجدد باستمرار، مستشهداً بمشكلة “قسد” التي تبقى عالقة بسبب عدم التزامها بالاتفاق الموقع مع الرئيس السوري. كما يلفت إلى أن “الهجري” ينقض الاتفاقات المبرمة معه بشكل متكرر، فضلاً عن وجود فلول في الساحل السوري تساهم في استمرار التوتر وعدم الاستقرار.
ويؤكد خليوي لـ”963+” أن الحكومة السورية تتعامل مع هذه الملفات بحذر ودبلوماسية، ويشدد على أن من حقها بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية. كما يرفض تحميل الدولة مسؤولية عدم الاستقرار في السويداء أو في مناطق سيطرة “قسد”، موضحاً أن الدولة تبذل جهوداً دبلوماسية لحل هذه القضايا، لكن “قسد” ترفض الالتزام وتستقوي بالدعم الخارجي.
ويكشف خليوي عن وجود تنسيق بين “الهجري” و”قسد”، مشيراً إلى ارتباط “الهجري” بزعيم الدروز في فلسطين المحتلة، ما يزيد من تعقيد المشهد الداخلي السوري.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية على الأرض، إذ تركز الحكومة في خطابها على الإنجازات الدبلوماسية ومحاولات فك العزلة الخارجية، في حين تبقى الأزمات الداخلية قائمة أو تتفاقم. غير أن آخرين يعتبرون أن هذا النهج يعكس ترتيباً للأولويات، حيث تسعى دمشق إلى استثمار أي تقدم خارجي في كسر الحصار والعقوبات، أملاً في أن ينعكس ذلك لاحقاً على الداخل.










