أخذ مؤتمر الحسكة، الذي عُقد في 8 أغسطس الجاري تحت عنوان “مؤتمر وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، نصيباً كبيراً من الاتهامات التي كالها موالون للسلطة الحالية حول خرافتي “حلف الأقليات” ضد “حكم السنة” في دمشق. إلا أن ما غاب عن أذهانهم هو أن كل ما في هذا المؤتمر يدحض تلك الخرافات، ويؤسس لأسلوب جديد في ممارسة السياسة من أجل تحويل سوريا إلى دولة، بدلاً من استمرارها في مستنقع الفشل المستمر منذ أكثر من خمسة عقود.
أول ما يميز هذا المؤتمر هو عنوانه الذي يركز على مفهوم “المكونات”، وهو مفهوم يناقض بجوهره مفهوم “الأكثرية والأقليات” غير السياسية، والمستخدم في الأوساط السياسية المعارضة منذ أربعة عشر عاماً على الأقل. هذا التناقض لا يكمن فقط في حقيقة أن تعبير “المكونات” يشمل الأكثرية القومية والدينية إضافة إلى الأقليات، بل – والأهم – لأنه يشملها على قدم المساواة. فاستخدام هذا التعبير يعني، أولاً، الاعتراف بوجود المكونات وبمخاوفها، التي قد تتراوح بين الخوف من الإبادة الشاملة أو الثقافية أو العبودية، أو حتى الخوف من التهميش المزمن. كما يعني، ثانياً، وضع هذه المكونات على قدم المساواة مع بعضها بعضاً، بهدف تحييد تلك المخاوف وإخراجها من تخندقها القومي والديني.
بهذا المعنى، يشكل مفهوم المكونات، كما تناوله مؤتمر الحسكة، نقضاً لمفهوم الأقلية نفسه، إذ لا تبقى الأقلية الهوياتية أقلية حال زوال الخطر الوجودي عنها. ولعل أفضل تعبير عن ذلك هو ما قالته حنّة آرندت، الأممية من أصل ألماني يهودي: “إن تمت مهاجمتك كيهودي، فعليك الدفاع عن نفسك كيهودي، لا كألماني أو كمواطن أممي أو كحامل لحقوق الإنسان أو غيرها”. بالمقابل، ما فعلته سلطة دمشق، ومن قبلها المعارضة السورية، هو استهداف الناس لما خُلقوا عليه، ودفع – في الحالة الدرزية مثلاً – كثيراً من الناشطين الذين لم يعترفوا يوماً بالسلطة الدينية الدرزية إلى الالتفاف حولها في مواجهة الإبادة.
التصويب الذي قام به هذا المؤتمر لمفهوم الأقلية والأكثرية، الذي جرى إساءة استخدامه بشدة من قبل موالي السلطة الحالية، هو الضمانة الوحيدة لإعادة الروح إلى السياسة في سوريا، ولمنع البلاد من الغرق مجدداً في مستنقع الاستبداد. ففي الحقيقة، لا توجد أي عبرة تُذكر لمفهوم الأكثرية غير السياسية، لا في الدول الحديثة ولا حتى القديمة. وأي استخدام لمثل هذا النوع من الخطاب عن الأكثرية إنما هو محض خداع للمواطنين من أبناء الأكثرية قبل غيرهم. فلا يوجد مثال واحد في العالم عن دولة كانت لبعض مواطنيها دون البعض الآخر كما يعتقد الموهومون بـ”الحكم السني”، بل كانت هذه الدول على الدوام لأفراد فقط، وليس لأي مكون آخر، سواء كان أقلياً أم أكثرياً.
هكذا كان حال الممالك القديمة والدول الحديثة التي حذت حذو تلك الممالك، كألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، وإسبانيا القومية الكاثوليكية، وعراق وسوريا العروبة. وباستثناء الحالة الأمريكية – وهي حالة خاصة لم تكن تعتبر الزنوج مواطنين أصلاً، وكانت تضعهم في طبقة متوسطة بين الحيوانات والبشر استناداً إلى داروينية متخلفة تشبه السلفية المتخلفة المسيطرة اليوم – لم تنتج الدولة القائمة على الإقصاء الهوياتي (القومي أو الديني أو كليهما معاً في الحالة السورية) إلا دولة إقصاء سياسي كذلك، أي دولة ديكتاتورية.
إضافةً إلى الدلالات التي يحملها عنوان المؤتمر وتركيبة المشاركين فيه، فإن مخرجاته ترسم ثالوث مبادئ يمكنه انتشال سوريا من الطغيان وضمان عدم الوقوع فيه مجدداً. تقوم أركان هذا الثالوث على: الديمقراطية، وترسيخ التعدد القومي والديني والثقافي، والدولة اللامركزية. وإن كان من البديهي أن غير المتورطين مع السلطة السلفية الحالية متفقون – نظرياً على الأقل – على أهمية الديمقراطية، وإلى حد كبير على أهمية وضع دستور يرسخ التنوع المجتمعي، فإن دعمهم للركن الثالث المتمثل في شكل الدولة اللامركزية أمر أساسي في ضمان عدم تقهقر البلاد إلى الطغيان مرة أخرى.
فالتاريخ الدموي لسوريا لا يسمح بالاطمئنان إلى قدرة الديموقراطية والدستور وحدهما على مواجهة حالة جنون جماعية قد تصيب البلاد، فتعيد الديكتاتورية وتبيد الآخرين. لم ينجح هذان الركنان في منع صعود النازية في دولة مثل ألمانيا، فكيف الحال إذاً في دولة مثل سوريا، التي تثبت يوماً بعد يوم أن المكون الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه سيتعرض للقتل والسبي والنهب أكثر بكثير ممن يستطيع الدفاع عن نفسه من خلال قوته العسكرية الرادعة؟ قد يكون ثمة حل آخر هنا، وهو نزع سلاح الدولة نفسها أولاً، ولكن إلى ذلك الحين يتوجب الحفاظ على قدرة المكونات على الدفاع عن نفسها من خلال الدولة اللامركزية.
ما يقدمه هذا المؤتمر، إذاً، رغم اقتصاره حالياً على مكونات شمال شرقي سوريا، هو فرصة أمام السوريين لممارسة السياسة بشكل مختلف عما اعتادوا عليه: سياسة تعتمد على تحييد مخاوف المكونات تمهيداً لإخراجها إلى المجال السياسي العام، كما تطرح ثالوث المبادئ اللازمة لتحويل سوريا إلى دولة بعد مرور قرن على تأسيسها. كما أنها تثبت، للمرة الأولى في تاريخ سوريا، أن الديمقراطية لها مخالب أيضاً، وليست مجرد كلام في صالونات السياسة، على أمل أن تتوسع مقاربة هذا المؤتمر لتشمل المكونات السورية كافة.










